بحوث ومقالات
1- الاغتراب والحنين في شعر د. محمد إياد العكاري
د. نبيل
بن عبد الرحمن المحيش
أستاذ
الأدب العربي ـــ الأحساء
شعر الاغتراب والحنين من أصدق ألوان
الشعر ؛ لأنه يعبّر عن خَلَجَات النَّفس وألم الفؤاد
بسبب الفراق والبُعد عن الأهل والأوطان ومرابع الصِّبا
ومراتع الشَّباب والحنين إليهم .
ويُعَدُّ شعر الغُربة والحنين من أبرز
أغراض الشعر عند د. محمد إياد العكاري ، وهو موجود في
ديوانَيْهِ (عزف الحنين) و (أشواق الرُّوح) ، إضافة
إلى مجموعة من القصائد يمكنها أن تملأ ديواناً كاملاً
، ويندُرُ هذا الشِّعر في دواوينه الأخرى (صدى
الأعماق) و (لبيك أقصى) و (مقال التاريخ الله أكبر) .
ونحن نعلم أن الشَّاعرَ لم يغترب عن
وطنه إلا بسبب رفضه للظُّلم والذُّلِّ والخضوع لأعداء
الحقّ والدّين والقيَم الإنسانية النبيلة ، فاتَّخذ من
هذه البلاد الطَّاهرة (المملكة العربية السعودية)
موطناً جديداً له وعاش أكثر من خمسٍ وعشرين سنة في
الأحساء ، عرفه أهلها ووجهاؤها وأدباؤها إنساناً
كريماً وأديباً لامعاً وطبيباً ناجحاً .
وما فتيء الشاعر يجاهد بالكلمة الحرة
، شعراً ونثراً ، متفاعلاً مع آلام أمته الإسلامية
وقضاياها الكبيرة ، وداعياً إلى الخير والإصلاح
والفضيلة ، كما يتضح ذلك في قصيدته (وأعصِرُ مهجتي
سحباً) :
فجلق مهجة
الأحرا
ر قلعة أمتي رَهَبَا
وفيها تشـرق الدنيا
ومنها
الدين ما غربا
أنا الولد الشـقيُّ بها
أنا
الحرُّ الذي اغتربا
جج
وسوف أتناولُ في هذه المقالة دراسة
مراحل الاغتراب عند الشَّاعر ومضامينه ، وأختم بالحديث
عن خصوصية الشاعر في التعامل مع آلام الغربة.
(1) مراحل الاغتراب :
باستقراء شعر الغربة عند العكاري يمكن توزيعها
على مرحلتين زمنيتين :
·
المرحلة الأولى : تمثل بدايات الغربة ، وهي المرحلة التي لم
تشتعل فيها نـيران الأشـواق والحنين إلى وطنـه ، وإذا
استعرضنا ديوانَـه (صدى الأعماق) الذي صدر سنة 1411 هـ
لم نجد فيه من هذا الشعر إلا قصيدة واحدة هي قصيدة
(ومضات) وفيها يقول :
|
لسانُ الحالِ أعجرني كلاما
وبينَ البينِ والتبيانِ حالٌ
|
|
وحالُ البَيْنِ أورثني سقاما
كجُرحٍ نزّ ما عرفَ التئاما
|
ويحدوه فيها الأمل إلى لقاء الأهل في وطنه :
|
تُرى الأيام تجمعُنا لماما
أم الأقدار توصلنا بأهل
|
|
أو الأزمان تبلغنا مراما
بأرض محبة نلقى الكراما
|
·
المرحلة الثانية : وهي مرحلة الحنين والاشتياق بعد ما طالت غربة
الشاعر عن وطنه ، ومن خير ما يمثل ذلك قصيدته (يا فؤاد
ترفقا) وفيها يقول :
|
هاج اشتياقي والحنين كمرجلٍ
|
|
|
|
يغلي وصبري من جواي كليل
|
|
والأمنيات لها بصدري فسحةٌ
|
|
|
|
فالروح تسبح في المنى وتجول
|
|
ومراكبي شَدَّتْ لجلقَ رحلها
|
|
|
|
تجديفها بمشاعري مجدول
ج |
| |
|
|
|
|
أتراه ليل الاغتراب يزول
|
|
|
|
أم أن حلم الوالهين ذهول
|
| |
|
|
ويتأجّج هذا الشوق للشَّام الحبيبة بعد ما أمضى
الشاعر عَقْدين من عمره بعيداً عنها في غربته ،
ويتمثّل ذلك في قصيدته (أيظل عسف الاغتراب يسوم)
وفيها يقول :
|
عشرون عاماً والشآم بعيدة
|
|
|
|
عني ووجدي كالجبال عظيم
|
|
عشرون عاماً والرماحُ تنوشني
|
|
|
|
في غربتي والنائباتُ هجوم
|
|
عشرون عاماً في النَّوى قلبي اكتوى
|
|
|
|
وصدى الأنين من الحنين هزيم
ج |
|
عِقْدانِ من عمر الحنين حكاية
|
|
|
|
فيها وفيها للحُلُومِ صروم
|
| |
|
|
|
(2) مضامين الاغتراب في شعر العكاري :
يدور معظم شعر الاغتراب عند
الشاعر حول الشَّوق والحنين إلى الأهل الذين فارقهم ؛
والديه وإخوانه وأقاربه وأصحابه ، وإلى بلاده التي
فارقها ، وإلى بلاد الشام الحبيب ، ومدينة حماه وبردى
وقاسيون والغوطة ، وتمتلئ قصائد الشاعر بذكر هذه
الأماكن والربوع ، يقول الشاعر في قصيدته (همسات الروح
في ليل الغربة) :
|
ناءٍ عن الأهل والأوطانِ مغتربٌ
|
|
|
|
هَمٌّ وضنكٌ وأشجانٌ تغلله
|
|
أم رؤوم هي الإحسان وَا لهَفي
|
|
|
|
أب رحيم طيوف الروح تحمله
|
|
شامٌ حبيبٌ إلى قلبي وملعبه
|
|
|
|
روض وماءٌ وأشجار تظلّله
ج |
|
شوقي حماة دياري سحر أغنيتي
|
|
|
|
كيف الجفاء وقد آليت أوصله
|
| |
|
|
|
ويمتلئ ديوانه (عزف الحنين) و (أشواق الروح)
بكثير من القصائد التي ما فتئ يتذكر فيها تلك المرابع
الخالدة ، يقول في قصيدته (ذكراك يا بردى) :
|
لي في الشآمِ معالِمٌ ومغاني
|
|
|
|
ومشاعرٌ حرّى وعرس أغانِ
|
|
شوق المحب إلى الحبيبِ يخطُّهُ
|
|
|
|
قلبٌ يرفُّ بلهفةٍ وحنانِ
|
|
نامت عيونُ العاشقينَ بليلنا
|
|
|
|
وعيونُنَا نامت بلا أجفانِ
ج |
|
بردى ذكرتُكِ في صفاءِ مشاعري
|
|
|
|
أشكو إليكِ بلوعةٍ أشجاني
|
| |
|
|
|
ويخص الشاعر مدينته ومدينة آبائه وأجداده حماه
متذكراً فيها مرابع صباه ومراتع لهوه في ظـلال نهرها
العاصي ونواعيرها الحِسَان في قصيدتــه (ذكراكِ يا أم
الفداء) :
|
أحماة تلك منارتي قيثارتي
|
|
|
|
هتف الجنان حنينه أزكاه
|
|
تلك النواعير الحسان عرائسٌ
|
|
|
|
غرَّدن ألحانَ الهوى أشجاه
|
|
أحماة تلك مناهلي ومرابعي
|
|
|
|
ومواطن الأجدادِ فيض عطاه
ج |
|
والنهر في عرس الخمائل مشرقٌ
|
|
|
|
بفرات ماء بالجمان سقاه
|
|
وروى الأحبة بالأصالة والنّدى
ج |
|
|
|
ما كان كلا عاصياً لضناه
|
| |
|
|
|
|
(3) خصوصية الشاعر في التعامل مع آلام الغربة :
قديماً قالت الخنساء بيتها المشهور التي عبّرت
فيه عن تعاملها مع حزنها على أخيها صخر :
|
ولولا كثرة الباكين حولي
|
|
|
|
على إخوانهم لقتلتُ نفسي
|
| |
|
|
فلنقف لنرى ما خصوصية الشاعر في تعامله مع آلام
غربته ؟ وهل أسهم ذلك في تخفيف وطأتها على نفسه ؟
تكمن الخصوصية في إيمانه العميق بالله والالتجاء
إليه بالدعاء ، هذا الإيمان الذي يدفعه إلى التسليم
بقضاء الله وقدره ، والرضا :
|
فلتهدئي يا نفس طيبي واصبري
|
|
|
|
فالحمدُ سعدٌ ، والرضا إكليلُ
|
| |
|
|
|
والأنس في قدر الإله وحكمه
|
|
|
|
لا بُدَّ لِلَّيلِ الطَّويلِ أُفُولُ
|
| |
|
|
وهذا الإيمان يدفعه إلى الأمل ، والاستبشار ،
والتفاؤل بالمستقبل ، وزوال ليل الاغتراب :
|
وتهب في جنح الظلام بشائر
|
|
|
|
ويلوح في كَبَدِ السَّما قِنديل
|
|
فعساه يندي مهجتي نسرُ العُلا
|
|
|
|
ولقبة المجد الأثيل يؤول
|
|
وعسى تلاقي الشام أفئدة همتْ
|
|
|
|
ويعانق الجبل الأشمّ نزيل
ج |
| |
|
|
|
ومما ساعد الشاعر على تحمل آلام الغربة ذلك
الاستقرار النفسي الذي يعيشه في أسرته مع زوجته
وأبنائه ، وقد ظهر ذلك في تصويره لتجربة غربته في
أمريكا حيث استعان بهذه الخصوصية حينما رمي في الغرب
بأهداب ـ كما وصفها ـ طويلة وعيون كحيلة وخدود تقطر
عُسُولة وشَعر وضفائر وجديلة حتى بدأ قلب الشاعر يقرع
طبوله :
|
والنفس منها أولعت وغدت كنيرانٍ وبيلة
فصحوت لا للحلم لكن للترانيم العليلة
|
فكانت إجابته لهذه الفاتنة الغاوية :
|
زوجٌ أنا ومحصن والقلب أولع بالحليلة
وأب لخمسة صبية صنو الفؤاد هم الفسيلة
وأريدُ أحفظ أسرتي وأصون روضتي الجميلة
|
ويرى الشاعر في إخوانه وأصدقائه الذين تآلفت روحه
معهم عاملاً من عوامل تخفيف حزن الغربة وألمها :
|
كل بعيد فلا أنس ولا وطن
|
|
|
|
ولا سرور ولا أهل تعلله
|
|
ولا نسيم الصبا يسري لغربتنا
|
|
|
|
من زهر غوطتنا فالبعد يخذله
|
|
ولا سحابة حب غيثها غدق
|
|
|
|
ولا هناء ولا خلان تشغله
ج |
|
إلا أخوة ودٍّ أذهبت حَزَني
|
|
|
|
فالله ألّفها والحب أنبله
|
|
حمداً إلهي على الأصحاب أعرفهم
ج |
|
|
|
بيض الوجوه كرام الأصل آصله |
| |
|
|
|
|
وأخيراً نقف مع هذا الشاعر والنسر الشامخ في سماء
العلا وهو يخاطب سيدة المدائن دمشق حديث كله شوق وأمل
:
|
دمشق عروس قافيتي
|
|
|
|
أجيبي داعياً سلبا
|
|
أتيتُ إليكِ في كلف
|
|
|
|
وجئت أتوق منتحبا
|
|
كطفل أمه اختُطِفَت
|
|
|
|
لحقٍّ ضاعَ واغتصبا
ج |
|
فهل تحلو لكِ الأيام
|
|
|
|
نلقي الهمَّ والحجبا ؟!
|
|
وأن ألقاك يا وطني
ج |
|
|
|
ولا ألقى بك النَّصَبا
|
|
لنلقى الشام حضن رضا
|
|
|
|
وأمّاً ضمه وأبَا
|
|
فعذراً فالنوى كلمي
|
|
|
|
أيبقى الجرح ملتهبا ؟
|
|
وهل نحيا بلا وطن ؟!
جج |
|
|
|
وكيف يعيش من نكبا ؟!
ج |
|
فهل وصل إليه بدا
|
|
|
|
وهل أمر له حزبا ؟
|
|
وهل طب يلوح له
|
|
|
|
يداوي العين والهدبا
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
|
هكذا هو شاعرنا العكاري كله أمل وشوق لا يعرف
اليأس إلى قلبه طريقاً ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
:
] وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن
رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ
اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[
.
الأحساء في 11/3/1427 هـ
الصفحة الرئيسية |