أول ما خلقَ اللهُ من الأَرضِ مكَّة

ومنها دُحيت الأَرض

 

بقلم

الدكتور فهمي توفيق محمد مقبل

 

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

 قسم الدراسات الاجتماعية، كلية التربية

 جامعة الملك فيصل

 

 

       اختيرت مكة المكرمة مؤخراً - من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)-  عاصمة الثقافة الإسلامية، فهل هذا التكريم لمكة أم للمنظمة؟ لا شك في أن للمنظمة الإسلامية (إيسيسكو) المعنية برقي وتطوير المدينة الإسلامية، وفق رؤى وخصوصية إسلامية شفافة، جهوداً محمودة لا تنكر، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل مكة المكرمة تحتاج إلى وسامٍ ؟ قد لا يجد له متسعاً على صدرها المثقل بالأوسمة والنياشين - الدينية والدنيوية- لعل المنظمة الإسلامية - في هذا المقام - هي من تحتاج إلى وسام من مكة المكرمة تضعه على صدرها في يوم الفخار، كونها المدينة المقدسة العتيقة التي اختارها الله Y أول بيت جعله للناس مثابة وأمنا .. حقاً من يكرم من !؟

       فحسب مكة أن من رحمها خلق الله الأرض ومنها دحيت(1) وكعبتها المشرفة التي تقع في وسط العالم هي صُرَّة الأرض ومركزها، هذا يعني أن مكة هي أُم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل معمور منها، والعاصمة العالمية للأرض، وهي بالتالي أُم الثقافات الإنسانية جميعاً، هي بحرها ومحيطها، ضحى شمسها وقمر ليلها، نجوم سمائها وأبجدية أرضها. والثقافة بكل ما تعنيه الكلمة من إرث حضاري تراثي معنوي ومادي بدأت خطاها الأولى من مكة، وآية ذلك كله ما تشهد به المأثورات التاريخية القديمة القائلة بأن أبانا آدم u يوم هبط الأرض خارجاً من الجنَّة، تملكه خوف شديد، فرفع بصره إلى السماء وتوسل إلى ربه قائلاً: "ربِّ مالي لا أسمعُ صوت الملائكة ولا أُحس بهم"؟! فكان الجواب: "إنها خطيئتك يا آدم ... اذهب وابن لي بيتاً، وطف به واذكرني حوله، فطفق يبحث عن مكان يبني فيه الذي أمره ربه أن يبنيه، فانتهى به المطاف إلى وادي مكة، وبنى البيت العتيق، الذي أصبح منذ ذلك الزمن وإلى يومنا هذا وحتى يرث الله الأرض وما عليها، مكاناً مباركاً يحج إليه الناس من كل فج عميق طلباً للرحمة والغفران.  

       تذهب الروايات التي تتحدث عن الجذور التاريخية لمكة إلى أبعد من ذلك، فتذكر أن الملائكة هم الذين بنوا بيت الله في هذا الموقع (مركز الأرض) لتكون مزاراً ومطافاً لهم فيه، لا جرم أن مكة المكرمة تعد واحدة من أعظم وأكثر مدن الأرض وعواصمها مكانة وشهرة، ولم تحظ أي مدينة في العالم بمثل ما حظيت به مكة من تكريم، ويكفيها أن الله باركها وجعلها أول مكان يعبد فيه من أبي البشر آدم u من ثم آثرها (جلَّ وعَلا) على غيرها من بقاع العالم طُهراً وقدسية، وجعلها بعد حين من الدهر، قبلة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بعد أن أوحى الله لسيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السلام) أن يقيما بناء البيت مرة ثانية ]إنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للناس للّذي بِبَكَّة مُباركاً وهدىً للعالمين[. (آل عمران:96)

       مهما اختلف المؤرخون والرواة وأهل العلم والدين حول تاريخ ظهور مكة إلى الوجود، يبقى هناك اتفاق بينهم، بأن مكة المكرمة ليست عريقة في القدم فحسب، بل من أقدم مدن المعمورة - ما كان معلوماً منها ومجهولاً - وأن البيت الحرام الذي يعد اليوم واحداً من أعظم المساجد وأكبر دور العبادة على وجه الأرض- هو أول بيت وضع لأهل الأرض ليعبدوا الله U فيه وليهتدوا بفضله إلى الصراط الحق الصراط المستقيم، وأن واضع حجر الأساس لمدينة مكة الصغرى هو النبي إبراهيم u لتصبح مدينة مأهولة في عهد قصي(2) بن كلاب (3) بن مرّة  بن كعب(4) بن لؤي وفي عهد قصي شهدت مكة توسعة كبيرة وعني بتنظيمها خير عناية، حتى أضحت في زمانه مدينة عامرة مستطيلة المساحة ذات شعاب واسعة.

       تقع مكة المكرمة في الجانب الغربي من جزيرة العرب، في بطن وادٍ ضيق طويل – من أودية جبال السّراة، غير ذي زرع، يسميه المكيون وادي إبراهيم، وبيوتها منتشرة على امتداد هذا الوادي من محلة المعابدة طولاً إلى محلة المسفلة جنوباً - تحيط به الجبال والتلال الجرداء والصخور الصلبة من كل جانب عند تقاطع درجتي العرض 21/28 شمالاً، والطول 37/54 شرقاً وترتفع عن سطح البحر بنحو 280 متراً. هذا يعني أنها تقع ضمن سهل تِهامَة الساحلي الذي يمتد على طول ساحل البحر الأحمر من أقصى شماله عند خليج العقبة إلى نهايته الجنوبية عند باب المندب، أما مناخ مكة وجوُّها فهو حار جاف تتفاوت حرارته بين 18 درجة في شهور الشتاء وبين 30 درجة إلى ما يزيد على 40 درجة في شهور الصيف.

       عرفت مكة وللدلالة على شرف مسماها وسمو مكانتها بأسماء عديدة، فمن أسمائها التي وردت في القرآن الكريم مكة وبكة والبلد الأمين، ومن أشهر أسمائها أم القرى، ولها أسماء أخرى منها أم رحْم والحاطمة لأنها تحطم من استخف بها، والبيت العتيق لأنه عتق من الجبابرة والرأس لأنها مثل رأس الإنسان، والحرم الأمين، والقرية، والوادي، والبلدة، والبلد، ومعاد وصلاح والعرش والقادس، لأنها تَقْدُسُ من الذنوب أي تطْهَرْ، والمقدسة والناسّة والباسّة، بالباء الموحدة لأنها تَبِسُّ أي تحطم الملحدين، ويروى أنها سميت مكة لقلة مائها، من قول العرب (امتَكَّ الفصيل ما في ضرع أُمه أي امتصه مصاً شديداً) وقيل أيضاً لأنها (تَمُكُّ الذنوب) أي تذهب بها، وقيل سميت مكة لأنها تَمُكُّ الظالم (الجبار) فيها أي تنقُصهُ وتُهلِكُهُ، وقيل إنما سميت بكة لأن الأَقدام تَبُكُّ بعضها بعضاً، كذلك لأنها تَبُكُّ (أي تَدُقُّ) عنق الفاجر ورقاب الجبابرة الذين يبغون فيها، وفي اللسان العربي مكة هي بكة والميم بدل من الباء مثل ضربة لازم وضربة لازب. وروي أن بكة موضع البيت ومكة هي الحرم كله، وقيل أيضاً أن بكة الكعبة والمسجد، ومكة هي ذو طَوِيّ (الطَّوِيّ) وهو البئر المطوية بالحجارة، (بطن الوادي) بأعلى مكة، وفيه قيل:

"إنّ الطَّوِيّ إذا ذَكرْتُم ماءَها            صَوبُ السَّحابِ عُذوبَةً وَصفاءَ"

       وهناك قول: أن العمالقة عندما سكنوا مكة أطلقوا عليها اسم بكا (بكَّة) وهي كلمة بابلية معناها البيت. وسماها الله – كما تقدم – بأم القرى فقال: ] لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَها [ (الأنعام:92) وسماها تعالى البلد الأمين في قوله جل وعلا:  ]وَالْتِّينِ وَالزَّيتُونِ ! وَطُورِ سِينينَ ! وَهذَا الْبَلدِ الأَمِينِ [ (التين:1-3) وقال عز من قائل: ] لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ! وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا الْبَلَدِ[ (البلد1- 2) وقال عز وجل: ] وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتيقِ [ (الحج:29) وقال تعالى:    ] جَعَلَ اللهُ الْكَعبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامَاً لِلْنَاِس [ (المائدة:97) وقوله تعالى على لسان إبراهيم u: ] رَبِّ اجْعَلْ هذَا الْبَلَدَ آمِنَاً وَاجْنُبْنِي وَبَنيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ [ (إبراهيم:35) وقال تعالى أيضاً على لسان إبراهيم u: ] رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ (إبراهيم:37).(5)

          لا ريب في أن العرب حتى في جاهليتهم، كانوا يرون مكة – منذ نشأتها – بقعة مقدسة، يشدون إليها الرحال من كل أرجاء جزيرة العرب، كما أن وادي مكة احتفظ بمكانته الحيوية كمحطة هامة لمرور قوافلهم التجارية وسوق رئيسية لهم لوقوعه وسط الطريق بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها من ناحية، فضلاً عن غناه بعيون الماء الوفيرة التي تحتاج إليها القوافل التجارية في حلها وترحالها بين اليمن جنوباً والشام شمالاً من ناحية أخرى، ومن المعروف أن قريشاً احتكرت منذ نهاية القرن السادس الميلادي، تجارة الهند بفضل جهود زعيمها هاشم (6)  بن عبد مناف، (جد عبد الله والد النبي r) الذي يعد أول من سن رحلة قريش، (الإيلاف)(7) رحلة الشتاء إلى اليمن (والحبشة والعراق) ورحلة الصيف إلى الشـام ] لإِيلافِ قُرَيشٍ ! إيلافِهِمْ رِحلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيفِ ! فَلِيَعْبُدوا رَبَّ هذا البَيْتِ ! الَّذي أَطْعَمهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفِ [ (قريش:1-4) .

          لا غرو في أن مكة المكرمة كانت عند العرب قبل الإسلام من أبرز الأماكن الثقافية والتجارية وأهم مدنهم قداسة وعراقة، وهي اليوم عند المسلمين من كل جنس ولون، إلى جانب المدينة المنورة والمسجد الأقصى المبارك بالقدس – ثالث المساجد في الإسلام من حيث القداسة – أعظم مدينة وأهم الديار قدسية في أرجاء المعمورة كافة. ونقرأ في تاريخ مكة الموغل في القدم، أن إبراهيم u الذي هاجر من أور في العراق في رحلة طويلة ليصل أرض كنعان في فلسطين، من ثم ليواصل الرحلة إلى مكة المكرمة ترافقه زوجته هاجر وولده إسماعيل، حيث أسكنهما عند بيت الله الحرام أو الكعبة التي اشترك مع ابنه إسماعيل في بنائها ليصبح من يومئذٍ أول مسجد عرف في تاريخ البشرية، وهو البقعة نفسها التي انفجرت منها عين زمزم، ليحيى الله بها من جديد هذه البقاع المقدسة ولتهوي أفئدة من الناس إليها من كل المعمورة، استجابة من الله I لدعاء إبراهيم u الذي سأل ربه U قائلاً: ] رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيْرِِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكََ الْمُحَرَّمِ رَبّّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ[. (إبراهيم:37)

          من وحي ما تقدم، فإن بعض المحدثين والمؤرخين القدماء، يتفقون على أن إبراهيم u قال لابنه إسماعيل: "إن الله تعالى قد أمرني أن أبني له بيتاً هاهنا"، فوق الربوة الحمراء القائمة قرب بئر زمزم (بئر إسماعيل) وطلب من ابنه أن يعينه في بناء البيت، فلم يزل إبراهيم يحفر حتى وصل إلى القواعد، في ذلك يقول الله :U ] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ العَليمُ  [(البقرة:127) ] وَإِذْ بَوَّأْنا لإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ [ (الحج:26) وفي هاتين الآيتين الكريمتين – عند المفسرين- خير دليل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم u وقد هداه الله إليها وبوِّيء لها. أي أن الأساس الأول للبيت كان موجوداً والبناء الأول له كانت قواعده قائمة بوضوح على عهد إبراهيم u.

كما ترى هذه المصادر في الوقت نفسه أن إبراهيم u رفع هذه القواعد بعد طوفان نوح u وقد وقى الله قواعد بيته وأساسه الأول من هذا الطوفان المغرق، يستدل من هذا أيضاَ أن الكعبة كانت موجودة قبل عهد نوح u، الأمر الذي يرجح-كما سبق ذكره - أن واضع حجر الأساس في بناء البيت العتيق آدم u أو الملائكة! مهما يكن من أمر، فإن إبراهيم u هو رافع القواعد من البيت، وعندما ارتفع البناء، أتى إبراهيم u بحجر ليقف عليه أثناء بناء الكعبة، فسمي الحجر (مقام إبراهيم) وبعد أن أتم إبراهيم وابنـه إسماعيل البنـاء، أمر الله U نبيه إبراهيم u أن     ] أَذِّن في الناسِ بالحجِّ يأتوكَ رجالاً وعلى كلِّ ضامرٍ يأتينَ من كلِّ فجٍّ عميق [ (الحج:27) فلم يزل منذ رفعه الله معموراً.

          وترى هذه المصادر أيضاً أن أول من سكن مكة في غابر الأزمان هم من العمالقة، ثم خلفتهم قبائل جُرْهُم اليمنية وبقايا من الأمم البائدة، وفي عهد جُرْهُم قدم إلى مكة – كما رأينا – إبراهيم u مع زوجته هاجر وابنهما إسماعيل الذي ترعرع وسط قبيلة جُرْهُم، فعرف لغتهم وتزوج منهم، واحتل مكانة مهيبة بينهم، وبقيت لقبيلة جُرْهُم الزعامة على مكة والكعبة (البيت الحرام) نحواً من ثلاثمائة سنة، حتى تغلبت عليهم قبيلة خزاعة اليمنية، لتنتزع قريش التي قويت شوكتها – حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي – السيادة من خزاعة على البيت الحرام، ليصبح زعيم قريش قصي بن كلاب الرئيس الديني بانتقال حجابة (سدانة) الكعبة إليه، وهو نفسه الذي بنى دار الندوة (دار الشورى) لتكون مركزاً لاجتماع القرشيين للتشاور في شؤونهم العامة.

          بعد وفاة قصي انتقلت الرئاسة إلى ابنه عبد الدار، إلى أن تفرقت الرياسة في أبناء عبد مناف (شقيق قصي) فتصدرها هاشم بن عبد مناف، وانتهت الزعامة في قريش بعد وفاة هاشم إلى ابنه عبد المطلب (8)  المعروف باسم شيْبَة الْحَمْد، الذي آلت إليه الرفادة (إطعام الحجاج أيام الموسم وسقايتهم) ظلت سدانة الكعبة في بني عبد المطلب يتوارثونها في الجاهلية والإسلام إلى اليوم.(9) ومن أبرز أعمال عبد المطلب كشف بئر زمزم (بئر إسماعيل) وإعادة حفره سنة (540م) بعد أن رأى في منامه أن يحفر زمزم في المكان الذي هي فيه، وكانت زمزم طُمِسَت أيام جُرْهُم، بيد أنه كان لوجودها بجوار الكعبة حافز لجذب القبائل وسكنهم حول البيت الحرام منذ زمن قديم، وتتفق الروايات في الحديث عن معجزة زمزم، أنه لما نفد الماء والطعام وبدأ بكاء - ابن هاجر- إسماعيل يتعالى، طفقت هاجر تهرول بين جبلي الصفا والمروة، حتى إذا عادت تتفقد ولدها إسماعيل وجدته يصارع الموت عطشاً، وما أن أتمت هرولتها (السعي) سبع مرات، إذا بجبريل u أمامها، يضرب الأرض بقدمه - وقيل إن إسماعيل ضرب الأرض بقدمه - فنبع الماء العذب من الأرض لتظهر إلى الوجود بئر زمزم أو (بئر إسماعيل) وهنا سقت هاجر طفلها، لكنها في الوقت نفسه تملكها الخوف من طغيان الماء على طفلها، فأخذت تقول: "زمّي يا مباركة زمّي"، وجعلت تحوطه (أي طفلها)، بالتراب لئلا يذهب سيل الماء المتدفق به، ويعتقد أن تسمية هذا البئر (العين) بزمزم جاءت من هذه الكلمات لهاجر.

          وقد جاء عن زمزم في الحديث الشريف: "خَيرُ ماء عَلى وَجْهِ الأَرضِ مَاءُ زَمْزَم"؛ " وإِنَّها في كِتابِ اللهِ سُبحانَهُ شَرابُ الأَبرارِ..." وطَعامُ طَعمٍ وشفاءُ سُقم"؛ "وقال r:"إِن شَرِبْتَ من ماءِ زَمْزَمَ تُريدُ الشِّفاءَ شَفاكَ الله، وإِنْ شَرِبتَهُ لِظَمأٍ رَواكَ الله، وإِن شَرِبتَهُ لِجُوعٍ أَشبَعكَ الله".." وفي حديث أن الله U يرفع المياه العذبة قبل يوم القيامة وتغور المياه غير مياه زمزم".

          ومن الأحداث التاريخية الكبرى في عهد عبد المطلب محاولة أبرهة (الأشرم) (أبو يكسوم) حاكم اليمن من قبل النجاشي (ملك الحبشة) هدم الكعبة سنة (570م) أو في (571م) قاصداً أن يجذب الحجاج العرب إلى القليس (كنيسة كبيرة) بناها أبرهة نفسه بصنعاء، فحشد لهذا الغرض جيشاً كبيراً تتقدمه الفيلة الضخمة – اختلف المؤرخون في عددها فمنهم من قال: إن عددها اثنا عشر فيلاً أو ثلاثة عشر فيلاً، وأوصلها بعضهم إلى الألف فيل - على أي حال وصل أبرهة بجيشه وفيله وعسكر على مشارف مكة، فأبى الفيل الرئيس الذي كان يمتطيه أبرهة بالتقدم، وحاول الأحباش جهدهم مع الفيل للتقدم إلى الأمام، وكلما وجهوه نحو الكعبة توقف وَبَرَكْ، وإذا وجهوه نحو اليمن أسرع مهرولاً باتجاهها، وفي اللحظة الحاسمة تدخلت العناية الإلهية، فأرسل الله I دفاعاً عن بيته (الكعبة المشرفة) الطيرَ الأَبابيل، لتُمنى الحملة بهزيمة نكراء مشهودة - ولتظل مكة ولتبقى عذراء عصية على الغزاة والمستعمرين وهي التي لم تخضع ولن تخضع أبداً بإذن الله لأي معتد غاشم أو أي قوى عدوة جبارة – وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحدث التاريخي في سورة الفيل: ] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفيلِ ! أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تَضليل ! وَأَرسَلَ عَليْهِمْ طَيْراً أَبابيل ! تَرْميهِم بِحِجارَةٍ مِنْ سِجّيل ! فَجَعَلهُم كَعصْفٍ مَأْكول[ (الفيل:1-5)

          لقد زاد هذا الحدث التاريخي في تقديس العرب وإجلالهم لمكة و(كعبتها المشرفة) وأصبحت عندهم رمزاً لاستقلالهم وعزَّتهم وقوتهم، في الوقت نفسه ارتفع شأن قريش وزعيمها (سيد مكة) عبد المطلب بعد إخفاق هذه الحملة الهالكة، ومن مكرور القول، أن لقاءً تم بين عبد المطلب وأبرهة، فسأل أبرهة عبد المطلب عن حاجته، فقال عبد المطلب: "حاجتي أن ترد إلي مائتي بعير أصبتها لي"، فرد أبرهة: "كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، تكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك وقد جئت لهدمه لا تكلمني فيه" قال عبد المطلب: "إني أنا رب إبلي وإن للبيت رباً يحميه"، وهكذا كان وسيكون.. وخرج عبد المطلب من عند أبرهة غاضباً يردد شعراً:         

"يا رَبِّ لا أَرْجو لَهُم سِواكا                 يا رَبِّ فَامنَعْ مِنهُمُ حِمـاكا

إِنَّ عَدوَّ البيتِ مَنْ عـاداك                  امنَعْهُمُ أَنْ يُخَربوا قُـراكَ"

          من الجدير بالذكر - في هذا السياق - أن العرب أخذوا يؤرخون لأحداثهم بعام الفيل هذا وفيه يؤرخون أيضاً مولد الرسول r وظلوا على ذلك حتى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t (13- 23هـ/634- 644م) حيث استبدل به هجرة الرسول r الذي يوافق (غرة شهر محرم من السنة الأولى للهجرة /16تموز (يوليو) 622م).

          في وسط أحداث جسام وفوضى عارمة وظلمات فوقها ظلمات، أحاطت بجزيرة العرب خاصة، انبلج نور الحق والهداية، بمولد سيد الخلق محمد بن عبد الله r وكانت ولادته على الأرجح في الليلة الثانية عشرة من ربيع الأول الموافق للعشرين من شهر نيسان (إبريل) 570 أو 571م) ليصوغ للبشرية تاريخاً مشرقاً جديداً، حاملاً رسالة التوحيد، على غير مثال سابق أو لاحق، مبلغاً عن رب العالمين الأمانة، ناصحاً الأمة، وكان ومازال وسيبقى القُدوة المثلى والأُسوة الحسنة للناس كافة؛ بحكمته، وصدقه، وأمانته، وسمو أدبه، ومناقب شريفة لا تُحصى.

"مُحمَّدٌ أَشرَفُ الأعرابِ والعَجمِ          مُحمَّدٌ خَيرُ من يَمْشي على قَدَمِ

مُحمَّدٌ خيرُ خَلْـقِ اللهِ من مُضَرٍ           مُحمدٌ خيرُ رُسْلِ اللهِ كُلِّهِـمِ"

          مع ظهور دعوة الحق والهداية الإلهية، ارتقت مكة وتربعت على قمة المجد وذروته وحازت إلى الأبد على المرتبة الأولى مكانة ولا أقدس في العالمين العربي والإسلامي، وفي كل صقعٍ من أصقاع الأرض فيه مسلم. بعد أن أصبحت قبلة المسلمين يولون وجوههم إليها خمس مرات في اليوم والليلة عند أداء كل صلاة، ويشدون الرحال إلى حرمها الشريف (الكعبة المشرفة) من كل بقاع المعمورة. وقد جعل الله من هذه المعجزة رابطة عروة وثقى لا انفصام لها، بين بيته الحرام بمكة، والمسجد الأقصى بالقدس، عندما أسرى بالنبي r حيث عرج منه إلى السماوات العلا، وقد خلد هذا الحدث التاريخي الخارق – الذي تم قبل الهجرة في السابع والعشرين من رجب – القرآن الكريم، في قوله تعالى: ] سُبحَانَ الذّي أَسْرى بِعَبدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلى الْمَسْجِدِ الأَقْصى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصير[ (الإسراء:1)

          عن هذه المعجزة الخالدة جاء في قصيدة البُردة للإمام البوصيري محمد سعيد - شرف الدين (ت 695هـ/1295م):

"سَريْتَ من حَرَمٍ لَيْـلاً إلى حَرمٍ         كما سَرى البَدرُ في داجٍ منَ الظُّلَمِ

وَبِتَّ تَرقَى إلى أنْ نِـلْتَ مَنْزِلـةً         منْ قَابَ قَوْسيْنِ لَمْ تُدْرَكْ ولَمْ تُرَمِ

وَأنتَ تَخْترِقُ السَّبْعَ الطِباقَ بِهمْ           في مَوْكِبٍ كُنتَ فيهِ صَاحِبَ العَلَمِ

 بُشْرى لَنا مَعْشَرَ الإِسـلامِ إِنَّ لَنا          مـِنَ العِنـايةِ رُكْنـاً غَيْرَ مُنْهَدِمِِ

لَمّـا دَعـا اللهُ دَاعِينـَا لِـطاعَتِهِ         بِأكْرَمِ الرُّسْلِ كُنّـا أَكْرَمَ الأُمَـمِ"

وجاء عن هذه المعجزة في قصيدة "نـهج البُردة" التي نظمـها أمـير الشعراء أحمد شوقي (ت 1351هـ/1932م) على نهج بُردة البوصيري:

 "أَسْرى بِكَ اللهُ لَيْلاً، إِذْ ملائِكُهُ          وَالرُّسْلُ في المسْجِدِ الأَقصى على قَدَمِ

لَمّا خَطَرْتَ به التَفّوا بِسيِّدِهِـم          كالشُهْبِ بالبَدرِ، أَو كالْجُندِ بالعَلمِ

صَلّى وَراءَكَ مِنَهُم كلِّ ذي خَطرٍ            ومَنْ يـَفُزْ بِحـبيبِ اللهِ يـَأْتَمِِم

جُبتَ السَّمواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهم              عـلى مُـنَوَّرةٍ دُرِّيـةِ اللُّـجُمِ

مشيئةُ الخالقِ البَاري، وَصنْعَتـهُ             وَقُدرةُ اللهِ فَـوقَ الشَّـك والتُّهمِ

 حتى بَلغْتَ سمـاءً لا يُطارُ لَـها             على جَناحٍ، وَلا يُسْعى على قَـدَمِ"

          عندما هاجر النبي r من مكة إلى المدينة كان يتجه في صلاته – في أول الأمر – إلى بيت المقدس (المسجد الأقصى) بفلسطين وكان عليه الصلاة والسلام راضياً كل الرضا بأمر الله، بالاتجاه في صلاته إلى المسجد الأقصى، على الرغم من ذلك ظلت الكعبة المشرفة (مكة)، أحب بقاع الأرض إلى قلبه نبض فؤاده وهدأة وجدانه، كونها البيت الأول الذي أقيم لعبادة الله، ينسجم هذا الشعور الفطري الصافي مع قوله r: "من مات بمكة فكأنما مات في السماء الدُّنيا" وقوله عليه الصلاة والسلام: "والله إنك لأحب البقاع إلى الله، ولولا أُخرجتُ منك ما خرجت". وفي شعبان من السنة الثانية بعد الهجرة أكرم الله أكرم الخلق أخلاقاً فولاه قبلة يرضاها، عندما نزل قوله تعالى: ] قَدْ نَرى تَقلُّبَ وجهِكَ في السَّماءِ فَلنُولَِّيَنكَ قِبلةً تَرضاها فَولِّ وَجهَكَ شَطرَ الْمسْجِدِ الحرامِ وحَيْثُما كُنتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطرَهُ وإنَّ الّذينَ أوتوا الكِتابَ لِيعْلَمونَ أَنهُ الْحَقُّ مِنْ ربِّهمْ وما اللهُ بغافِلٍ عمّا يَعْملون [ (البقرة:144) من وقتئذ صارت الكعبة قبلة المسلمين السرمدية في مشارق الأرض ومغاربها.

يحتل الحرم الشريف موقع القلب من مكة، ومركزها الرئيس، وهو أول الحرمين وثاني القبلتين، والكعبة المشرفة (بيت الله) تقع وسط الحرم المكي أرض الله الحرام، وهي عبارة عن بيت صغير مكعب (مربع) البنيان تقريباً ومن هنا جاء اسم الكعبة، وهو مبني بالحجارة الزرقاء الصلبة المائلة إلى اللون الرمادي، تُغطّى بستار من الحرير الأسود موشّى بإزار من آيات القرآن الكريم، وله أربعة أركان (الأول): ركن الحجر الأسود أو (الأسعد) ويقع ما بين الشرق والجنوب- يرتفع متراً واحداً عن الأرض - ومنه يبتدئ الطواف بمثابة تحية للمسجد. و(الثاني): الركن الشامي ما بين الشرق والغرب، و(الثالث): الركن الغربي ما بين الشمال والغرب، و(الرابع) الركن اليماني ما بين الغرب والجنوب. ومن معالم الحرم الباقية حائط البيت (الكعبة) حِجْر إسماعيل أما "الملتزم" وهو موضع استجابة الدعاء فيقع بين الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة.

من اللافت أن الكعبة ظلت على البناء الذي رفعه إبراهيم u حتى آلت السيادة على البيت إلى قصي بن كلاب، فبناها من جديد،(10) وأذن لطوائف قريش أن يبنوا بيوتاً حول الكعبة من جهاتها الأربع، وقال لهم: "إنكم إن سكنتم الحرم حول البيت هابتكم العرب، ولم تستحل قتالكم، ولا يستطيع أحد إخراجكم". وقبل الهجرة النبوية الشريفة بثمانية عشر عاماً، ولخمس وثلاثين سنة من مولد الرسول r تعرضت مكة إلى حريق مدمر تزامن مع سيل عرم نال من الكعبة المشرفة، وزاد في وهن حجارتها وتصدع جدرانها، مما جعلها آيلة للسقوط. فقامت قريش بهدمها وإعادة بنائها وشارك النبي r وهو شاب قريشاً في نقل الحجارة.

عندما ارتفع البناء وجاء رفع الحجر الأسود (الأسعد) لوضعه في مكانه من الكعبة المشرفة، اختلف القرشيون فيمن يكون له شرف وضع الحجر الأسود في مكانه (في ركنه الشرقي الجنوبي) وتطور الخلاف حتى وصل الأمر إلى الاحتكام إلى السلاح (الحرب)، عندئذ خرج أبو أمية بن المغيرة المخزومي ليعرض عليهم حلاً، بالاحتكام – فيما نشب من صراع بينهم – إلى أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضت قريش رأيه، فكان – بمشيئة الله – أول داخل هو رسول الله r فلما رآهُ المختصمون، هتفوا هذا الأمين، هذا محمد وقد رضيناه، فاقترح الرسول r عليهم – وكان يوم ذاك (كما تقدم) في الخامسة والثلاثين من عمره – بوضع الحجر الأسود في ثوب، وقال عليه السلام لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه، أخذه النبي r بيده، فوضعه في مكانه، ليكون آخر نبي يضعه في موضعه هذا، وجاء في حديث لابن عباس مرفوعاً: "نزل الحجر الأسود من الجنة..." وفي رواية أخرى: "الحجر الأسود من الجنة". وقيل إنه من الأحجار الكريمة، وقيل إنه نوع من النيازك، وأن السبب في تقديسه هو ارتباطه بشيء مقدس، وآية ذلك أن إبراهيم u عندما وصل بالبناء إلى الركن الجنوبي، طلب من ابنه إسماعيل u أن يأتيه بحجر صلب، فأخذ يبحث في الأرجاء، وإذا بجبريل u يهبط من السماء بحجر أسود فحمله إسماعيل u إلى أبيه، وأعلمه بما حدث، فوضعه إبراهيم u بالكعبة المشرفة – حيث مكانه حتى الآن - علامة على بداية الطواف حولها – تنفيذاً لأمر ربه.

روى البخاري ومسلم أن الرسولr وقف عند الحجر الأسود فقال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، وقبله" وعندما حج أبو بكر الصديق t وقف عند الحجر وقال: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلتك". وفعل مثله عمر بن الخطاب t. بعد أن استقر الحجر الأسود في ركنه، بنى عليه القرشيون حتى أتموا البيت في ارتفاع (8,64 م) أي بزيادة (4,32 م) عما كان بناه إبراهيم u - والآن في ارتفاع (14م). وكان القرشيون بعد أن أتموا بناء الكعبة من جديد عشية دعوة النبي r - الناس إلى الإسلام- نشروا الأصنام والأوثان في مكة، على صور وأشكال مختلفة، حتى قيل إنه كان حول الكعبة أكثر من ثلاثمائة وستين صنماً.

          عندما دخل الرسول r مكة فاتحاً مردداً قول الله U: ]إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً ! لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ[ (الفتح:1-2) قام بتطهير الكعبة من الأصنام والأوثان والصور، وتسابق المسلمون إليها فطرحوها أرضاً تحطيماً وتهشيماً، وقصد النبي r صنماً بجانب الكعبة فأخذ يطعن في عينه ويقول: ]جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كانَ زَهُوقاً[ (الإسراء:81) وبعد أن صلى u في الكعبة خطب في قريش التي ملأت المسجد صفوفاً تنتظر ماذا يصنع بها (النبي الكريم)؟ فقال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده... ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج ثم أضاف: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته (لا تثريب عليكم اليوم) اذهبوا فأنتم الطلقاء".

          في هذا اليوم التاريخي سلم النبي r مفتاح الكعبة إلى سدنتها الأوائل (قبل الفتح) وقال: "خذوها يا بني عبد الدار – وكان أخذ المفتاح ساعتئذ، من عثمان بن طلحة وأخذ السقاية من العباس بن عبد المطلب – خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلاّ ظالم، يا عثمان إن الله أستأمنكم على بيته، فخذوها بأمانة الله، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف".

          ومفتاح الكعبة حظي على الدوام بالاحترام والتقديس، وكان منصب السدانة أو الحجابة، في العصور الجاهلية من أشرف المناصب التي يتنافس عليه القرشيون، فهو المنصب الذي يحجب صاحبه الكعبة، ويحمل مفتاحها، ويفتح بابها للناس ويغلقه، ولعل أشهر من تولى أشرف المناصب الرفيعة من سدانة (حجابة) وسقاية ورفادة... قصي بن كلاب - كما سبق الإشارة إليه- وورثها من بعده أبناؤه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى، ومن أبناء عبد مناف، عبد شمس وهاشم والمطلب ونوفل، وما زالت في أعقابهم إلى اليوم، عموماً ظل لمفتاح الكعبة مكانته الخاصة من الأهمية والاحترام الفائق، فمنذ أقدم العصور وحتى وقتنا الحاضر عني الكثير من خلفاء وسلاطين وأمراء وملوك المسلمين بتطوير وتحديث صناعة أقفال باب الكعبة ومفاتيحها وزخرفتها وتصاميمها بأساليب فنية رائعة. وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع باب الكعبة متران ورُبع من الأرض، ويوضع سلم للصعود إليه لفتح الكعبة، وهذا يتم عند فتحها للزائرين أو في المناسبات أو الاحتفالات الهامة الكبرى.

          ولم يكن للمسجد الحرام في عهد الرسول r (51 ق.هـ-11هـ/571-632م) جدران فكانت البيوت والأزقة مفتوحة عليه تحيط به كالمعصم، متجاورة مع حدود المطاف الآن، وعندما تولى عمر بن الخطاب t الخلافة (13-23هـ/634-644م) قام بأول توسعة في صدر الإسلام، سنة (17هـ/638م) من ثم بنى حوله جداراً (سوراً) كان أقل ارتفاعاً من القامة، وفي عهد عثمان ابن عفان t (23-35هـ/644-656م) جرت التوسعة الثانية سنة (26هـ/647م) وقد أضاف عثمان t أروقة للمسجد، فكان أول من اتخذ للمسجد الحرام أروقة.

          أما المنبر في المسجد الحرام فلم يكن موجوداً، على عهد الرسول r كذلك وعهد الخلفاء الراشدين (رضوان الله عليهم) (11-40هـ/632-661م) كان خطباء المسجد يقفون على الأرض في وجه الكعبة وفي الحجر (حجر إسماعيل) u، بقي الأمر على هذا النحو، إلى عهد الخليفة الأُموي معاوية بن أبي سفيان t (41-60هـ/661-680م) الذي كان أول من أدخل منبراً في المسجد سنة (44هـ/664م) من ثلاث درجات. وتنافس الخلفاء والسلاطين في عهود الأُمويين (41-132هـ/660-750م) والعباسيين (132-656هـ/750-1258م) والفاطميين (297-567هـ/909-1171م) والأيوبيين (582-658هـ/1186-1260م) والمماليك (754-923هـ/1253-1517م) والعثمانيين (700-1343هـ/1300-1924م)، على العناية في المسجد الحرام والكعبة المشرفة بالقيام بإضافات وإصلاحات جوهرية فيهما، مع تجديد لعمارة الكعبة غير مَرَّة.

لا يمكننا في هذا السياق التاريخي إغفال الإصلاحات والتوسعات الكبيرة التي أجراها عبد الله ابن الزبير (1-73هـ/622-692م) في المسجد الحرام والكعبة المشرفة، بعد ما أصاب الكعبة المشرفة من هدم وخراب، نتيجة الصراعات السياسية والحربية في عهد خلافة يزيد (25-64هـ/ 645- 683م) بخاصة، بعد أن رفض ابن الزبير الاعتراف بخلافة يزيد، وأيده في ذلك أهل الحجاز، وجرى ما جرى من أحداث مؤسفة، نالت من البشر والحجر ولم تنجُ الكعبة المشرفة من هذه الفتنة الأليمة، فنالها هي الأخرى إصابات هادمة حارقة. لم يجد ابن الزبير إثرها بُداً من هدم الكعبة، فشرع بالهدم سنة (64هـ/683م) حتى وصل إلى أساسها، وأعاد بنائها على (قواعد إبراهيم u).

          عندما باشر ابن الزبير بناء الكعبة أجرى إضافات جديدة عليها بأن جعل بابين للكعبة بدلاً من باب واحد أحدهما في الشمال الشرقي، والآخر في الجنوب الغربي، على مستوى سطح الأرض بدلاً من الأبواب المرتفعة التي يستدعي الصعود إليها وجود درج أو سلم، معتمداً في هذا وغيره، على أحاديث نبوية روتها له خالته عائشة أم المؤمنين t (ت58هـ/678م) إذ يروي أنها أخبرته بأن رسول الله r قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة ولأدخلت فيها الحجر، ولجعلت لها باباً شرقاً وباباً غرباً يدخل الناس من أحدهما ويخرج من الآخر، ولألصقت بابها بالأرض، ولزدت ستة أذرع من الحجر في البيت فإن قريشاً قصرت بهم النفقة لما بنت البيت". لكن ما لبثت أن تجددت النزاعات مع ابن الزبير في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65-86هـ/685-705م) الذي كلَّف الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ/714م) القضاء على حركة ابن الزبير المناهضة للبيت الأُموي، من ثم إرجاع السيادة الأُموية على الحجاز، ونجح الحجاج في مهمته، وقضى على ابن الزبير وأنصاره، ثم شرع الحجاج نفسه سنة (74هـ/693م) - بعد استئذان الخليفة عبد الملك - في إرجاع الكعبة إلى ما كانت عليه قبل عمارة ابن الزبير لها. فأخرج منها الزيادة التي كان أدخلها ابن الزبير من الحجر، واكتفى بباب واحد يرفعه عن الأرض كما هي عليه اليوم. تجدر الإشارة إلى أن المؤرخين ذكروا أن الخليفة الأموي عبد الملك – عندما بلغه حديث النبي r - ندم على سماحه للحجاج بتغيير عمارة ابن الزبير وقال: "وددنا لو تركنا الكعبة وما فعل ابن الزبير بها". في حقيقة الأمر ظل بناء الكعبة – بعد عمارة ابن الزبير والحجاج – على ما هو عليه حوالي عشرة قرون، بدون تعمير أو إصلاحات نوعية، لكن لا يمكن تجاهل ما أجراه الخليفة الأُموي الوليد بن عبد الملك (86-96هـ/705-715م) بالمسجد الحرام من تجديدات وإضافات كبرى، انحصر معظمها في تكميلات وتجميلات وإصلاحات باهرة، وحسب الخليفة الأُموي الوليد أن عهده كان من أَبْهَى عهود الخلافة الأُموية وأبقاها حضوراً في تاريخنا العربي والإسلامي، فيكفي الوليد فخراً الولوع بالبناء والعمران، أنه أعاد بناء جامع المدينة (الحرم النبوي الشريف) وشيد الجامع الأُموي في دمشق، والمسجد الأقصى في القدس وهو أول من أحدث المستشفيات بالإسلام .. وأعماله العمرانية التي شيدها وزين بها عاصمة الأُمويين دمشق وشتى مدن الدولة وربوعها، تعتبر من روائع وآيات الفن المعماري العربي الإسلامي الأصيل.

          في هذا السياق لا يفوتنا الحديث أيضاً عن كسوة الكعبة المشرفة، التي يقال إن إسماعيل u أول من كسا الكعبة أثوابها، وظلت كسوتها مستمرة في الجاهلية، وفي العصور الإسلامية المختلفة حافظ الخلفاء الأولون بدءاً على كسوة الكعبة، على أن أول من ابتكر فكرة عرض الكسوة على هودج (عرف بالجمل) هي الملكة شجرة الدر (ت655هـ/1257م) زوجة السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وحاكت بعض الأقطار العربية مصر، لتصبح كسوة الكعبة بهذا الأسلوب سُنَّة متبعة سنوياً حتى منتصف القرن (13هـ/19م) وظل حكام العالم الإسلامي - طوال العهود الإسلامية المختلفة- يتسابقون لنيل هذا الشرف العظيم، حيث كسوا الكعبة بالأقمشة الحريرية ذات الألوان الزاهية من بيضاء وسوداء وحمراء وخضراء وصفراء .. واستمر التنافس على هذا الشرف، الذي حازت مصر فيه – لقرون عدة – قصب السبق في الاستئثار بشرف كسوة الكعبة المشرفة، وحتى سقوط الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1333-1337هـ/1914-1918م) وخروج مصر العثمانية من عباءتها، لتستجد أجواء سياسية قلقة عكرت صفو العلاقات بين مؤسس الدولة السعودية الحديثة المغفور له الملك عبد العزيز (1319-1372هـ/1901-1953م) والسلطات المصرية، التي توقفت سنة (1345هـ/1926م) عن إرسال الكسوة، فأصدر الملك عبد العزيز سنة (1346هـ- 1927م) بإنشاء دار خاصة لعمل كسوة الكعبة في مكة المكرمة، واستمرت الكسوة تصنع في مكة المكرمة حتى سنة (1357هـ/1938م) حيث عادت المياه إلى مجاريها بين الحكومة السعودية والحكومة المصرية، بعد أن استجابت الحكومة السعودية لطلب مصر رغبتها استئناف إرسال كسوة الكعبة، ولم يمضِ زمن طويل على تحقيق هذه الرغبة المصرية حتى تغيرت الحالة السياسية مرة أُخرى، مما جعل الحكومة السعودية تتخذ قراراَ سنة (1382هـ/1962م) يعيد العمل في المصنع نفسه، الذي كان توقف خلال هذه المدة عن تصنيع كسوة الكعبة، ولم يتوقف المصنع من يومها عن صناعة كسوة الكعبة المشرفة وتجهيزها في حُلَّةٍ قشيبة مهيبة لا تضاهى.

          هكذا لقي المسجد الحرام في العصور الإسلامية المختلفة كل الاهتمام والرعاية الفائقة، حتى العهد السعودي، حيث نال المسجد الحرام منذ العام (1356هـ/1956م) عناية عظيمة استثنائية وصلت ذروتها سنة (1406هـ/1986م) - على نحو غير مسبوق وما زالت ورشة البناء الهائلة - التي تُعرف بمشروع توسعة الحرمين الشريفين- تعمل بلا توقف محققة إنجازات ضخمة تم فيها تجديد شامل للكعبة المشرفة، من تجميل وتزيين وزخرفة وتوسيعات وتحسينات وترميمات وإصلاحات واسعة - داخل الحرم المكي الشريف وخارجه - روعي فيها إبراز الطابع العمراني الأصيل للعمارة العربية الإسلامية بأروع سماتها.

وتتجلى أهم مظاهر توسعة الحرم المكي الشريف من زيادة الطاقة الاستيعابية لزوار المسجد الحرام إلى الضعف. حيث أصبح المسجد يستوعب أكثر من ستمائة ألف مصلٍ، وأصبحت مساحته بعد إضافة مساحة جديدة إلى المبنى الرئيس 165 ألف متر مسطح بعد أن كانت سابقاً تزيد قليلاً عن 29 ألف متر مسطح. تبدأ هذه المساحة من غرب الحرم، بحيث تصبح الإضافة الجديدة متممة لمبنى الحرم، من ثم تحسين الجهات الشرقية والشمالية والغربية المحيطة بالحرم ورصفها بالبلاط من أجل توفير مساحة إضافية تستوعب المزيد من أعداد المصلين المتعاظمة.

          وفي إطار هذه التوسعة السعودية تم إزالة جميع المباني القديمة المحيطة بالحرم، مما أتاح توسعة طول المسعى من الداخل 394 متراً ونصف المتر وعرضه 20 متراً، كما تم تشييد دور علوي له على ارتفاع 12 متراً، وتميز المسعى الجديد بثمانية أبواب رئيسية تشرف على واجهة الشارع العام من جهة الشرق، هذا بالإضافة إلى إقامة سقف مستدير مقبب فوق الصفا، بجواره منارة يصل ارتفاعها إلى 92 متراً، كما جعلت للمسجد 7 مآذن جديدة.

          ونتيجة لتزايد الحجيج كل عام - كون حج البيت ركناً من أركان الإسلام - وفرضاً لمن استطاع إليه سبيلا، ولاستيعاب تنامي عدد الحجاج الذي فاق عددهم في السنوات الأخيرة الثلاثة ملايين حاجاً، حشدت الدولة السعودية كل إمكاناتها من مادية وبشرية لتطوير مشاعر الحج، وتوفير كافة التسهيلات اللازمة لخدمة ضيوف الرحمن، فالمرافق العامة من شبكات مياه الشرب المتطورة والإضاءة الشاملة، وإنشاء دورات المياه العديدة، وإقامة شبكة من الطرق والشوارع الفسيحة التي تتخللها الجسور والمعابر والأنفاق الضخمة لتخفيف الازدحام الشديد خلال موسم الحج، ولتنظيم حركة المرور بين مكة والمشاعر المقدسة في عرفة ومِنى ومزدلفة، لهو خير شاهد على هذه الإنجازات الكبرى.(11)

          خلاصة ما تقدم إن هذا غيض من فيض من تاريخ مكة المكرمة المدينة المقدسة المدينة الفاضلة، سيدة المدن والعواصم العالمية، التي تلقى فيها خير عباد الله كلهم محمد r القرآن الكريم والنور المبين ليكون الدين عند الله هو الإسلام، في ضوء هذه الحقيقة الأزلية فإِن عظمة البيت العتيق - الذي تهوي أفئدة المسلمين إليه، من كل جنس ولون يأتون إليها من كافة أرجاء الدنيا - تتجلى في وحدة المسلمين المؤمنين بالله، المتمثلة في تلبيتهم بنداء واحد لبيك اللهم لبيك...، متراصين في صفوف سواسية كأسنان المشط من طواف القدوم إلى طواف الوداع، لا فرق بين غني وفقير ولا عظيم وحقير ولا عربي وأعجمي، ] إن أكرمكم عند الله أتقاكم[ (النور:55).

"وَلسْتُ أدري سوى الإسلامِ لي وطناً         الشامُ فيه وأرضُ النيلِ سيـانِ

وكُلمـا ذُكـرَ اسمُ اللهِ في بـلدٍ           عددتُ أرجاءهُ من لبِّ أوطانِي"

          يكفي الحاج إلى بيت الله الحرام، أن الله U يغفر له ما تقدم من ذنوبه وأوزاره وخطاياه. شرط أن لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل في الحج، وصدق رسول الله القائل: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه."وقال r:"الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة".

          ] وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمنُوا مِنكُم وَعَمِلوا الصّالِحات لِيَسْتخْلِفَنَّهُم في الأَرضِ كَما اسْتخْلفَ الّذينَ مِنْ قَبْلهِم وَلِيُمَكننَّ لَهُم دينَهُم الذي ارْتضى لَهُم  ولِيُبَدِّلنَّهُم مِنْ بَعدِ خَوفِهم أَمنا  يَعبُدونني ولا يُشْركونَ بي شَيئَا وَمنْ كَفرَ بَعدَ ذلك فَأُولئِكَ هُم الفاسِقون [ (النور:55).

 

 

 

الحواشي

 

 

1.  جاء في الأثر: " أولَ ما خلقَ اللهُ من الأرضِ مكَّة ومنها دُحيت الأَرض" أنظر تفسير الطبري، محمد بن جرير (ت310هـ/922م) ج4، دار الفكر، بيروت، 1985م، ص8.

2.  هو قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي (الجد الخامس للنبي محمد e) وزعيم قريش في عصره وكبيرها في مكة، لا يُعرف تاريخٌ لوفاته أو ولادته، لكن يرجح أنه عاش في القرن الخامس الميلادي (حوالي قرنين قبل البعثة المحمدية) قيل: هو أول من كان له ملك من بني كنانة. وهو الأب الخامس في سلسلة النسب النبوي، توفي أبوه وهو طفل، فتزوجت أمه برجل من بني عذرة فارتحل معها إلى أطراف بلاد الشام، فترعرع وشب في حجره وسمي "قصياً" لبعده عن دار قومه، ويتفق المؤرخون على أن اسمه (الأول) عند ولادته كان "زيد" أو "يزيد". جمع شمل قبائل قريش بمكة، واستعان بكنانة وقضاعة في قتال جُرهُم وخزاعة فحقق نصراً عليهما وأخرجهما من مكة، ليصبح سيد مكة، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء. أما الحجابة : (فهي حجابة الكعبة أو سدانتها أي خدمة المسجد الحرام) (فلا يفتح بابها إلا هو الذي يتولى خدمتها) والسقاية: (سقاية الحجاج). والرفادة: (إطعام الحجاج الفقراء بخاصة وإسعافهم) - وقد قام بالرفادة بعد قصي ابنه عبد مناف، ثم ابنه هاشم، ثم ابنه عبد المطلب، ثم أخوه العباس، واستمر الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام. والندوة: وهي دار الندوة شيدها قصي- وجعل بابها إلى الكعبة - لتكون داراً للشورى (نادياً لقريش) فيها كانت تتشاور قريش بأمورها، ويزوجون بناتهم، وكان لا يسمح بدخولها إلا لمن بلغ الأربعين. واللواء: وهي رياسة القوى الحربية وتكون لمن بيده اللواء، يسلمونه إليه عند قيام الحرب. بالجملة كان الشرف والرياسة من قريش في الجاهلية في بني "قصي" لا ينازعونه ولا يفخر عليه فاخر إلى أن تفرقت الرياسة في بني عبد مناف،كانت وفاة قصي في مكة ودفن بالحَجون (جبل بأعلى مكة) (مكان على بُعد 3كلم تقريباً من البيت الحرام). أنظر خير الدين الزركلي، الأعلام، م5، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، 1979م، ص198-199. أنظر أيضاً ابن حـزم الأندلـسي، (ت 456هـ / 1064م) جمهرة أنساب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983م، ص14 وهنا وهناك، للمزيد أنظر حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج1، ط7، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1969م. وللتوسع عن تاريخ قريش ومكة، أنظر حسين مؤنس، تاريخ قريش - دراسة في تاريخ أصغر قبيلة عربية جعلها الإسلام أعظم قبيلة في تاريخ البشر - الدار السعودية، جدة، 1988م.

3.  كلاب بن مرّة (اسمه حكيم)، من سلسلة النسب النبوي، وهو الجد الثالث لآمنة بنت وَهْب بن عَبْد مَنَاف (أُم رسول الله r) وهو أول من سمى الأشهر العربية الهلالية (القمرية). أنظر الزركلي، المرجع السابق، ج5، ص 198 و 230 .

4.  كعب بن لؤي، من سلسلة النسب النبوي، أول من سمى يوم الجمعة، بعد أن سن فيه الاجتماع بقومه، وكان اسمه (يوم العروبة). أنظر الزركلي، المرجع السابق، ج5، ص 228.

5.  أنظر الدراسة العلمية الموسعة عن تاريخ مكة لأحمد السباعي، تاريخ مكة – دراسات في السياسة والعلم والاجتماع والعمران – في جزأين، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، 1999م، راجع هنا ص33 وما بعدها. أنظر كذلك رؤوف محمد الأنصاري، "مكة المكرمة وعمارة المسجد الحرام،" في الحياة (جريدة)، العدد 13452، كانون الثاني (يناير) 2000م. أيضاً أنظر ياقوت الحموي (ت 626هـ/1228م) معجم البلدان، تحقيق فريد الجندي، ج5، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.

6.  هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة، من قريش (نحو 127ق.هـ-102ق.هـ/500-524م) ولد في مكة، تولى عن أبيه السقاية والرفادة، سافر إلى الشام في تجارة فمرض في الطريق إليها، فغير وجهته إلى غزة (فلسطين) فمات فيها في ريعان شبابه، وبه يقال لغزة: "غزة هاشم" وإليه نسبة الهاشميين. على قدر بطونهم وأفخاذهم، يعد هاشم من أبرز من انتهت إليه السيادة في الجاهلية، ومن بنيه النبي r واسم هاشم عند ولادته كان "عمرو" إنما أطلق أسم هاشم عليه، لأنه أول من هشم الثريد لقومه في مكة: "عمرو العُلا هَشَمَ الثريدَ لِقَومهِ   ورجالُ مكّةَ مُسنْتُون عجافُ" ("مُسنْتُون" أي قد أصابهم القحط – سنة لا نبات فيها ولا مطر). وكان هاشم (عمرو) هو أول من سَنَّ الرحلتين لقريش، للتجارة: رحلة الشتاء إلى اليمن و (الحبشة والعراق) ورحلة الصيف إلى بلاد الشام، يرجح أنه وصل إلى أنقرة (مدينة رومانية شرقية – بيزنطية قديمة، هي اليوم عاصمة الجمهورية التركية منذ العام (1342هـ / 1923م). هاشم (عمرو) بن عبد مناف (صاحب إيلاف قريش) أخذ لقريش العهد والأمان لإخوته الثلاثة وهو رابعهم، من حكام البلاد المختلفة، فأخذ لنفسه الأمان والعهد من قيصر الروم على حمايته في رحلة الصيف، وعبد شمس إلى الحبشة، وعبد المطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس. وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه البلاد في ذمة هؤلاء الأخوة الأربعـة، فاتسعت بهذه العلاقات التجارية بين أمراء مكة وغيرهم من قادة - البلاد البعيدة والقريبة - معيشة قريش. وقد امتنَّ الله عليهم بذلك القرآن (سورة قريش - لإيلاف قُرَيْشٍ). للمزيد من التفاصيل أنظر حسن إبراهيم حسن، ج1، المرجع السابق، ص62-63. أيضاً أنظر محمد رشيد رضا، خلاصة السيرة المحمدية – وحقيقة الدعوة الإسلامية وكليات الدين وحكمه – ط3، المكتب الإسلامي، دمشق وبيروت، 1981م، ص16 وما بعدها. كذلك الزركلي، المرجع السابق، ج8، ص66. راجع أيضاً ابن حزم الأندلسي، المرجع السابق، ص14.

7.  الإيلاف (العهد والأمان (إجازة مرور) - في العلاقات التجارية "الدولية" - الذي أخذه عهدذاك، هاشم ابن عبد مناف له ولإخوته، من ملوك الدول القريبة والبعيدة من مكة. أنظر التفاصيل في الهامش رقم 6.

8.  عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو الحارث، - اسمه: شيْبَة الْحَمْد - وكُنّي بـ (عبد المطلب) "اللقب الذي غلب عليه" بعد أن أخذه عمَّه (المطلب) من أخواله بني النجار. ومما يجدر ذكره أنه كان (وحيد والديه) (ت نحو 45ق. هـ / 579م) وهو جد النبي r حيث كفله ورعاه سنتين، ثم توفي بعد أن أوصى به أبا طالب عمَّه، الذي أحاطه برعاية تفوق ما يحيط بها الوالد ولده وأهله. كان عبد المطلب زعيم قريش في الجاهلية، وأحد أبرز سادات العرب وأشرافهم في عصره، ولد عبد المطلب في المدينة وعاش في مكة، اشتهر عنه رجاحة العقل، وفصاحة اللسان، وحضور القلب، أحلّه قومه مكانة رفيعة، وكانت له السقاية والرفادة، يتوارثها أبناؤه إلى اليوم، أكرمه الله وقريشاً بأن نصرهم على أبرهة الحبشي في موقعة (يوم الفيل) وهم مشركون! كان لعبد المطلب أولاد كُثُر، أشهرهم أبو طالب والعباس وحمزة وعبد الله (والد الرسول) r، وقد زوج عبد المطلب (شيْبَة الْحَمْد) ابنه عبد الله من آمِنَةَ بنت وَهْب بنُ مَناف بن زُهْرَة، توفي عبد المطلب بمكة المكرمة عن عمر يناهز ثمانين عاماً. أنظر رشيد رضا، المرجع السابق، ص17، كذلك الزركلي، المرجع السابق، ج4، ص154. وللمزيد أنظر ابن حزم الأندلسي، المرجع السابق، ص14.

9.   في حديث ابن عباس: "كانَ عَدْنانُ ومَعَدٌّ ورَبيعَةُ وَمُضَرُ وَخَزَيمةُ وَأَسَدٌ على ملة إبراهيم فلا تَذْكُروهُمْ إِلا بخير". صدق رسول الله r القائل: "النّاسُ معادن خيارهُم في الجاهليةِ خيارهُم في الإسلامِ ...".

10.      ذكر الأزرقي، بأن الكعبة بنيت عشر مرات : (الأولى) بناية الملائكة (الثانية) بناية آدم (الثالثة) بناية شيت ابن آدم (الرابعة) بناية إبراهيم وإسماعيل (الخامسة) بناية العمالقة (السادسة) بناية جُرهُم (السابعة) بناية قصي (الثامنة) بناية قريش (التاسعة) بناية ابن الزبير (العاشرة) بناية الحجاج. من الجدير بالذكر، أن الكعبة بنيت للمرة الحادية عشرة عام (1039هـ/1629م) في عهد السلطان العثماني مراد الرابع (1033-1050هـ/1623-1640م) وللمرة الثانية عشرة عام (1417هـ/1996م) في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز (1402- 1426هـ/1982-2005م) أي بعد مرور حوالي 375 عاماً على بناء السلطان مراد الرابع. أنظر الأزرقي، محمد ابن عبد الله، (ت 250هـ/854م) في كتابه أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق رشدي ملحس، ج1، ط8، مطابع دار الثقافة، مكة المكرمة، 1996م، ص355. كذلك أنظر محمد عبد الغني، تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، 2000م، ص42. للدراسة والتوسع أنظر العمل العلمي المحكم لحسن الباشا، موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية، دار أوراق شرقية، بيروت، ومكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، 1999م. للمقارنة أنظر ك. سنوك هورخرونيه، صفحات من تاريخ مكة المكرمة، ترجمة علي الشيوخ، في جزأين، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، 1999م.

11.      أنظر ابن جبير (محمد بن أحمد الكناني) (ت 614هـ/1217م)، رحلة ابن جبير، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1959م. أنظر أيضاً عبد الخالق أبو محمد، "مكة المكرمة على ضوء بيانات الحق والتاريخ والعلم، في الحياة (جريدة) في العددين 13174، و 13183، 3 و 12نيسان (إبريل) 1999م. كذلك أنظر موسوعة المعرفة العالمية، ترجمة دار الأهرام، بالقاهرة، م9، الناشر دار ترادكسيم، جنيف، د. ت.

 

الصفحة الرئيسية