|
توطئة
1 ـ هذه الدراسة تنصب على المبالغة بالوصف ،
وتستبعد المبالغة بالصيغة ، كما تتخذ من
المديح مجالا لها ، وتستبعد غيره من الأغراض
الشعرية . ومرجع هذا الاختيار إلى أن أصداء
التشيع ، في شعر ابن هانئ ، لا تظهر بوضوح ،
في غرض من أغراضه ، كما تظهر في المديح ، ولا
تظهر فيما جاء من مبالغاته على وزن فَعِل أو
فَعِيل أومِفْعَال أو فعول ، بالقوة التي تظهر
بها في المبالغة بالوصف . هذا سبب .
وسبب ثان أن قصائده ومقطوعاته في
المديح تعد عينة صالحة لإجراء الدراسة ،
والوصول إلى نتائج موضوعية تغني ـ إلى حد
كبيرـ عن الاستعانة بقصائده في الأغراض
الشعرية الأخرى ؛ ذلك أن عدة مدائحه خمس
وخمسون قصيدة ، وإحدى عشرة مقطوعة من بين ست
وستين قصيدة ، وأربع وثلاثين مقطوعة ، هي
مجموع نتاجه الشعري المثبت في ديوانه ؛ أي أن
قصائد المديح تمثل 83,3 % من مجموع القصائد ،
وأن مقطوعات المديح تمثل 32,3 % من مجموع
المقطوعات .
وثالث الأسباب أن استخلاص شواهد
المبالغة بالوصف ، من مدائحه ومقطوعاته ، ثم
تصنيفها ، يعين لا على معرفة صدق إحساسه نحو
ممدوحيه أو تزلفه إليهم فحسب ، بل على معرفة
المتكرر من المبالغات واستنطاقه ، وكذلك معرفة
مدى تماسك أو اضطراب الرؤية الفكرية للشاعر .
وآخر الأسباب أنه دون الحاجة إلى شواهد
المبالغة بالصيغة ، أو إلى دراسة المبالغة
بالوصف في غير المديح ، يمكن الاكتفاء بشواهد
المبالغة بالوصف في المديح ؛ لمعرفة أسباب
اصطباغ بعض مبالغاته بالصبغة المنطقية ، ومدى
كفاءة الشاعر في توشية مبالغاته بالفنون
البلاغية ، ومدى تأثر مبالغاته سواء بمبالغات
أوائله أو بثقافته القرآنية ، وكذلك المآخذ
التي تثلب بعض المبالغات .
تتألف هذه الدراسة من التوطئة وفيها
أتناول ، إلى جانب دوافع الدراسة ، محورين :
أحدهما عن المبالغة لغة واصطلاحا ، والآخر عن
ابن هانئ .
ثم يأتي موضوع الدراسة (المبالغة بالوصف في
مدائح ابن هانئ الأندلسي) وفيه أعرض للمبالغة
من خلال ثلاثة محاور : المحور الأول عن أنماط
المبالغة ، وهو يتألف من ثلاثة أنماط ، عرضت
في النمط الأول للمبالغة في وصف الفضائل
النفسية للممدوحين ؛ كالعدل ، والشجاعة ،
والكرم ، وسداد الرأي . وغيرها من المبالغات
التي يوصف بها الخليفة المعز وأعوانه . وعرضت
في النمط الثاني للمبالغات التي أسبغت على
المعز ـ بوصفه خليفة شيعيا إسماعيليا ـ صفات
خوارق . وعرضت في النمط الأخير للمبالغات
المتكررة في معارض مختلفة ، والتي يسبغ بعضها
على المعز ، وبعض أعوانه ، صفات خوارق . ويصف
بعضها الآخر المعز ، وأعوانه ، بفرائد الصفات
؛ كانقطاع النظير ، وتكامل الخَلْق والخُلُق ،
وغير ذلك من الصفات .
أما المحور الثاني فقد عرضت فيه لمصادر
المبالغة في مدائح ابن هانئ ، وأرجعتها إلى
ثلاثة مصادر رئيسية : ثقافته الشيعية ،
ومحفوظه الشعري ، ثم ثقافته القرآنية .
ويأتي المحور الثالث لتقويم الظاهرة
موضوع الدراسة ، والحكم على الشاعر ، سواء
بربطه بالبيئة التي نشأ فيها وذوق العصر الذي
ينتمي إليه والثقافة التي نهل منها ، أو
بالاعتماد على شواهد من المبالغات التي اكتظت
بها مدائحه .
ثم كانت الخاتمة وفيها سجلت النتائج
التي توصلت إليها . ويبقى أن أشير إلى أنني
حرصت على أن أقرن الشاعر بسنة وفاته عند ذكره
أول مرة ، وعلى أن أُعرِّف في الهوامش ،
بالكلمات الغوامض متى مست الحاجة إلى التعريف
بها .
وبعد فليست هذه الدراسة سوى اجتهاد فيه
ما في عمل البشر من نقص ، فإن أصبت في اجتهادي
فلله الفضل والمنة ، وإن كانت الأخرى فلي أجر
المجتهد .
2 ـ المبالغة لغة : هي مصدر رباعي من الفعل
بالغ ، نقول : بالغ المتكلم يبالغ مبالغة :
اجتهد في كلامه واستقصى(
) . وبالغ الصانع
في صنعته : جوَّدها . وقال ابن منظور ( ت
نحو 711 هـ ) : " المبالغة أن تبلغ في الأمر
جهدك " (
).
وفي الاصطلاح أن يُدَّعَى لشيء وصفٌ يزيد على
ما في الواقع(
). وبعبارة أبي
هلال العسكري ( ت نحو 395 هـ ) : المبالغة أن
تبلغ بالمعنى أقصى غاياته ، ولا تقتصر ، في
العبارة عنه ، على أدنى منازله(
). ولها ضربان :
أحدهما المبالغة بالصيغة ؛ كمقدام ، وعجول ،
وسميع ، وغيرها . والآخر : المبالغة بالوصف
وأقسامها ثلاثة :
الأول : التبليغ : وهو الوصف الذي يمكن حدوثه
عقلا وعادة ؛ كقول امريء القيس ( ت نحو 80
ق.هـ ) (
):
فعادى عداء بين ثور ونعجة دراكا فلم ينضح
بماء فيُغْسَلِ
فالشاعر يدَّعي أن جواده من القوة بحيث طارد
ثورا ونعجة فأدركهما دون أن يدركه كلل ، أو
يحتاج إلى أن يغسل عرقه . وهذا الوصف يمكن أن
يقع عقلا وعادة .
الثاني : الإغراق : وهو ما أمكن وقوعه عقلا
واستحال وقوعه عادة ، وقد يقترن بالقرائن
اللفظية التي تدنيه من حيز الإمكان ؛ كالفعل
كاد ، وحرف التشبيه كأن ، وحرفي
الامتناع : لو ولولا ، وأداة الشرط إذا ، ونحو
ذلك من القرائن . وكما يأتي مقترنا بالقرائن ،
يأتي مجردا منها . ومن شواهد الإغراق قول
امريء القيس(
):
تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى
دارها نظرٌ عال
حيث يدَّعي امرؤ القيس أنه رأى ، من أذرعات
بالشام ، نار محبوبته التي تقيم مع أهلها في
يثرب . وما بين المكانين من بعيد الآماد جعل
بعض البلاغيين لا يستسيغون دعوى الشاعر ؛ لأن
العادة لم تجر بها(
)، وفاتهم أن عين
العاشق تريه ما لا يراه الآخرون ، وأن الشاعر
كان معنيا بالوقوع على الصياغة التي تستنفد
أشواقه إلى محبوبته ، بغض النظر عن توافقها أو
تخالفها مع مألوف العادة .
الثالث : الغلو : وهو الدعوى المستحيلة عقلا
وعادة ، ومنه المقبول والمردود(
)، والمقبول على
ثلاثة أضرب : ضرب يقترن بما يقربه من حيز
الإمكان ، فإن تجرد من القرينة تجرد من الحسن(
)، ومن شواهد
الغلو المستحسن قوله تعالى :﴿ يكاد زيتها يضيء
ولو لم تمسسه نار﴾(
)؛ فإن اشتعال
الزيت قبل أن تمسسه النار مما يمتنع وقوعه
عقلا وعادة ، غير أن فعل المقاربة ( يكاد )
جعل الممتنع محتمل الوقوع .
وثاني أضرب الغلو المقبول ما تضمن نوعا حسنا
من التخيل ؛ كقول المتنبي ( ت نحو 354 هـ )
(
):
عقدت سنابكها عليها عثيرا لو تبتغي عنقا
عليها لأمكنا
فالشاعر يدَّعي أن كثرة الخيل وحركتها الدائبة
كرا وفرا ، صنعت من الغبار طريقا يمكن السير
فوقها . وهذه دعوى ما جرت بها عادة وما يقبلها
عقل ، غير أن حسن الصورة تآزر مع القرينة
اللفظية ( لو ) من أجل أن يغدو المعنى سائغا .
وآخر أضرب الغلو المقبول ما أخرج مخرج الهزل ؛
كقول الشاعر(
):
أسكر بالأمس إن عزمت على الشــــرب غدا إن ذا
من العجب
فمما يستحيل عقلا وعادة أن يسكر شاعر بالأمس
إذا عزم على الشراب في غده ، لكن ما يجعل هذا
المعنى سائغا هو مجيئه على سبيل المسامرة .
أما المردود من الغلو فهو المستحيل
عقلا وعادة ، المتجرد من القرائن اللفظية ،
والمخالف لظاهر الدين أحيانا ؛ كقول منصور
النمري (ت نحو 193 هـ) يمدح الرشيـد(
):
أيُّ امريء بات من هارون في سخط فليس
بالصلوات الخمس ينتفـعُ
إن المكارم والمـعروف أوديـــة أحلك
الله منهـا حـيث يتســعُ
إذا رفعـت امــرءا فالله يرفعــه ومن
وضعت من الأقوام مُتَضِـعُ
حيث يدَّعي الشاعر ، في غلو سافر ، أن رضاء
الله عن المسلمين مرهون برضاء هارون عنهم ،
وهذه دعوى يمجها العقل والذوق ، ويأباها الدين
.
وقد ساءت سمعة المبالغة عند المحافظين
من النقاد والبلاغيين الذين دمغوها بالكذب ،
ورأوا أنها تحيل المعنى ، وفضلوا عليها ما خرج
من الكلام مخرج الحق وجاء على منهج الصدق(
)، واستنصروا
بقول حسان ( ت نحو 60 هـ ) (
):
وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا
أنشدته صدقا
ورد ابن قتيبة ( ت نحو 276 هـ ) عن
المبالغة تهمة الكذب مؤكدا أن العرب
تقول حين تريد تعظيم هلاك رجل كثير الصنائع :
أظلمت الشمس ، وكسف القمر لفقده ؛
يريدون المبالغة في المصيبة بفقده . وليس ذلك
بكذب ؛ لأنهم جميعا متواطئون عليه(
)
.
أما ذم المبالغة إيثارا لما خرج من
الكلام مخرج الصدق فإنه مبدأ يخلط بين الصدق
كمفهوم أخلاقي والصدق كمفهوم فني . وعند
التدقيق نكتشف أن الشاعر ليس نبيا ولا مؤرخا
حتى نطالبه بالصدق الأخلاقي ، وإنما يكفي أن
يصدق حسا بموصوفاته ، فإذا صدق حسه بها كانت
المبالغة دعامة صدقه الفني : بها يصور معانيه
، ويثير الفكر والخيال ، وينجح في توصيل أعمق
الحقائق إلى المتلقي(
).
وقد ألف جمهور البلاغيين والنقاد إدراج
المبالغة ضمن فنون علم البديع ، مع أنها تتحقق
في فنون من علم البيان ؛ كالتشبيه البليغ ،
والتشبيه المقلوب ، والاستعارة(
) . كما تتحقق
في بعض مباحث علم المعاني ؛ كالإطناب ،
والتقديم والتأخير ، و من ثم فهي موزعة بين
علوم البلاغة الثلاثة ، ولا يمكن قصرها على
البديع وحده !
3 ـ وابن هانئ هو أبو القاسم (ويكنى كذلك أبا
الحسن) محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي
اليمني ، ويعرف عادة بابن هانئ الأندلسي
تمييزا له من ابن هانئ الشاعر المشهور بأبي
نواس (ت نحو 199 هـ) . والراجح أنه ولد نحو
عام 320هـ. وفي مسقط رأسه خلاف : فثمة من يقول
بأنه ولد بمدينة قرطبة ، وثمة من يقول بأنه
ولد بمدينة البيرة(
).
وقد اتصل ، في مستهل حياته الإبداعية
، بأمير إشبيلية فمدحه بشعره ، وأغدق
الأمير عليه بالعطايا بعد أن اصطفاه نديما(
)، ثم ما لبث أن
أوعز إليه بالهرب ، بعد أن اتهمه أهل إشبيلية
بالزندقة ، والتشيع ، واصطناع الفلسفة(
). ولكن ابن
هانئ لا يذكر إلا تشيعه سببا لإقصائه من
الأندلس ؛ يظهر هذا من قوله(
):
وما نقموا إلا قديم تشيعي فنجَّى هزبرا
شدَّه المتدارك
وإذ يعبر ابن هانئ المحيط ، نحو المغرب
، يتصل بالقائد جوهر الصقلي ، ويمدحه بشعره ،
ثم يرحل إلى المسيلة فيتصل بأميرها جعفر بن
الأندلسية وأخيه يحيى ، فيمدحهما ويفيضان عليه
بالعطاء(
).
ولما ذاع شعره استقدمه المعز من
المسيلة ، وألحقه ببلاطه ، وأهداه تحفا كثيرة
، وابتنى له في القيروان قصرا ، في حين أكب
ابن هانئ على تعميق ثقافته الشيعية ، كما سخر
طاقته الشعرية لا في إشاعة مبادئ الشيعة
الإسماعيلية فحسب ، بل في تمجيد الفاطميين ،
والثناء على الخليفة المعز ، وإسباغ الصفات
القدسية عليه ، والدعوة إلى وجوب طاعته(
).
ما يعنيني تأكيده هو أن المعز وابن هانئ
التقت أهدافهما ؛ فالمعز يحتاج إلى ابن هانئ
لتسويق مبادئ الشيعة الإسماعيلية والذود عن
الخلافة(
). وابن هانئ
يجد عند المعز ما يغنيه عن وطنه إشبيلية ، وما
يمنحه الأمان ورغد الحياة ، وما يهيئ له فرصة
التعبير عن أفكاره التي يزعم أنه أُقصي بسببها
عن وطنه . بل إنه ليشعر بالشموخ في ظلال المعز(
) :
فلا تشمخ الدنيا عليَّ بقدرها فإني بأيام
المعز لأشمخُ
فإذن لا غرابة في أن ينظم مدائحه في المعز
وخلافته ودعوته وجدوده وفتوحاته وأعوانه ، وأن
يظل كذلك إلى أن توفي مقتولا في برقة نحو عام
362 هـ ، حين كان في طريقه من القيروان إلى
القاهرة للالتحاق بالمعز .
المبالغة بالوصف في مدائح ابن هانئ
1ـ وصف الفضائل النفسية :
تنصب مبالغات هذا النمط على وصف الفضائل
النفسية للممدوحين ؛ كالعدل ، والكرم ،
والشجاعة ، وسداد الرأي ، ونحو ذلك من الفضائل
التي بالغ الشاعر في التعبير عنها سواء في
معزياته ، أو في مدائحه الأخرى التي نظمها في
أعوان المعز ؛ من أمثال القائد جوهر الصقلي ،
والأميرين : يحيى بن علي وجعفر بن علي ،
وإبراهيم بن جعفر ، وأفلح الناشب ، وأبي الفرج
الشيباني .
ويأتي العدل ، وما يؤول إليه ، في
مقدمة الفضائل التي بالغ في الثناء عليها عند
ممدوحيه ؛ كقوله يمدح جعفرا(
):
هذا الذي لولا بقية عدله ما كان في
الدنيا قضاء عادل
ولكون الجود أحد الصفات المحببة عند الممدوح
العربي ، لذا حرص ابن هانئ على إبرازها في
مبالغاته ، وعوَّل على رموز ارتبط بها الكرم
في الذاكرة العربية ؛ كالغيث ،
والأنواء ، والبحار ، والغمام ، وحاتم الطائي
. وهاهو يبالغ واصفا جود جعفر بن علي ،
ورافعا جوده فوق الأنواء والغمام والبحار ،
حتى كاد يجعل الأرض تضيق بجوده(
): أعطى فأكثر
واستقلَّ هباتـه فاستحيت الأنواء وهي
هوامل
فاسم الغمام لديـه كَنَهْـوَرٌ آلٌ ،
وأسماء البحور جداول(
)
لولا اتساع مذاهب الآفاق ما وسعت له
فيها لُهَىً وفواضل(
)
وهو يثني على جود ممدوحه يحيى بن علي جاعلا
البحار والسحب تكاد تستجديه(
):
لولا حياء البحر من موجه والعارض الجون
من الأفق
جاءك هذا سائحا يجتـدي وجاء ذا ظمـآن
يستسقي
كما يثني على جود أبي الفرج الشيباني ، ناعتا
إياه بأنه بحاتم الطائي أشبه ، وبالمكارم
مستأثر(
):
ما كنت أحسب أن الدهر يزلُفُ لي بحاتم في
الليالي غير طائي
...
لك المكارم مضروبا سرادَقهــا وبيت شيبان
مشدودَ الأواخي
ونظرا لكثرة مدائح ابن هانئ في المعز فقد أفاض
في المبالغات التي تصف كرمه ، وحاول أن يميزه
بمبالغات تليق بمكانته كخليفة ، كأن يجعل
الغيث يقتدي به ؛ يقول(
):
ولم يحكك الغيث في نائل ولكن رأى شيمة
فاقتدى
ومن ذلك أنه يدَّعي أن المعز أكرم من الغمام ،
وأنه يغيث البلاد والعباد حين تجدب الأرض(
):
فله الندى لا يدّعيه غيره إلا إذا كذب
الغمام المُسْبِلُ
كرم يسحُّ على الغمام وفوقه مجد ينيف على
الكواكب من عًلُ
غيث البلاد إذا اكفهرَّ تجهما في أوجـه
الرواد عـامٌ ممحـلُ
ويدَّعي أن المعز لو كان أبا للبرية ما ظهر
على وجه الأرض بخيل(
):
لو كنت أنت أب البرية كلها ما كان في نسل
العباد مُبَخَّلُ
ويعمد إلى قلب التشبيه مبالغة في التعبير عن
جود المعز ، جاعلا من الأصل ( الغيث ) فرعا
ومشبها ، ومن الفرع ( المعز ) أصلا ومشبها به
؛ حتى يغدو وجه الشبه ( الجود ) أظهر في المعز
منه في الغيث ؛ يقول(
):
في الغيث شبه من نداك كأنما مسحت على
الأنواء منك يمين
ولأن العربي مجَّد الشجاعة ، ولأن الممدوحين
يرضي غرورهم أن يبالغ الشعراء في نعت شجاعتهم
، لذا أخذ يبالغ ابن هانئ في نعت شجاعة
ممدوحيه ؛ كقوله في شجاعة جعفر بن علي(
):
ندعوه سيفا والمنية حده وسنان حرب
والكتيبة عاملُ
بل إنه يستقصي مظاهر الشجاعة في جعفر ، حتى
بدت مبالغاته وكأنها مرايا نرى فيها وجوها
مختلفة لشجاعة ممدوحه ، فتارة يبالغ مدعيا أن
ممدوحه يتخذ من الأسنة مضجعا ، ومن مهج
الليوث طريقا(
):
ولقد تكون لك الأسنة مضجعا حتى كأنك من
حِمامٍ غافـلُ
تغدو على مهج الليوث مجاهرا حتى كأنك من
بدارٍ خاتـلُ
وتارة ثانية يرينا الشمس تخر ساجدة أمام جعفر(
):
ما إن تزال تخر ساجدة له من حين مطلعها
إلى أن تغربا
وتارة ثالثة يرينا الليوث ذليلة ، والجبال
خاضعة ، والدهر أشيب ، كل هذا من أثر الهول
الذي يبعثه جعفر فيما حوله(
):
فرشت له أيدي الليوث خدودها ورضين ما
يأتي وكن غضابـا
...
أرضا وطئت الدر رضراضا بها والمسك
تربا والرياض جنابـا(
)
...
ورأيـت أجبل أرضهـا منقادة فحسبتها
مـدت إليك رقابـا
وسألت ما للدهـر فيها أشيبـا فإذا به من
هول بأسك شابـا
ويبالغ مدعيا أن لجوهر الصقلي من الطموح
الوثاب ما يجاوز عنان السماء ، وما يعجز أقوى
الجياد عن اللحاق به(
[42]
):
سموت من العليـا إلى الذروة التي ترى
الشمس فيها تحت قدرك تضرعُ
إلى غايـة ما بعدها لـك غايــة وهل خـلف
أفـلاك السماء مطلـعُ
إلى أين تبتغي ؟ ليس خلفك مذهب ولا
لجـواد فـي لحاقـك مطمــعُ
ويرينا بالمبالغة مظهرا آخر من مظاهر الشجاعة
في جوهر ؛ يرينا الجبال منقادة له ، فزعة منه
، حتى إن أوهى الأصوات تزلزلها فإذا هي راكعة
في استسلام أسيان(
):
تسير الجبال الجامدات بسيره وتسجد من
أدنى الحفيف وتركعُ
كما يستقصي في مبالغاته مظاهر الشجاعة عند
المعز ؛ إذ يدعي تارة أن سيفه أطاح بما لا حصر
له من رقاب الروم(
[44]
):
إذا ذكروا آثـار سيفـك فيهــمُ فلا القطر
معدود ولا الرمل محسوب
وتارة ثانية يدَّعي أن سيف المعز روَّع الأسود
في مكامنها(
[45]
):
يروِّع الأُسْدَ منه في مكامنها سيفٌ له
بيمين النصر مخترطُ
وتارة ثالثة يدَّعي أن المعز يلاحق خصومه ،
مُنْزِلا بهم أفدح الهزائم ولو تسنَّموا قرون
الظباء ، أو تحصنوا بمخالب الليوث وأنياب
الحيات(
):
هيهات يضحي منيعا منك ممتنعا ولو تسنَّم
روق الأعصم الوعل(
)
ولو غدا بخلوب الليث مُدَّرِعـا أو بات
بين نيوب الحية العصل(
)
ويدّعي في إحدى مبالغاته أن أفلح الناشب(
) أفزع بشجاعته
الشياطين حتى استعاذت منه(
):
وتعوَّذ الشيطان منك وكيده لما ذَعَرت
جزيرة الشيطان
هكذا يمجد بمبالغاته ، على اختلاف
ضروبها ، الممدوح القادر على ترويع الجبال
والأسود والليوث والشمس والشياطين . كما يمجد
سيف المعز لا لقدرته على الإطاحة بما لا يحصى
من رقاب الروم فحسب ، بل لقدرته ـ أيضا ـ على
ترويع الأسود في مكامنها ، وإنزال الهزائم
بخصومه مهما كانت قوة حصونهم .
ويشيد ابن هانئ في مبالغاته بما تمتع به
ممدوحوه من عقل راجح ، وبصر سديد ، ورأي ثاقب
؛ نرى مثلا لذلك قوله يصف سداد رأي المعز(
):
فإذا بعثت الجيش فهو منية وإذا رأيت الرأي
فهو قضاء
ومن ذلك قوله يمدح في المعز قدرته على جمع
القلوب من حوله(
) :
كأن الهدى لم يكن كائنا إلى أن دُعِيت معز
الهدى
وكذلك قوله في سداد رأي جعفر بن علي(
) :
فلا نُقِضَ الأمر الذي أنت مبرمٌ ولا
خُذِلَ الجيش الذي أنت باعثُ
ويطول بنا الحديث إذا ما تقصينا مبالغاته
الممجدة لما تحلى به الممدوحون من فضائل نفسية
أعجبته فيهم ، وفيما ذكر منها ما يغني عما لم
يذكر .
2 ـ وصف مناقب المعز :
وأكثر مبالغات هذا النمط مستمدة من
تعاليم الشيعة الإسماعيلية ، وهي ترد في
معزيات ابن هانئ أكثر مما ترد في مدائحه
الأخرى التي نظمها في أعوان المعز ، ومن
خلالها يسبغ على المعز صفات خوارق تلائم
مكانته كخليفة شيعي ، ونادرا ما يصف بها غيره
. وبرغم ما يسم مبالغات هذا النمط من غلو سافر
، يصادم الأذواق والأعراف ، ويخرج إلى ما
يأباه ظاهر الآيات القرآنية ، فإن ابن هانئ
يؤكد أنه يصدر فيها عن علم بما يمدح لا عن
مزاعم يدَّعيها ، وأنه لذلك لا يشعر بأدنى حرج
أو إثم إزاء ما يضفيه على المعز من خوارق
الصفات ؛ يظهر هذا من قوله(
):
مدحتكـم عـلما بما أنا قائــل إذا كان
غيري زاعما كل مزعـم
ولو أنني أجري إلى حيث لا مدى من القول
لم أحـرج ولم أتأثـم
وإذن فهو لا يشعر بالحرج أو بالإثم حين يدَّعي
أن المعز معصوم ، وأن اختياره خليفة لم يكن
اختيارا بشريا وإنما هو توقيف من الله(
):
مؤيدا باختيار الله يصحبه وليس فيما أراه
الله من خلل
وهو يؤكد يقينه من عصمة المعز بقوله(
):
من كان سيما القدس فوق جبينه فأنا الضمين
بأنه لا يجهل
ولا يشعر بالحرج حين يدَّعي أن خلافة
المعز كالنبوة(
):
أُوتيت فضل خلافة كنبوة ونجيَّ إلهام
كوحي يُوحَى
ولا يخالجه شعور بالإثم حين يدَّعي أن المعز
يطلع على ما لم يطلع عليه جبريل
وميكائيل ـ عليهما السلام ـ من علم الله(
):
وعلمت من مكنون علم الله ما لم يـؤت
جبريـلا وميكائيـلا
وما دام المعز مطلعا على ما لم يطلع عليه
جبريل وميكائيل من علم الله ، فبالأحرى أن
يستأثر ـ في غلو الشاعر ـ دون غيره من الناس
بالاطلاع على علم الله(
):
ولله علم ليس يحجب دونكم ولكنه عن سائر
الناس محجوب
ودون شعور بالحرج يمضي ابن هانئ مّدَعيا
أن للمعز حق الشفاعة عند الله(
):
ولك الشفاعة كأسها وحياضها ولك المعين
تُعَلُّ منه وتُنْهِـلُ
واتساقا مع الرؤية الآنفة يستشفع
الشاعر المعز في عباده ، وكأنما المعز إله(
):
فارزق عبادك منك فضل شفاعة واقرب بهم زلفى
فأنـت مكيـن
ومن عجب أن شفاعة المعز لا تقتصر ـ في
رؤية الشاعر ـ على معاصريه ، وإنما تمتد إلى
أسلافه ؛ إذ يدَّعي الشاعر أن المعز كان شفيعا
لآدم عليه السلام(
):
لآدم من سركم موضع به استوجب العفو لما
عصى
ومن منطلق قناعاته الفكرية يدَّعي أن
فاتحة الكتاب أشادت بفضل المعز ، وأن السماوات
السبع شهدت بمفاخره ، وأن القرآن الكريم أثنى
عليه(
):
نطقت بك السبع المثاني أَلْسُنَـًا
فكفيننا التعريـض والتصريحـا
...
شهدت بمفخرك السماوات العلا وتنزل
القرآن فيك مديحـا
وما دام القرآن تنزل مديحا في المعز
فليس عجبا أن نرى الشاعر يدَّعي أن التوراة
والإنجيل يشهدان للمعز بالفضل ، وأن الفردوس
من أنساب المعز(
):
من يشهد القرآن فيه بفضلــه وتصـدِّق
التوراة والإنجيــل
...
فافخر فمن أنسابك الفردوس إن عُـدَّت ومن
أحسابك التنزيـل
وطيقا لرؤية الشاعر فإن الكتب السماوية
لم تُفصَّل آياتها إلا لتشهد بمكانة المعز(
):
فالكتب لولا أنها لك شُهَّدٌ ما فُصِّلت
آياتها تفصيلا
وهو يدَّعي أن المعز نور وما عداه ظلمة
، وأنه فوق البشر جميعا(
):
النور أنت وكل نور ظلمة والفوق أنت وكل
فوق دون
ويغلو مدَّعيا أن المعز ( روح هدى ) ،
وأن جسمه ( نور يمدُّه شعاع من الأعلى ) ،
وأن بينه وبين الله ممرا متصلا من الأسباب(
):
وروح هدَىً في جسم نور يمدُّه شعاع من
الأعلى الذي لم يُجَسَّمِ
ومتصـل بيـن الإلـه وبينـه ممـرٌّ من
الأسباب لم يتصـرَّمِ
ويغلو مدعيا أن في جبين المعز قبسا من
نور الله(
):
وما كنه هذا النور نور جبينه ولكنَّ نور
الله فيه مشارك
ودون حرج أو إثم يدَّعي أن المعز ليس
صورة من ملكوت الله فحسب ، بل هو روح الله(
):
صُوِّرتَ من ملكوت ربك صورة وأمدَّها علما
فكنـت الروحـا
كما يدَّعي أن الملائكة تأخذ هديها عن
المعز(
):
هذا ابن وحي الله تأخذ هديها عنه الملائك
بكرة وأصيلا
ومثله الادعاء بأن المعز خلقت من أجله
الدنيا وأنه يرثها ، وأن الإنس والجن من
عَبِيْدِهِ(
):
وكفى بمن ميراثه الدنيا ومن خُلِقت له
وعبيـده الثقـلان
ويغلو مدَّعيا أن الله ـ في قرآنه ـ
وعد المعز بالنصر(
):
لك صدق وعد الله في فرقانه لا ما يقول
الجاهلون الضُلَّلُ
نصر الإله على يديـك عباده والله ينصر ما
يشاء ويخذلُ
ومن منطلق قناعاته الفكرية يصف الشاعر
المعز بما يوصف به الله ـ سبحانه وتعالى ـ من
صفات ؛ كالمنتقم ، والعزيز ، والقادر ،
والغفار ، والواحد ، والقهار . وشواهد ما سبق
عديدة ؛ منها قول الشاعر(
):
ندعوه منتقما ، عزيزا ، قادرا غفار موبقة
الذنوب صفوحا
ومنها قوله(
):
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت
الواحد القهار
وهو لا يتأثم حين يجعل كل شيء في
الوجود مدينا للمعز بالطاعة : الإصباح ،
والإمساء ، والفَلَك ، والدهر ، والأيام ،
والناس ، والأرض : أخضرها ويابسها ، والسفن
المبحرة في الأنهار والبحار ؛ يقول ابن هانئ(
):
نزلت ملائكـة السماء لنصـره وأطاعه
الإصباح والإمســاءُ
والفُلْكُ والفَلَكُ المـدار وسعـده
والغزو في الدأماء والدأمـاءُ(
)
والدهر والأيـام في تصريفهـا والناس
والخضراء والغبـراءُ
أين المفـرُّ ؟ ولا مفـرَّ لهارب ولك
البسيطان : الثرى والماءُ
ولك الجواري المنشآت مواخرا تجري بأمرك
والرياح رخـاءُ
وبالغلو أصبحت الأبصار ، التي لا تعنو
إلا لله ـ سبحانه وتعالى ـ تعنو للمعز ، وغدت
الأقدار منقادة له(
):
فعنت لك الأبصار وانقادت لك الـ أقدار
واستحيت لك الأنواء
وما دام المعز ـ في رؤية ابن هانيْ ـ
متمتعا بما هو خارق للمألوف ، قابضا على كل
شيء . وما دام ابن هانئ يصدر في مدحه عن علم
بما يقول ، فلن يشعر بالحرج أو الإثم حين يدعي
أن المعز قادر على إحياء الموتى(
):
نعش الجدود فلو يصافح هالكا ما وسَّدته
يد المنون ضريحا
وعلى نحو ما سبق جاء قوله(
):
أو كان منكم للرفات مخاطِبٌ لبَّـوا
وظنـوا أنـه إنشــار
واتساقا مع قناعاته الفكرية لا يشعر
الشاعر بالحرج حين يدَّعي أن المعز مفوض
ـ كغيره من آل البيت ـ لا في تأويل القرآن
فحسب ، بل في تحليل ما يراه حلالا وتحريم ما
يراه حراما ، دون أن يجادله في ذلك مجادل(
):
أنتـم أحبـاء الإلـه وآلـه خلفاؤه في
أرضه الأبرار
أهل النبوة والرسالة والهدى في البينات
وسادة أطهـار
والوحي والتأويل والتحريم
والتـحليل لا خلف ولا إنكــار
واتساقا مع قناعاته الفكرية ـ أيضا ـ
يدَّعي أن المعز يرث الأرض كلها ؛ يظهر هذا من
قوله(
):
والوارث الأرض عن أبوين أب مصطفى وأب
مرتضـى
ودون تحرج أو إثم يدَّعي أن حب المعز
يسقط عن المذنبين ذنوبهم ، وأن شفاعته
ناجعة عند الله ، وأن النار تخمد إذ تراه(
):
هذا الذي ترجى النجاة بحبـه وبه يُحطُّ
الإصرُ والأوزارُ
هذا الذي تجدي شفاعته غدا حقا ، وتخمد
إن تراه النار
ومتى كان المعز ـ في رؤية ابن هانئ ـ
متمتعا بهذه المناقب والصفات الخوارق ؛
فبالأحرى أن يكون الدين مرتبطا به ، وأن تكون
طاعته فوزا ، وعصيانه خسرا ، ومدحه قنوتا
وتسبيحا(
):
إمام رأيت الدين مرتبطا به فطاعته فوز
وعصيانه خُسْرُ
أرى مدحه كالمدح لله إنـه قنوت وتسبيح
يُحَطُّ به الوزرُ
وبالأحرى ـ أيضا ـ أن يضل من اهتدى
بغير هدي المعز(
):
من يهتدي دون المعز خليفة إن الهداية دونه
تضليل
هكذا صيَّر الغلو المعز كائنا غير بشري
؛ فهو المعصوم الشفيع ، والواحد القهار ،
والمطلع على مكنون علم الله ، والمحيي الموتى
. وكما لم يتحرج ابن هانئ أو يتأثم من إسباغ
خوارق الصفات على المعز ، لم يتحرج المعز أو
يتأثم من قبول نعته بهذه الصفات الخوارق ، بل
سكت عنها وأجاز عليها ؛ لأنها ترضي غروره من
ناحية ، وتخدم أهدافه المذهبية من ناحية أخرى
.
3 ـ المتكرر من فرائد الصفات :
يلاحظ الدارس أن ابن هانئ قد يسبغ على
أحد ممدوحيه صفة من فرائد الصفات ، ثم لا يلبث
أن يسبغها على ممدوح آخر ، وبهذا تختلط ملامح
الممدوحين بهذه الصفة أو تلك . وما سبق تؤكده
دلائل عديدة ؛ منها : أنه يغلو واصفا اثنين من
ممدوحيه بكونهما سبب الخلق وعلة الدنيا ، أحد
هذين الممدوحين هو المعز ، الذي مدحه الشاعر
بقوله(
):
هو علة الدنيا ومن خُلِقَت له ولعلَّة ما
كانت الأشياءُ
أما الممدوح الآخر فهو إبراهيم بن جعفر
، الذي يقسم ابن هانئ على أنه ( سبب لهذا
الخلق في تكوينه )(
):
أقسمت بالبيت العتيق وما حوت بطحاؤه من
حجره وحجونـه
مـا ذاك إلا كونـك ناشئــا سبب لهذا
الخلق في تكوينـه
هذا دليل .
وثاني الأدلة : أنه يجعل القضاء منصاعا لا
لمشيئة المعز فحسب ، بل لمشيئة أحد أعوان
المعز ؛ أعني أبا الفرج الشيباني . ما سبق
يؤكده ـ أولا ـ قوله في المعز(
):
يجري القضاء بما تشاء فنازح ومقرِّبٌ
ومؤجِّلٌ ومعجِّلُ
ويؤكده ـ ثانيا ـ امتداحه أبا الفرج
الشيباني بانصياع القضاء لمشيئته ، على نحو ما
يظهر من قوله(
):
جرى القضاء بما ينوي فلا تعب إن القضاء
عنان غير مثني
وثالث الأدلة : أنه يسبغ على المعز صفات تجعل
الدهر والأيام والحتوف والأرزاق طوع بنانه ؛
يقول(
):
لك الدهر والأيام تجري صروفها بما شئـت
من حتفٍ ورزق مقسَّـم
لكنه يعود ليسبغ على أبي الفرج الشيباني صفات
تجعله ـ كالمعز ـ قادرا على إخضاع الدهر
لمشيئته ؛ يقول(
) :
يصرف الدهر ينهاه ويأمره فدهـره بين
مأمـور ومنهـي
دليل رابع : أنه يدَّعي أن المعز شخصية تدق عن
الأفهام ، حيث يقول(
):
ماذا نقول ؟ جللت عن أفهامنا حتى استوينا
أعجما وفصيحا
وبرغم كون المعز خليفة ـ إن دق عن الأفهام
فهذا يلائم مكانته عند الشيعة ـ فإن ابن هانئ
لم يجعله الممدوح الأوحد الذي يدق عن الأفهام
، وإنما نعت غير واحد من أعوانه بهذا النعت ؛
منهم يحيى بن علي ، الذي يصفه الشاعر بقوله(
):
ولقد بعدت عن الصفات وكنهها ولقد قربت
فكنت غير بعيـد
فكأنـك المقدار يعرفـه الورى من غير
تكييف ولا تحديــد
ومنهم جعفر بن علي ، الذي يصفه الشاعر بقوله(
):
ولئن خرجت عن الظنون ورجمها فلقد دخلـت
الغيـب بابا بابا
خامس الأدلة : أنه يصف أربعة ممدوحين بأنهم
منقطعو النظير ؛ فالمعز لا شبيه له(
):
إمام له مما جهلت حقيقة وليس له مما علمت
نديـد
ويحيى بن علي لا يجود الزمان بمثله(
):
إن السقيم زمانه لا جسمه إذ لا يجـيء
لمثله بنديـد
بل إنه ليصف الأخوين : يحيى وجعفر بأنهما بيضة
العُقْر ؛ يقول(
):
وما كانت الأيام تأتي بمثلكم قديما ولكن
كنتمُ بيضة العُقْرِ(
)
وأفلح الناشب ليس له شبيه(
):
لو سرت أطلب : هل أرى لك مُشْبِها لطلبـت
شيئـا لـيس بالإمكـان
وآخر الأدلة : أن ابن هانئ يصف بالكمال ثلاثة
من ممدوحيه ، أحدهم : إبراهيم بن
جعفر ، الذي تظهره المبالغة متأبيا على الوصف(
):
حزت الكمال ففيك معنى مشكلٌ ينبو بيـان
الذوق عن تبيينـه
وثانيهم : يحيى بن علي ، الذي أسبغ عليه
الشاعر كمالا ليس مثله كمال(
):
لم يدخر عنك المديحَ الجزل من وفَّـاك
غايتَـه من المجهـود
ولما مدحتك كي أزيدك سؤددا هل في
كمالـك موضع لمزيـد
أما آخر الممدوحين بالكمال فهو أبو الفرج
الشيباني ، الذي تظهره المبالغة متكامل
الخَلْق والخُلُق ؛ يقول ابن هانئ(
):
أما ووجهك وهو الشمس طالعة لقد تكامـل
فيك الخَلْق والخُلُق
هكذا تختلط الملامح في المتكرر من
فرائد الصفات ، التي بالغ الشاعر في وصف
ممدوحيه بها ، وكان من أثر هذا أننا لا ندري
من المتفرد بكون علة الدنيا ، أو بكونه مصرفا
الدهر ، أو بكونه دقيقا عن الأفهام ، أو بكونه
منقطع النظير ، أو بكونه مستأثرا بالكمال !
مصادر المبالغة
ما تكتظ به مدائح ابن هانئ من مبالغات
يمكن رده إلى المصادر الرئيسية التي أثرت في
ثقافة الشاعر ، وهذه المصادر ـ بحسب درجة
تأثيرها ـ هي ثقافته الشيعية ، ومحفوظه الشعري
، وثقافته القرآنية .
1ـ فالثقافة الشيعية تفسر لنا ما أضفاه
على المعز من صفات تجعله محورا لا لمدائحه
فحسب ، بل للكون أيضا . ومعروف عند الشيعة أن
" الإيمان لا يتم إلا بالاعتقاد بالإمامة "(
)، وأن " من
مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "(
)، وأنه " ما
كان في الدين والإسلام أمر أهم من تعيين
الإمام "(
).
كما تفسر ثقافته الشيعية غلوه في وصف
المعز بصفات لا يوصف بها إلا الله ـ سبحانه
وتعالى ـ ؛ كالمنتقم ، والعزيز ، والقهار ،
وغير ذلك من الصفات والأسماء المقدسة . إن
العلاقة وثقى بين التجاسر على إطلاق الصفات
القدسية على المعز وكون الشيعة من المعطلة
والنفاة ، فهم يعتقدون إن الإثبات الحقيقي
للصفات يقتضي شركة بين الله والموصوفين بهذه
الصفات من عباده(
)؛ أي أن إثبات
الصفات يوقع ـ من وجهة نظرهم ـ في مأزق
التشبيه ، ويتعارض مع قوله تعالى : ﴿ ليس
كمثله شيء﴾(
). وللخروج من
مأزق التشبيه الذي يزعمونه قالوا بالتعطيل ،
ومن ثم لم يأثم ابن هانئ أو يتحرج من إسباغ
القدسي من الصفات والأسماء على المعز ، كما لم
يشعر المعز بأن الشاعر يؤلهه بمثل هذه الصفات
.
وحين ينعت ابن هانئ المعز بأنه مطلع
على مكنون علم الله فإنه يستند إلى ثقافة
شيعية علمته أن حدودا لا تحد علم الإمام ، وأن
هذا العلم " لازم للطبيعة الدينية لمهمته ،
وقبس من السماء يأتيه عن طريق ( روح القدس )
التي تلهمه إلهاما ، والتي تقوم بالنسبة له
مقام الوحي بالنسبة للأنبياء "(
).
وإذ تنصاع للمعز ـ في غلو ابن هانئ ـ
الأيام ، والرياح ، والفلك التي تجري بالماء ،
والآجال ، والأرزاق . وإذ يغدو قادرا على
إحياء الموتى ، وتفجير الماء من الصخر ؛ فذلك
كله راجع إلى فكرة الحلول التي يؤمن بها غلاة
الشيعة برغم كونها فكرة ذات جذور يهودية
ومسيحية وغنوصية(
)؛ قال
الشهرستاني ( ت نحو 548 هـ ) : " هؤلاء هم
الذين غلوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود
الخليقية ، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية ،
فربما شبهوا واحدا من الأئمة بالإله ، وإنما
نشأت شبهاتهم من مذاهب الحلولية(
)، ومذاهب
التناسخية(
)، ومذاهب
اليهود والنصارى ؛ إذ اليهود شبهت الخالق
بالخلق ، والنصارى شبهت الخلق بالخالق فسرت
هذه التشبيهات في أذهان الشيعة الغلاة حتى
حكمت بأحكام الإلهية في حق بعض الأئمة "(
).
وحين يغلو ابن هانئ واصفا المعز بالعصمة
؛ فذلك راجع إلى أن الشيعة يؤمنون ـ في معظمهم
ـ بأن " الإمام معصوم ، لا يجوز عليه الخطأ
والنسيان والكذب . وكل ما يصنعه حق وصدق "(
).
وما دام المعز معصوما ـ عندهم ـ فأحرى
بالرعية أن تطيعه ؛ فإن في اتباعه هداية لهم ،
وفي عصيانه ضلالا لهم(
)، وفي هذا ما
يفسر ـ مثلا ـ دعوى ابن هانئ بأن المهتدي بغير
المعز ضال(
).
وحين يغلو ابن هانئ مدعيا أن المعز
عالم بالظاهر والباطن ، وله حق التحليل
والتحريم ؛ فمرجع هذا إلى ما يدين به
الإسماعيليون من إن لكل ظاهر باطنا و لكل
تنزيل تأويلا(
). إن علم
الإمام بالظاهر والباطن وتفرده بالتحليل
والتحريم يفسران صمت المعز من ناحية ، وجرأة
ابن هانئ ـ من ناحية أخرى ـ حين يصف المعز
بأنه مطلع على مكنون علم الله ، وحين يصفه
بالواحد القهار ، ووارث الأرض ومن عليها ،
خلافا لما يدل عليه ـ مثلا ـ ظاهر الآية في
قوله تعالى : ﴿ إنا نحن نرث الأرض ومن عليها
وإلينا يرجعون﴾(
).
وحين نجد سيف المعز يحصد ـ في مبالغات
ابن هانئ ـ من رقاب الروم ما يفوق الرمال عددا
، ويروع الأسد في مكامنها ؛ فذلك لأنه السيف
ذو الفقار ، الذي حارب به الرسول ـ عليه
الصلاة والسلام ـ وأعطاه عليا ـ رضي الله عنه
ـ ثم توارثه الأئمة عن الإمام علي . إنه سيف ،
لا كغيره من السيوف ، وإنما هو جزء من ميراث
معنوي مبارك . وحين يقبض خليفة معصوم كالمعز
، على سيف مبارك كذي الفقار ، فإن الإطاحة بما
يفوق الرمال عددا من رقاب الروم يصبح أمرا له
بواعثه الشيعية التي يعرفها المادح ويعتنقها
الممدوح !!
2ـ وكما تفسر ثقافته الشيعية قدرا من مبالغاته
، يفسر محفوظه الشعري قدرا آخر منها ؛
فاطلاعه الواسع على شعر أسلافه ومعاصريه ،
ومعرفته بطرائق تأديتهم سواء بالغوا في وصف
الفضائل النفسية للممدوحين ، أو أسبغوا عليهم
خوارق الصفات ، يفسران الكثير من مبالغاته .
إن مبالغاته في وصف الممدوحين بالبحار
والغيوث والندى والغمام ، أو بالليوث والسيوف
، وغير ذلك من رموز الكرم والشجاعة ، تصله
بمبالغات أوائله ؛ فقد كان النابغة الذبياني (
ت نحو 17 ق . هـ ) يبالغ واصفا كرم الممدوح
وشجاعته بقوله(
):
وإنك غيث ينعش الناس سيبه وسيف أعيرتـه
المنية قاطـع
وحين يدَّعي ، في إحدى مبالغاته ، أن
المزن تقتدي بجعفر بن علي ، فإن لمبالغته
نظائر في شعر أسلافه ، يؤكد هذا قول الشاعر(
):
علَّم الغيث الندى حتى إذا ما حكاه علَّم
البأسَ الأَسَدْ
فله الغيث مُقِـرٌّ بالنـدى وله الليث
مُقِـرٌّ بالجَلَـدْ
وإذ يقصر ابن هانئ الجود على المعز في
قوله(
):
إلى مثل جدواك تنضى المطيُّ ومن مثل كفيك
يرجى الغنى
فإن مبالغته شبيهة بمبالغة سلفه مسلم بن
الوليد ( ت نحو 208 هـ ) التي قصر فيها الجود
ـ بالنفي والاستثناء ـ على يزيد بن مزيد ،
وذلك في قوله(
):
لا يرحل الناس إلا نحو حجرته كالبيت يضحي
ملتقى السبـل
ومبالغاته في وصف بعض ممدوحيه بانقطاع
النظير تعد من المعاني التي تعاورها غير واحد
من أسلافه ومعاصريه ؛ منهم النابغة الذبياني
حين امتدح النعمان بقوله(
):
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ولا أحاشي
من الأقوام من أحـد
ومنهم زهير ( ت نحو 13 ق . هـ ) في قوله(
):
في الناس للناس أنداد ، وليس له فيهم
شبيه ، ولا عِـدْلٌ ، ولا نِدَدُ
ومنهم حسان في قوله يمدح النبي عليه الصلاة
والسلام(
):
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم
تلد النساء
خُلِقْتَ مبرَّأ من كـل عيـب كأنك قد
خلقت كما تشاء
ومنهم أبو تمام ( ت نحو 229 هـ ) في قوله
يمتدح المأمون(
):
الله أكبر جاء أكبر من جـرت فتعثرت في
كنهه الأوهام
من لا يحيط الواصفون بقدره حتى يقولوا
وصفه إلهام
كما وُصِفَ الممدوح بانقطاع النظير في
مبالغات غير واحد من معاصري ابن هانئ ؛ منهم
المتنبي ( ت نحو 354 هـ ) في قوله يمتدح سيف
الدولة(
):
مضت الدهور وما أتين بمثله ولقد أتى فعجزن
عن نظرائه
ومنهم أبو فراس الحمداني ( ت نحو 357 هـ ) في
قوله يمتدح سيف الدولة(
):
ومثلك معدوم النظير من الورى وشعرك معدوم
الشبيه من الشعر
ومبالغة ابن هانئ التي يعبر فيها عن بعض
مناقب المعز ، حيث يقول(
):
هذا الذي عطفت عليه مكةٌ وشعابها ،
والركن ، والبطحاءُ
شبيهة بمبالغة سلفه الفرزدق ( ت نحو 110 هـ )
التي يمتدح فيها الإمام علي زين العابدين
بقوله(
):
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت
يعرفه والحل والحرم
وغلو ابن هانئ في التعبير عن وجوب طاعة
المعز بمثل قوله(
):
الله يقبـل نسكنـا عنـا بمـا يرضيك من
هدي وأنت معيـن
فرضان من صوم وشكر خليفة هـذا بهـذا
عندنـا مـقرون
قريب من غلو سلفه علي بن الجهم ( ت نحو 249 هـ
) في قوله يمتدح المتوكل(
):
ولن يقبل الإيمان إلا بحبكم وهل يقبل الله
الصلاة بلا طهرِ
وتشبيه المعز بالنبي ـ عليه الصلاة
والسلام ـ في قول ابن هانئ(
):
وكأنما أنت النبي محمد وكأنما أنصارك
الأنصار
قريب الشبه من قول سلفه أبي نواس في مدح
الأمين(
):
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها خَلْقا
وخُلْقا كما قُُـدَّ الشراكـان
بل إن غلو ابن هانئ في وصف مناقب المعز
ـ بصفة خاصة ـ يعد امتدادا لغلو أسلافه من
شعراء الشيعة ؛ من أمثال كثير عزة ( ت نحو 150
هـ ) ومنصور النمري ، ودعبل الخزاعي ( ت نحو
221 هـ ) ، وديك الجن الحمصي ( ت نحو 235 هـ )
، وغيرهم ممن تعاوروا وصف الإمام بكونه صاحب
العلم السري والإلهي ، المستمد أقواله وأفعاله
من الله مباشرة ، وصاحب العلم الكامل بكلام
الله ، وحامل التراث العلمي والديني من الرسول
ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمعصوم من الخطأ ،
والشفيع لأوليائه ، والمستحق للطاعة(
).
وإلى أبعد مما سبق يذهب الدكتور شوقي ضيف
مؤكدا أن أكثر المعاني ، التي طرقها ابن هانئ
في مدائحه ، هي نفس المعاني التي نلقاها في
الشعر العربي عند العباسيين ومن قبلهم(
).
3ـ وللثقافة القرآنية في مبالغات ابن هانئ أثر
واضح ، يبدو لا في توسله بألفاظ القرآن
وتراكيبه فحسب ، بل في توسله بالقصص القرآني
أيضا . ومن دلائل الأثر القرآني في غلوه قوله
يمدح المعز(
):
ولك الجواري المنشآت مواخرا تجري بأمـرك
والرياح رخـاء
فالإمدادات التناصية في صدر البيت تستدعي نصين
غائبين أحدهما : قوله تعالى : ﴿ وله الجوار
المنشآت في البحر كالأعلام ﴾(
). والآخر :
قوله تعالى : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا
من فضله ولعلكم تشكرون﴾(
). وواضح أنه
يوظف هنا ثقافته القرآنية في تعزيز مناقب
المعز ، وفي حمل الناس على طاعته ؛ فإن
المتلقي الذي يقرأ صدر البيت يستدعي الآيتين
السابقتين مجيلا بصره فيهما ، معملا عقله لا
في العلاقة بين البيت والآيتين فحسب ، بل في
علاقة المعز بالله ، وفي هذا المدد الذي
يتلقاه من الله حتى يُجري السفن المواخر في
البحر بأمره . إن هذه الأفكار وغيرها تنشئها
العلاقات التناصية وتزرعها في عقل المتلقي
ووجدانه .
ولحمل المتلقي على التسليم بشفاعة
المعز ، توسل ابن هانئ بالتراكيب القرآنية ،
والقصص القرآني ، على نحو ما يظهر من قوله(
):
وبذا تلقى آدمٌ من ربه عفوا وفاء ليونس
اليقطين
فالتماثل واضح بين التركيب الشعري ( تلقى آدم
من ربه ) والتركيب القرآني ﴿ فتلقى آدم من ربه
﴾(
). والدال
الشعري ( اليقطين ) يستدعي بارتباطاته
القرآنية ، وبمؤازرة العلم المقدس ( يونس ) ،
نصا قرآنيا غائبا ؛ أعني قوله تعالى : ﴿
فنبذناه بالعراء وهو سقيم ، وأنبتنا عليه شجرة
من يقطين﴾(
). إن المعنى
المذهبي القابع في أحشاء البيت هو أنه إذا كان
المعز شفيعا لأنبياء كآدم ويونس ـ عليهما
السلام ـ فبالأحرى أن يكون شفيعا لأتباعه ،
وبالأحرى أن يكون مستحقا طاعتهم ، وأن تسقط
شفاعته ذنوب المذنبين منهم . هذه هي المعاني
التي يريد ابن هانئ أن يزرعها في عقول
المتلقين ونفوسهم ، والتي من أجلها وظف ثقافته
القرآنية . هذه المعاني يقولها البيت ولا
تقولها ألفاظه ، يقولها تلميحا لا تصريحا !
ومن الغلو المؤسس على ثقافة قرآنية
قوله يمدح المعز(
):
ولقد أتيت الأرض من أطرافها ووطِئْتَها
بالعزم وهي ذلـول
فالتركيب الشعري : ( ولقد أتيت الأرض من
أطرافها ) يستدعي قوله تعالى : ﴿ أو لم يروا
أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾(
). وهذه الظلال
القرآنية ، التي يتفيأ بها الخطاب الشعري ،
يهدف الشاعر من ورائها إلى تسويق تعاليم
الشيعة بوساطة الفن ، وإلى إيهام الناس بأن
المعز مؤيد من الله .
ومن غلوه المتأثر بثقافته القرآنية
قوله في صفة المعز(
):
من صفو ماء الوحي وهو مُجاجـةٌ من
حوضه الينبـوع وهو شفـاء(
)
من أيكـة الفردوس حيث تفتقــت
ثمراتهـا وتفيــأ الأفيــــاء
من شعلة القبس التي عرضت علـى موسى وقد
حـارت به الظلمـاء
فالبيت الثالث من الاقتباس الآنف قائم على
توظيف قصة موسى عليه السلام ، وهو يستحضر
حوارا دار بين موسى وقومه ؛ أعني قوله تعالى
على لسان موسى : ﴿ .. إني آنست نارا لعلي
آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ﴾(
). والشاعر حين
يدخل مع القرآن الكريم في علاقة تناصية من هذا
القبيل إنما يدفع المتلقي دفعا خفيا إلى
استخلاص الناتج الدلالي المستهدف . والمتلقي
الذي يكتشف أن المعز ( من شعلة القبس التي
عرضت على موسى ) يراد له أن يقتنع لا بما
يتمتع به الخليفة من مدد رباني فحسب ، بل بكون
طاعته أحد الفروض الواجبة ، وبكون عصيانه من
الضلال والخسران . إنه نوع من التحريض الفني
على الانصياع التام لكل ما يدعو إليه المعز ،
ولكل ما يأمر به وينهى عنه .
ومن غلوه المتأثر بالقصص القرآني قوله
يمدح جعفرا(
):
ولما تجلى جعفر صَعِقَت له وأقبل منها
طور سيناء ينهدُّ
فالشاعر يريد أن يضفي على جعفر بأسا ومهابة ،
فاستعان بقصة موسى عليه السلام ، وتخير دوالَّ
مثل ( تجلى ، وصعق ، وطور ) كما تخير العلم
المكاني ( سيناء ) ، وكلها دوال ذات عبق
قرآني ، وهي تدفع المتلقي إلى استحضار قوله
تعالى : ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دَكَّا ،
وخر موسى صَعِقا ﴾(
). إن فعل
التجلي المسند إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ في
الآية الكريمة ، غدا مسندا إلى ( جعفر ) في
الخطاب الشعري . وإذا كان الجبل ـ في الآية ـ
غدا دَكَّا من أثر تجلي الحق تبارك وتعالى ،
فإن طور سيناء ينهد ـ في الخطاب الشعري ـ من
أثر تجلي جعفر . إن إعادة توزيع الدوال
القرآنية ، داخل خطاب الشاعر ، إنما استهدفت
إضفاء صفات قدسية ترفع الممدوح درجات فوق موسى
عليه السلام ، لتدخله في منطقة التأليه ،
والممدوح لا ينكر ، بل يصمت ويكافئ ؛ لأن في
هذا الغلو ما يرضي غروره ، وما يظهره بمظهر
العظمة والجلال .
ومن مبالغاته المتأثرة بالقسم القرآني
قوله يمتدح يحيى بن علي(
):
فلا تسألاني عن زماني الذي خلا فو العصر
إني قبل يحيى لفي خسر
فالشطر الثاني من البيت السابق يستدعي قوله
تعالى: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾(
). والشاعر
بهذا القسم يضفي على خطابه الشعري مسحة من
قداسة ، ويعزز قدرته على إقناع المتلقي بأن
يحيى مثال للأمير الجواد ، وبأن الاتصال به
يغير بؤس الحياة نعيما ، ويبدل الخسر فوزا .
ومن مبالغاته المتأثرة بالقصص القرآني
قوله يمدح المعز(
):
لو تلمسون الصخر لانبجست به وتفجـرت
وتدفقـت أنهــار
وإذ تتجادل علاقات الحضور والغياب يستدعي
النص الشعري الحاضر نصا قرآنيا غائبا ؛ أعني
قوله تعالى :﴿ وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه
قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا
عشرة عينا ﴾(
). وقد عدل
الشاعر عن الفعل ( اضرب ) في الخطاب القرآني ،
إلى الفعل ( تلمسون ) في خطابه ، وعدل عن (
الحجر ) في الخطاب القرآني ، إلى ما هو أقسى
من الحجر ( الصخر ) في خطابه . كان موسى يضرب
حجرا ، وكان على المعز أن يلمس صخرا ، وفرق
كبير بين ضرب الحجر ولمس الصخر . وفرق كبير
أيضا بين اثنتي عشرة عينا انبجست ، من الحجر ،
في الخطاب القرآني ، وبين أنهار متأهبة للتدفق
، لو لمس المعز الصخر ، في الخطاب الشعري . إن
المتلقي المتمرس بقراءة الشعر يكتشف بسهولة
انحياز الشاعر إلى ممدوحه ، ورغبته في أن يسبغ
عليه صفات تجعله أرفع من موسى عليه السلام !
ومما قام من غلوه على الامتصاص
الصياغي للخطاب القرآني قوله في صفة المعز(
):
أما العيان فلا عيان يحـده لكن رواؤك في
الضمير ممثل
فالشاعر يمتص في صدر بيته الصياغة القرآنية
لقوله تعالى:﴿ لا تدركه الأبصار ﴾(
)، قاصدا بذلك
إضفاء صفات قدسية على المعز ، ومدَّعيا أن
الأبصار لا تدركه وإن كان حسنه ماثلا في
الضمائر .
ومهما يكن من أمر فإن توظيف الألفاظ
والتراكيب والقصص القرآني استهدف ـ في الغالب
الأعم ـ إنتاج دلالات مغايرة للدلالات
القرآنية ، ولعل تقديس المعز، وحث الناس على
الإيمان بإمامته والتسليم بخلافته ، يعد من
أهم النواتج الدلالية المستهدفة من عملية
التوظيف .
تقويم
عند التقويم الموضوعي لا يمكن فصل
مبالغات ابن هانئ ، بما فيها من غلو مستفز ،
عن البيئة التي نشأ فيها ، والعصر الذي ينتمي
إليه ، وظروف طرده من إشبيلية ، والثقافة
التي تثقف بها . لقد نشأ شاعرنا في الأندلس ،
وفتح عينيه على شعر شعرائها بما فيه من
مبالغات ، ومعروف أن " المبالغة سمة من سمات
معاني الشعر الأندلسي ، وهي خاصية بارزة في
قصائد المديح والشعر الديني ... ولا يخفى هنا
أثر التشيع في شيوع هذه الظاهرة ... مصحوبة
بالغلو أحيانا "(
).
وتاريخيا ينتمي ابن هانئ إلى عصر كانت
المبالغة معلما من أبرز معالم الشعر الذي
أنتجه شعراؤه ، وفي كثرة مبالغات أبي الطيب
خير شاهد على كثرة المبالغات في ذلك العصر .
وبحكم انتماء شاعرنا إلى عصره لم يكن بوسعه
التغريد خارج السرب ؛ أعني أنه لم يكن يستطيع
الخروج عن ذوق معاصريه وما كان يعجبهم من
الإغراب في التعبير والأفكار(
). فلو لم تلق
مبالغاته قبولا من الممدوحين وإجازة عليها ،
ولو لم تجد تسويغا من النقاد ، ما كان له أن
يدمنها .
بل إن بعضا من مبالغاته ، في وصف فضائل
الممدوحين ، يعد امتدادا لمبالغات أسلافه ممن
حفظ أشعارهم . كما أن بعض مبالغاته المصطبغة
بالصبغة الشيعية يعد أثرا من ثقافته الشيعية
ومحفوظه الشعري عامة ، ومحفوظه من شعر الشعراء
الشيعة خاصة .
والظروف التي واجهها ، وبخاصة بعد هروبه
من المغرب ، جعلته مسكونا بالقلق ، باحثا عن
الأمان ، فلما وجد عند ممدوحيه ، من المغاربة
، تقديرا لم يجده عند مواطنيه في إشبيلية ،
كان من الطبيعي أن يبالغ ـ والشعراء من أرهف
الناس حسا ـ في التعبير عن شكره لهم ، وفي
الثناء على حميد خلالهم .
وإذن فليست مبالغاته جنينا شيطانيا ،
وإنما هي من أصلاب بيئته وعصره وثقافته وظروفه
الخاصة .
وقد حاول ما استطاع أن يجعل مبالغاته
ممتعة ومقنعة ، واستعان على ذلك بالعديد من
الفنون البلاغية : تراه يلوذ بأسلوب القصر حين
يصف بأس المعز ؛ وذلك حتى يحمل المتلقي على
الإذعان للخليفة بالطاعة(
):
ألا إنما الأقدار طوع بنانه فحاربه تحرب
أو فسالمه تسلمِ
وتراه يلوذ بالاستفهام المجازي تجميلا
لمبالغاته ، وتحريكا لعقل المتلقي وإشراكه في
إنتاج الدلالة وتحريضه بشكل فني على التمتع
بما في خلافة المعز من نعيم(
):
أأدعو إلهى بالسعادة عندكم وأنتم دراري
السعود التي تسري
أأبغي لديه طالبا ما كُفِيتُـه وأسأله
السقيا ودجلة لي تجـري
ويلوذ بأسلوب القسم تمكينا للمعنى في
عقل المتلقي ، كما يوظف حرف الامتناع ( لو )
لإطلاق جود المعز من كل القيود التي يمكن أن
تقيده(
):
تالله لو كانت الأنواء تشبهه ما مر بؤس
على الدنيا ولا قحط
ويوظف التشبيه المقلوب إمعانا في
المبالغة ، وإدهاشا للمتلقي ، فإذا كان
المألوف أن يشبه الشعراء غرة ممدوحيهم بالشمس
، فهو يخالف المألوف جاعلا لواء الشمس بغرة
جعفر أشبه(
):
كأن لواء الشمس غـرة جعفـر رأى القِرْن
فازدادت طلاقته بشرا
ويجري على طريقة معاصره أبي الطيب في
الإكثار من المطابقة(
)، فيضع الصفة
الممدوحة بإزاء ما يناقضها ، عملا بالقول
المأثور : بضدها تتميز الأشياء ؛ فمن
ذلك قوله يمدح المعز(
):
وأرى الورى لغوا وأنت حقيقة ما يستوي
المعلوم والمجهـول
فهو يغلو في تمجيد المعز مدَّعيا أنه الحقيقة
الوحيدة في عالم من اللغو ، وهو يعزز هذا
المعنى بمطابقته ـ في الشطر الثاني ـ بين
المعلوم والمجهول ، مستعيرا طرفي المطابقة من
مصطلحات المناطقة ، مصدرا شطره الثاني بأداة
النفي ( ما ) بحيث بدا وكأنه يقرر حقيقة
منطقية لا يختلف على صحتها عاقلان .
ويوشي بالجناس مبالغاته تثبيتا لها في
الأذهان ، وتسهيلا لجريانها على الألسنة ؛
يظهر هذا في مثل قوله يمتدح المعز(
):
أنت الذي كانت تبشرنا به في كتبها الأحبار
والأخبار
فمن خلال المجانسة بين الأحبار والأخبار يتم
تقديم المعز ، إلى المتلقي ، بوصفه الخليفة
المصطفى من الله ، والذي بشرت به الكتب قبل
مولده ، كما يتم تثبيت هذا المعنى في الأذهان
وتسهيل تداوله بوساطة الإيقاعات المنبعثة من
طرفي الجناس .
وقد يسخر الفنون البديعية ليواري بها
معانيه الباهتة ، ومشاعره الفاترة نحو ممدوحه
، مما يحيل أبياته إلى ما يشبه المعارض الفنية
التي تزدحم جدرانها باللوحات ، نرى مثلا لذلك
مبالغاته التالية التي يصف فيها كرم جعفر بن
علي(
):
فإذا حللـت فكـل واد ممـرع وإذا ظعنت
فكل شعب ماحـل
وإذا بعـدت فكل شيء ناقـص وإذا قربـت فكل
شيء كامـل
خلق الإله الأرض وهي بلاقـع ومكان ما
تطـأون منه آهـل
وبرا الملوك فجاد منهم جعفرٌ وبنو أبيه
، وكل حـي باخـل
لو لم تطيبوا لم يقـل عديدكـم وكذاك
أفراد النجـوم قلائـل
فلست تجد في أبياته السابقة بيتا يخلو من
مطابقة أو أكثر ؛ ففي البيت الأول يطابق بين
( حللت ـ ظعنت ) ، وبين ( ممرع ـ ماحل ) .
وفي ثاني أبياته يطابق بين ( بعدت ـ قربت ) ،
وبين ( ناقص ـ كامل ) . ويطابق في البيت
الثالث بين ( بلاقع ـ آهل ) . وفي البيت
الرابع يطابق بين ( جاد ـ باخل ) . وفي خامس
أبياته يطابق بين ( لم يَقِل ـ قلائل ) ، وبين
( عديدكم ـ أفراد ) .
وتجده يكرر أداة الشرط ( إذا ) ، وكلمة ( كل )
أربع مرات في مواقع متماثلة من شطري البيتين :
الأول والثاني . بل إنه يشيع في هذين البيتين
جوا من التوازي الذي يشنف الأذن ، ويجعل
التلقي بهيجا والمعنى الباهت مكسوا بثوب لغوي
وإيقاعي بهيج ؛ فهناك التوازي الكامل بين
جملتي الشرط ( فإذا حللت ـ وإذا ظعنت ) . كلتا
الجملتين مؤلفة من أداة الشرط ( إذا ) يليها
فعل ماض ثلاثي مسند إلى تاء الفاعل . وجملة
الجواب ( فكل واد ممرع ) ، في صدر البيت الأول
، تتوازى توازيا يكاد يكون كاملا مع جملة
الجواب ( فكل شعب ماحل ) في عجز البيت نفسه .
وفي البيت الثاني يبدو التوازي كاملا بين
شطريه : تتوازى جملة الشرط ( وإذا بعدت )، في
الصدر ، مع جملة الشرط ( وإذا قربت ) ، في
العجز. وتتوازى جملة الجواب ( فكل شيء ناقص )
، في الصدر ، مع جملة الجواب ( فكل شيء كامل
) ، في العجز . هنا نلاحظ أننا بإزاء شاعر لا
يرسل نفسه على سجيتها ، وإنما هو في تمام
يقظته العقلية ؛ بدليل أنه يؤثر لفظة جاهلية
النكهة مثل ( ظعنت ) على مثيلتها المألوفة (
رحلت ) التي تسد مسدها دلالة وعروضا ، ويضع ـ
في ( سيمترية ) لا تخطئها العين المدربة ـ كل
لفظة من ألفاظ بيته الثاني في موقع يتعمد
تخيره .
وكما يجد الباحث في مبالغاته الصورة
الطريفة ، يجد أيضا تراكيب تعبر في دقة
متناهية عما يريد العبارة عنه ، وفنونا بديعية
بعضها سائغ مقبول ، وبعضها مستهجن مرذول ؛ فمن
السائغ المقبول قوله يثني على كرم المعز(
):
لو لم يفض لك في البرية نائل كانت مفوفـة
الرياض محـولا
ومن المستهجن المرذول قوله يمدح المعز(
):
أخشاك تنسي الشمس مطلعها كما أنسى
الملائـكَ ذِكْرُكَ التسبيحـا
وما يعنيني تأكيده هنا هو أن الفنون
البلاغية ، التي تكتظ بها مبالغات ابن هانئ
المدروسة ، تنهض أدلة على عدم دقة ما ذهب إليه
أحد الباحثين المحدثين من أن الشعراء الشيعة
يخلو شعرهم المذهبي من كل تصوير فني وإبداع
جمالي ، فلا جناس ، ولا طباق ، ولا تشبيه
يوقفك لتتأمل جماله(
)!
وحقا حاول ابن هانئ أن يستعين بالقرائن
اللفظية لتقريب معانيه من دائرة الإمكان ؛
كما في قوله يمتدح جدارة يحيى بن علي بالفداء(
):
ولو أنني في مُلْحَدٍ ودعوتني لقامت
تُفَـدِّيك العظام الرمائم
فإن حرف الامتناع ( لو ) كبح جماح المبالغة
بحيث امتنع قيام العظام الرمائم لامتناع الشرط
: " الدعوة " .
ولكن محاولته لم تخفف غلو بعض مبالغاته ،
نجد مثلا لذلك قوله(
):
لو أبصرتك الروم يومئذ درت أن الإلـه
بـما تشـاء كفيـل
فإن في قوله : ( أن الإله بما تشاء كفيل ) من
الغلو ما لا تخففه القرينة اللفظية ( لو ) ؛
لأن دلالتها على الامتناع تنصب على رؤية الروم
للمعز وجهلهم بمناقبه ، وانتفاء رؤية الروم
للمعز وجهلهم بمناقبه لا ينفي ما يدعيه الشاعر
من أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ كفيل بمشيئة
ممدوحه !
وإذا كان غلو ابن هانئ ، في إضفاء
خوارق الصفات على المعز ، يعد أثرا من آثار
ثقافته الشيعية ، فإن في مدائحه من شواهد
الغلو ما يمكن تفسيره لا على أنه تزلف للممدوح
فحسب ، بل على أنه ـ أيضا ـ تناقض يثير الشك
في صحة تشيعه . إن الدارس ليعجز عن التوفيق
بين قوله يمدح آل البيت(
):
إن قيل من خير البرية لم يكـن إلاكـمُ
خـلق إليــه يشــار
وقوله يمدح أبا الفرج الشيباني(
):
لك المكارم مضروبا سرادقَهـا وبيت
شيبان مشدودَ الأواخـيِّ
ولم أَقِسْكَ بشيبانٍ وما جمعـتْ لكنما
أنت عندي كـل ربعـيِّ
لا بل ربيعة والأحلاف من مضرٍ بل أنـت
كـل تَهامي ونجـديِّ
بل شِسْعُ نَعْلِك عدنانٌ وما ولدت بل
أنت وحدك عندي كل إنسيِّ
ابن هانئ يعلم يقينا أن المعز وآل البيت
عدنانيون ، وهو حين يجعل ـ مهما كانت بواعثه ـ
شسع نعل ممدوحه مساويا عدنان وما ولدت ، فإنه
يتناقض تماما مع ادعائه التشيع وأن تشيعه كان
مبعث نقمة أهل إشبيلية عليه ، ويتناقض لا مع
ما أسبغه على المعز من مناقب فحسب ، بل مع
قوله في بني المنصوروالقائم والمهدي كلهم(
):
يا بني المنصور والقائم إنْ عُدَّ
والمهديِّ مهديِّ الرشـاد
لا أرى بيت مديح شـارد في سواكم غير
كفر وارتداد
ومما تناقض فيه ابن هانئ أنه يغلو مقسما
بالبيت العتيق على أن إبراهيم بن جعفر علة
الدنيا وسبب الخلق(
):
أقسمت بالبيت العتيق وما حوت بطحاؤه من
حجره وحجونـه
مـا ذاك إلا كونـك ناشئــا سبب لهذا
الخلق في تكوينـه
ثم يغلو ممتدحا المعز بكونه علة الدنيا ، حيث
يقول(
):
هو علة الدنيا ومن خُلِقَت له ولعلّـَة
مـا كانـت الأشيـاءُ
إننا أمام ممدوحين لا ندري من منهما يصدق عليه
الوصف بأنه علة الدنيا ، وسبب تكوين الخلق ! ؟
و لا ندري من منهما الجدير بالإمامة ما دام
الإمام ـ عند الشيعة ـ علة الدنيا ، وسببا في
تكوين الخلق !؟ ولا مجال للقول ـ هنا ـ بأن
ابن هانئ كان ينقصه الذكاء أو الثقافة الشيعية
حتى ينعت ، بهذا الوصف المذهبي ، اثنين من
ممدوحيه . ولا مجال للقول بأنه يرضي غرور
ممدوحيه بمثل هذا الوصف ؛ فإن إرضاء غرور
الممدوحين ، بالمبالغات المتشابهة أو المكررة
، إن يكن مقبولا في المدح بالفضائل النفسية ،
فليس مقبولا في المدح بالمعاني المذهبية التي
لا ينازع الإمام فيها أحد ، والتي يُفْتَرَض
أن ينهض شعر ابن هانئ بمسئولية ترويجها بين
الناس ، وتمكينها في أذهانهم .
إن التناقض في المبالغات السابقة ـ
وغيرها مما لم أذكره ـ يظهر ابن هانئ لا بمظهر
الشاعر الذي يصدر عن ولاء مذهبي ، بل بمظهر
الشاعر الذي يتظاهر بالتشيع ، ويستهين بذاكرة
ممدوحيه ومتلقي شعره ! وإلى شيء مما سبق أشار
أبو العلاء المعري ( ت نحو 449 هـ ) بقوله :
" وفي الناس من يتظاهر بالمذهب ولا يعتقده ،
يتوصل به إلى الدنيا الفانية وهي أغدر من
الورهاء الزانية ، وكان منهم في المغرب رجل
يعرف بابن هانئ ، وكان من شعرائهم المجيدين "(
).
ومما يؤخذ على ابن هانئ أنه وصف بانقطاع
النظير أربعة ممدوحين : المعز ، ويحيى بن علي
، وجعفر بن علي ، وأفلح الناشب ، ومثل هذه
المبالغات المتكررة لا تطيح بالفروق الدقيقة
بين الممدوحين فحسب ، بل تنهض أدلة على تزلف
الشاعر إلى ممدوحيه ، واستهانته بذواكرهم ،
وعدم فطنته إلى أن تكرار الوصف بانقطاع النظير
إثبات للنظير . ويبدو أنه كان عارفا بنفسية
ممدوحيه ، مدركا أن المهم عندهم هو مبالغته في
مدحهم بما يحبون ، حتى ولو تكررت معانيه
تكرارا يقوضها من أساسها ، وإلا فما معنى ألا
يكتشف ممدوح منهم أن الشاعر يصفه بما سبق أن
وصف به غيره ! ؟
سيقول قائل إن أبا نواس نعت الأمين بانقطاع
النظير ، وذلك حيث يقول(
):
ألا يا خير من رأت العيون نظيرك لا يحس
ولا يكون
كما نعت ، بانقطاع النظير ، الفضل بن الربيع ـ
وزير الأمين ـ وذلك حيث يقول(
) :
يا فضل جاوزت المدى فجللت عن شبه النظير
أنت المعظَّـم والمكــبَّـر في العيون وفي
الصدور
ولكن هذا القول مردود بأن الأمين لم يكن خليفة
شيعيا ، ولا كان النواسي شاعرا شيعيا ، ومن ثم
فإذا كان تكرار الوصف بانقطاع النظير مقبولا
من أبي نواس ، فليس بمقبول من شاعر كابن هانئ
كان يدَّعي التشيع ، وكان يدَّعي أنه يصدر في
مدحه المعز عن علم بما يقول لا عن تقليد
للآخرين(
) :
وكان منقذ نفسي من عمايتها فقلت فيه
بعلـم لا بتقليــد
ويؤخذ عليه أيضا أنه يكرر بعض المبالغات
بلفظها ومعناها داخل المدحة الواحدة ؛ ففي
إحدى مدائحه يبالغ في وصف كرم جعفر بن علي ،
حيث يقول(
):
آليت أصدر عن بحارك بعدما قست البحار بها
فكـنَّ سرابـا
ثم يقول ـ بعد ذلك ـ في المدحة نفسها(
):
ليس التعجب من بحارك إنني قست البحار بها
فكـنَّ سرابـا
إن تكرار قوله : (قست البحار بها فكـنَّ
سرابـا ) في قصيدة واحدة يدل على أنه لم يصبر
على نخل مدائحه وتخليصها من المبالغات التي
توحي بأنه يتوكأ على رواسم محفورة في ذاكرته ،
وبأن حرصه على إرضاء الممدوح يفوق حرصه على
تخليص المدحة مما يشينها .
ومما يؤخذ عليه أيضا أن الحشو تسرب
إلى بعض مبالغاته ؛ كما في قوله يمدح المعز(
):
شرفت بك الآفاق وانقسمت بك الـ أرزاق
والآجـال والأعمــار
فالمعنى الشعري ، في بيته السابق ، ينتهي
بكلمة ( الآجال ) ، أما كلمة الأعمار فهي عبء
على المعنى ؛ لأن الآجال تغني عن ذكرها ،
وإنما قسرها على النزول بمكانها وفاء بحق
العروض والقافية ، ولو كان يصدر عن طبع موات
لما اضطر إليها .
وكما تسرب الحشو إلى بعض مبالغاته تسرب
الغريب إليها أيضا ؛ يظهر هذا في
مثل قوله يمدح المعز(
):
يؤيده المقدار بالغَ أمرِهِ ويُمدح
بالسبع المثاني ويُمدخ(
)
فكلمة ( يمدخ ) من الغريب الذي يليق بشاعر نشأ
في البادية لا في بيئة زاهية كالأندلس ،
ولكن ابن هانئ يريد أن يبالغ في إظهار ما
يتلقاه المعز من مدد رباني ، وأن يحيط هذا
المعنى بكثافة إيقاعية تساعد على تمكينه في
الأذهان وجريانه على الألسنة ، فاضطر إلى
المجانسة بين يمدح و يمدخ .
ويبقى أن أشير إلى أن بعض الدارسين
يحمل ما جاء في مدائح ابن هانئ من غلو على أنه
ضرب من الكفر(
)، وأعدل ما
يقال في هذا هو قول القاضي الجرجاني ( ت نحو
366 هـ ) : " إن الدين بمعزل عن الشعر "(
)؛ لأن عمل
الناقد الأدبي شيء ، وعمل الفقيه شيء آخر ،
وليس من وظائف الناقد أن يفتش في عقائد
الأدباء ، كما أن انزلاقه إلى تكفير الأدباء
كفيل بأن يصرفه عن ذوق النصوص وتحليلها .
وحقا يغلو ابن هانئ حتى يكاد يؤله
المعز ، وحقا يتجرأ على الأنبياء والملائكة ،
ولكن من الحق أيضا أنه يبدو ، في بعض الأبيات
، عزوفا عن الهوى ، مترفعا عما نهى الله عنه ؛
كقوله(
):
إني لآنف أن يميل بي الهوى أو أن يراني
الله حيث نهاني
ومن المستبعد أن يضم المعز إلى بلاطه شاعرا
كافرا ، وهو الذي يقود دولة إسلامية ، ويقدم
نفسه بوصفه وارث النبوة .
خاتمة ونتائج
الآن وقد شارفت الدراسة على نهايتها ، أستطيع
أن أوجز فيما يلي أهم النتائج التي توصلت
إليها :
1ـ تخلص الدراسة إلى أن ابن هانئ يجري على نهج
أوائله في أكثر المبالغات التي تصف الفضائل
النفسية للممدوحين ، ويميز المعز بمبالغات وإن
كانت قليلة فإنها تظهره جوادا لا يقف جوده عند
حد .
2ـ وتثبت الدراسة أن أكثر غلو ابن هانئ جاء في
معزياته ، حيث أضفى على المعز صفات خوارق ،
ووصفه بما يوصف به الله سبحانه وتعالى ، غير
أن كون الشيعة الإسماعيلية من النفاة
والباطنية يفسر عدم تحرج المادح من هذه الصفة
، كما يفسر صمت الممدوح .
3ـ وتكشف الدراسة عما تثيره بعض المبالغات
المتناقضة من شكوك لا في صحة تشيع ابن هانئ
فحسب ، بل في صدق البواعث التي تقف وراء بعض
مدائحه .
4ـ كما تكشف الدراسة ، من خلال مبالغاته
المتكررة ، عن ضياع الفروق الدقيقة بين بعض
ممدوحيه ؛ فهناك أكثر من ممدوح يجري القضاء
بمشيئته ، أو يدق عن الفهم ، أو يتصف بالكمال
، أو لا نظير له !
5ـ وتظهر الدراسة أن ابن هانئ يوشي معانيه
المذهبية بالعديد من الفنون البلاغية ؛ ليحقق
بها إقناعا وإمتاعا ، لكن الصبغة المنطقية
وسمت بعض مبالغاته ، وأظهرته متكلفا ، فاتر
المشاعر ، عاجزا عن إرسال نفسه على سجيتها ،
يقنع بمبالغاته بعض العقول ، لكنه لا يهز بها
أكثر القلوب .
6ـ وسجلت الدراسة بعض المآخذ التي تشين بعض
مبالغاته ؛ كتكرار المبالغة بلفظها ومعناها في
القصيدة الواحدة ، والحشو ، وإيثار الغريب على
المألوف الذي يسد مسده دلالة وعروضا ،
والاستعانة بالمهجور تعزيزا للناتج الدلالي
والإيقاعي . وأرجعت الدراسة هذه المآخذ إلى
عزوف الشاعر عن غربلة مدائحه ، واستهانته
بذاكرة المتلقي ، ومعرفته بأن بعض ممدوحيه
يهتمون بأن يبالغ في مدحهم أكثر مما يهتمون
بما إذا كان نعت آخرين بمثل ما نُعِتُوا به .
7ـ ونأت الدراسة عن مجاراة المستدلين بغلو ابن
هانئ على كفره ، وألحت على أن تكفير الأدباء
ليس من وظائف النقاد ، واستبعدت أن يضم المعز
ـ وهو يؤسس خلافة إسلامية ـ إلى بلاطه ،
شاعرا كافرا ، كما قدمت من شعر ابن هانئ ما
يشير إلى ترفعه عن أن يراه الله حيث نهاه .
تمت الدراسة ، وبالله التوفيق
المصادر والمراجع
1 ـ ابن الأبَّار ( ت نحو 658 هـ ) :
التكملة لكتاب الصلة ، تحقيق : كوديرا ، ط :
المكتبة العربية الأسبانية ، مدريد ، 1986 م
.
2 ـ ابن الأثير ( ت نحو 637 هـ ) :
كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب ،
تحقيق : د. النبوي عبد الواحد شعلان ، ط :
الأولى ، الزهراء للإعلام العربي ، القاهرة ،
1415 هـ ـ 1994 م .
3 ـ ابن أبي الإصبع ( ت نحو 654 هـ ) :
تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان
إعجاز القرآن ، تحقيق : د. حفني شرف ، ط :
الأولى ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ،
القاهرة ، 1383 هـ .
4 ـ ابن خلكان ( ت نحو 681 هـ ) :
وفيات الأعيان ، تحقيق : د. إحسان عباس ، ط :
دار صادر ، بيروت ، 1397 هـ ـ 1977 م .
5 ـ ابن طباطبا ( ت نحو 322 هـ ) :
عيار الشعر ، تحقيق : عباس عبد الساتر ، ط :
الأولى ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1402 هـ
ـ 1982 م .
6 ـ ابن قتيبة ( ت نحو 276 هـ ) :
تأويل مشكل القرآن ، تحقيق : السيد أحمد صقر ،
ط : الثانية ، دار التراث ، القاهرة ، 1393 هـ
ـ 1973 م .
7 ـ ابن مالك ( ت نحو 686 هـ ) :
المصباح في المعاني والبيان والبديع ، تحقيق :
د. حسني عبد الجليل ، ط : الأولى ، مكتبة
الآداب ، القاهرة ، 1409 هـ ـ 1989 م .
8 ـ ابن منظور ( ت نحو 711 هـ ) :
لسان العرب ، ط : دار صادر ، بيروت ، د ـ ت .
9 ـ ابن هانئ الأندلسي ( ت نحو 362 هـ ) :
الديوان ، ط : دار صادر ، بيروت ، 1414 هـ ـ
1994 م .
10 ـ أبو العلاء المعري ( ت نحو 449 هـ ) :
رسالة الغفران ، تحقيق : د. عائشة عبد الرحمن
، ط : دار المعارف ، القاهرة ، 1972 م .
11 ـ أبو تمام ( ت نحو 229 هـ ) :
الديوان ( شرح الصولي ) ، تحقيق : د. خلف رشيد
نعمان ، ط : دار الطليعة للطباعة والنشر ،
بيروت ، 1978 م .
12 ـ أبو فراس ( ت نحو 357 هـ ) :
الديوان ، شرح : د. يوسف شكري فرحات ، ط : دار
الجيل ، بيروت ، د ـ ت .
13 ـ أبو نواس ( ت نحو 199 هـ ) :
الديوان ، تحقيق : د. بهجت عبد الغفور الحديثي
، ط : دار الرسالة للطباعة ، بغداد ، 1980 م .
14 ـ أبو هلال العسكري ( ت نحو 395 هـ ) :
كتاب الصناعتين : الكتابة والشعر ، تحقيق : د.
مفيد قميحة ، ط : دار الكتب العلمية ، بيروت ،
1404 هـ ـ 1984 م .
15 ـ أحمد أمين :
ظهر الإسلام ، ط : الخامسة ، دار الكتاب
العربي ، بيروت ، 1388 هـ .
16 ـ أحمد مطلوب ( الدكتور ) :
معجم المصلحات البلاغية وتطورها ، ط : الثانية
، لبنان ناشرون ، بيروت ، 1996 م .
17 ـ أحمد هيكل ( الدكتور ) :
الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة ، ط
: الثانية عشرة ، دار المعارف ، القاهرة ،
1997 م .
18 ـ الأصفهاني ( ت نحو 356 هـ ) :
الأغاني ، ط : الأولى ، دار إحياء التراث
العربي ، بيروت ، 1415 هـ ـ 1994 م .
19 ـ الزركلي ( ت نحو 1396 هـ ) :
الأعلام ، ط : السابعة ، دار العلم للملايين ،
بيروت ، 1986 م .
20 ـ الزمخشري ( ت نحو 538 هـ ) :
أساس البلاغة ، ط : دار صادر ، دار بيروت
للطباعة والنشر، بيروت ، 1385 هـ ـ 1965 م .
21 ـ الشهرستاني ( ت نحو 548 هـ ) :
الملل والنحل ، تحقيق : محمد سيد كيلاني ، ط :
عيسى البابي الحلبي ، القاهرة ، 1387 هـ ـ
1967 م .
22 ـ الفرزدق ( ت نحو 110 هـ ) :
الديوان ، شرح : إيليا الحاوي ، ط : الثانية ،
الشركة العالمية للكتاب ، بيروت ، 1995 م .
23 ـ القاضي الجرجاني ( ت نحو 366 هـ ) :
الوساطة بين المتنبي وخصومه ، تحقيق : محمد
أبو الفضل إبراهيم ، علي محمد البجاوي ، ط :
عيسى البابي الحلبي ، القاهرة ، د ـ ت .
24 ـ القزويني ( ت نحو 793 هـ ) :
التلخيص في علوم البلاغة ، شرح :عبد الرحمن
البرقوقي ، ط : الثانية ، دار الفكر العربي ،
د ـ ت .
25 ـ المتنبي ( ت نحو 354 هـ ) :
الديوان ، شرح عبد الرحمن البرقوقي ، ط : دار
الكتاب العربي ، بيروت ، 1407 هـ ـ 1986 م .
وشرح اليازجي ، ط : دار صادر ، دار بيروت ،
بيروت ، 1384 هـ ـ 1964 م .
26 ـ النابغة الذبياني ( ت نحو 17 ق . هـ ) :
الديوان ، تحقيق :محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط
:الثانية ، دار المعارف ، القاهرة 1985 م .
27 ـ امرؤ القيس ( ت نحو 80 ق . هـ ) :
الديوان ( شرح النحاس ) ، تحقيق : د. عمر
الفجاوي ، ط : مطبعة السفير ، عمَّان ، 2002 م
.
28 ـ بالنثيا :
تاريخ الفكر الأندلسي ، ترجمة : د. حسين مؤنس
، ط : مكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة ، د ـ
ت .
29 ـ بطرس البستاني :
محيط المحيط ، ط : مكتبة لبنان ، بيروت ، 1977
م .
30 ـ حسان بن ثابت ( ت نحو 60 هـ ) :
الديوان ، تحقيق: د. سيد حنفي ، ط: دار
المعارف ، القاهرة ،1983 م .
31 ـ رمضان بشير التليسي ( الدكتور ) :
الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي خلال
القرن الرابع الهجري ، ط : الأولى ، دار
المدار الإسلامي ، بيروت ، مايو 2003 م .
32 ـ زهير بن أبي سلمى ( ت نحو 13 ق . هـ ) :
الديوان ( شرح ثعلب ) ، تحقيق : د. فخر الدين
قباوة ، ط : الأولى ، دار الآفاق ، بيروت ،
1402 هـ ـ 1982 م .
33 ـ شوقي ضيف ( الدكتور ) :
الفن ومذاهبه في الشعر العربي ، ط : الثانية
عشرة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1993 م .
34 ـ صريع الغواني ( ت نحو 208 هـ ) :
الديوان ، تحقيق : د. سامي الدهان ، ط : دار
المعارف ، القاهرة ، 1958 م .
35 ـ طه حسين ( الدكتور ) :
مع المتنبي ، ط : الثالثة عشرة ، دار المعارف
، القاهرة ، 1986 م .
36 ـ عبد القاهر الجرجاني ( ت نحو 471 هـ ) :
أسرار البلاغة ، تحقيق : هـ . ريتر ، ط :
الثالثة ، دار المسيرة ، بيروت ، 1403 هـ ـ
1983 م .
37 ـ عبد المنعم الحفني ( الدكتور ) :
المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ، ط : الثالثة
، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 1420 هـ ـ 2000 م
.
38 ـ عثمان موافي ( الدكتور ) :
التيارات الأجنبية في الشعر العربي ، ط : دار
المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1991 م .
39 ـ علي بن الجهم ( ت نحو 249 هـ ) :
الديوان ، تحقيق : خليل بك مردم ، ط : دار
الآفاق الجديدة ، بيروت ، د ـ ت .
40 ـ عمر فروخ ( الدكتور ) :
تاريخ الأدب العربي ، ط : الأولى ، دار العلم
للملايين ، بيروت ، مارس 1981 م .
41ـ محمد اليعلاوي :
ابن هانئ المغربي الأندلسي ، ط : دار الغرب
الإسلامي ، بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
42 ـ محمد رضا المظفر :
عقائد الإمامية ، ط : دار النعمان ، النجف ،
1973 م .
43 ـ محمد عمارة ( الدكتور ) :
تيارات الفكر الإسلامي ، ط : الأولى ، دار
المستقبل العربي ، القاهرة ، 1983 م .
44 ـ محمد غنيمي هلال ( الدكتور ) :
النقد الأدبي الحديث ، ط : دار نهضة مصر ،
القاهرة ، د ـ ت .
45 ـ محمد مجيد السعيد ( الدكتور ) :
الشعر في عهد المرابطين والموحدين بالأندلس ،
ط : دار الرشيد ، بغداد ، 1980 م .
46 ـ منير ناجي ( الدكتور ) :
ابن هانئ الأندلسي : درس ونقد ، ط : الأولى ،
دار النشر للجامعيين ، دمشق ، فبراير 1962 م .
47 ـ نبيل خليل أبو حلتم ( الدكتور ) :
الفرق الإسلامية فكرا وشعرا ، ط : الأولى ،
دار الثقافة ، بيروت ، 1410 هـ ـ 1990 م .
|