3

بغداد بين مأساتين وقصيدتين

د. نبيل عبد الرحمن المحيش(*)

بغداد حاضرة الدنيا وعاصمة الخلفاء العباسيين :

 

قال محمد بن سلام : سمعت أبا الوليد يقول : قال لي شعبة : أدخلت بغداد ؟ قلت : لا ، قال : فكأنك لم تَرَ الدنيا .

وسأل الإمام الشافعي صاحبه يونس : (( يا يونس : أدخلتَ بغداد ؟ قال : لا ، قال : يا يونس : ما رأيت الدنيا ، ولا رأيت الناس )) .

وقال بعضهم : (( الأرض كلها باديةٌ ، وبغداد حاضرتها )) .

ونقل ياقوت الحموي في معجم البلدان, قال :

((  من عجيب ذلك ما ذكره أبو سهل بن نوبخت , قال : أمرني (( المنصور )) لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع , ففعلت , فإذا الطالع في الشمس , وهي في القوس , فخبرته بما تدل النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها , ثم قلت : وأخبرك خطة أخرى أسُرُّك بها يا أمير المؤمنين . قـال : وما هي ؟ قلت : نجد في أدلة النجوم أنـه لا يموت بها خليفة أبداً حَتْفَ أنفه . قال : فتبسم , وقال : الحمد لله على ذلك , هذا من فضل ربي , يؤتيه من يشاء , والله ذو الفضل العظيم ))(1).

وكان من أعجب العجب أن (( المنصور )) مات وهو حاجّ , و (( المهدي )) مات بماسَبَذان , و (( الهادي )) مات بـ (( عيساباذ )) و (( الرشيد )) مات بـ (( طُوس )) , و (( الأمين )) قُتل بالجانب الشرقي , و (( المأمون )) مات بالبذندون قرب طرطوس , والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر وباقي الخلفاء ماتوا بسامراء , ثم انتقل الخلفاء إلى (( التاج )) من شرقي بغداد ( يريد الرصافة )(2).

 

وقال عنها الخطيب البغدادي :

(( من مناقبها التي أفردها الله بها دون سائر الدنيا شرقاً وغرباً , الأخلاقُ الكريمة , والسجايا المرضيّة , والمياه العَذْبة الغَدِقة, والفواكه الكثيرة الدَّمِثة , والأحوال الجميلة , والحذِق في كل صفة , والجمع لكل حاجة , والأمن من ظهور البدع , والاغتباط بكثرة العلماء والمتعلمين , والفقهاء والمتفقهين , ورؤساء المتكلمين , وسادة الحساب والنحو , ومُجيدي الشعراء , ورواة الأخبار والأنساب وفنون الآداب , وحضور كل طُرْفة , واجتماع ثمار الأزمنة في زمن واحد , لا يوجد ذلك في بلدٍ من مدن الدنيا إلا بها , ولاسيما زمن الخريف . ثم إن ضاق مسكن بساكن وجد خيراً منه , وإن لاح له مكان أحب إليه من مكانه , لم يتعذر عليه النقلة إليه , من أي جانب من جانبيه أراده , ومن أي طرف من أطرافه خفَّ عليه . ومتى هرب أحد من خصمه وجد من يستُرُه في قرب أو بُعدٍ , وإن آثر أن يستبدل داراً بدارٍ , أو سِكَّة بسكة , أو شارعاً بشارع , أو زُقاقاً بزقاق , فغير ذلك من التبديل اتسع له الإمكان في ذلك (( على )) حسب الحالة والوقت . ثم عيون التجار المجهزين , والسلاطين المعظمين , وأهل البيوتات المبجلين , في ناحية , تنبعث الخيرات لهم إلى الذين هم في الحال دونهم , غير منقطع ذلك ولا مفقود , فهي من خزائن الله العظام التي لا يقف على حقيقتها إلا هو وحده , ثم هي مع ذلك منصورة محبورة , كلما ظنَّ عدوُّ الإسلامِ أنه فائز باستئصال أهلها , كَبَتَه الله وكَبَّهُ لمنخريه , واستؤصلت قدرته بما ليس في تقدير الخلق أجمعين , فضلاً من الله ونعمة , والله ذو الفضل العظيم ))(3).

وقال عنها جمال الدين الألوسي :

(( وبغداد حينذاك عروس الدنيا , وعاصمة أكبر إمبراطورية فيها , ومستودع أضخم بيت للمال , وقبلة للطامحين إلى الثراء السهل والبذخ والترف , فقصدها النوابغ والعباقرة والصناع والحذاق من سائر تلك الشعوب التي ورثت مدنّيات فارس والهند والصين والفراعنة والفينيقيين , حتى اليونان والرومان , واختلطوا في شعبها الأصيل , وانصهروا شيئاً فشيئاً في بوتقة اجتماعية واحدة , فكوَّنوا كتلة شعبية ذات لون خاص , وغلب عليهم طابع الأكثرية العربي , وسادت فيهم لغة الحاكمين العرب , ودخل معظمهم في الإسلام ))(4).   

وقال علي التنوخي :

(( أخبرني أبي , قال أبو القاسم ابن الحسن الديلمي , قال : (( سافرت في الآفاق , ودخلت البلدان من حد سمرقند إلى القيروان , ومن سرنديب إلى بلد الروم , فما وجدت بلداً أفضل ولا أطيب من بغداد ))(5).

نكبة بغداد الأولى على يد هولاكو :

تعرضت بغداد لنكباتٍ كثيرة , وغزواتٍ عديدة , ولكن نكبتها العظمى كانت على يد السَّفاح المغولي هولاكو قائد جيش التتار الذي استباح المدينة سنة 656 هـ بعد أن حاصرها خمسين يوماً , وبعد استسلام المدينة له استبيحت بغداد من قبل التتار حيث انطلقوا يقتلون الناس , وينهبون الأموال والدور , ويخربون ويسبون الحرائر , وأحرقت الجوامع والمكتبات , وأُلقيت كتب العلم والمعرفة في نهر دجلة حتى قيل إن ماء النهر أصبح أسود من مداد الكتب , وهدمت المدارس والقصور وقُتل الخليفة العباسي المستعصم رفساً , وقد ساعدهم وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي(6) .

قال صاحب النجوم الزاهرة : (( وانقضت الخلافة من بغداد وزالت أيامهم من تلك البلاد , وخربت بغداد الخراب العظيم , وأُحرقت كتب العلم التي كانت بها من سائر العلوم والفنون التي ما كانت في الدنيا , قيل أنهم بنوا  بها جسراً من الطين والماء عوضاً عن الآجر , وقيل غير ذلك . وكانت كسرة الخليفة يوم عاشوراء من سنة ست وخمسين وستمائة المذكورة , ونزل هولاكو بظاهر بغداد في عاشر المحرم , وبقي السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يوماً ))(7).

رثـاء بغـداد :

أحدث سقوط بغداد في يد التتار صدمةً كبيرة للمسلمين الذين كانوا يرون في بغداد رمزاً للخلافة الإسلامية رغم ضعف الخلفاء العباسيين المتأخرين , وكانت نكبة لم يُصَب الإسلام بمثلها , وأخذ كثير من الشعراء في رثاء بغداد دار السلام ومدينة العلماء والأدباء والخلفاء .

ومن الشعراء الذين رثوا بغداد تقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر التنوخي , وسوف نتوقف أمام قصيدته التي مطلعها :

لسائل الدمع عن بغداد أخبار

 

 

 

فما وقوفك والأحباب قد ساروا

 

يا زائرين إلى الزوراء لا تفـدوا

 

 

 

فما بذاك الحمى والـدار ديـار

 

تاج الخلافة والربع التي شرُفت

 

 

 

به المعالـم قـد عفّـاه أقفـار

 

أضحى لعطف البلى في ربعه أثر

 

 

 

وللدموع علـى الآثـار آثـار

 

تسفي السوافي عليه بعد ساكنه

 

 

 

نجلُ الخلايف من يُخشى ويُختار(8)

 

       

يتحدث الشاعر عن بغداد بعد خرابها على يد التتار حتى أصبحت كالأطلال بعدما قتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال . قال ابن كثير : (( وقد اختلف الناس في كمية من قُتل ببغداد من المسلمين في هذه الواقعة , فقيل ثمانمائة ألف , وقيل ألف وثمانمائة ألف , وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نسمة ))(9).

ويتحسر الشاعر على ما آلت إليه بغداد وما قاساه أهلها من محن :

يا نار قلبي من نار لحرب وغى

 

 

 

شُبّت عليه , ووافى الربع إعصار

 

علا الصليب على أعلى منابرها

 

 

 

وقام بالأمر من يحويـه زنـار

 

       

وسوف نتوقف قليلاً أمام قول الشاعر : علا الصليب على أعلى منابرها ....

فكيف نفسر علو الصليب والمعروف أن المغول ليسوا نصارى , ولكننا نجد إشارات في كتب التاريخ حول علاقات بين المغول والنصارى , ومن ذلك ما يروى في الأخبار أن زوجة هولاكو كانت نصرانية وأن الديانة النصرانية كانت منتشرة بين المغول(10).

ومما يؤكد هذه العلاقة أن النصارى في بغداد لم يتعرضوا لأي أذى بل كانت بيوتهم ملاذاً آمناً لبعض المسلمين , يقول صاحب (( الحوادث الجامعة )) عن دخول جند هولاكو :

(( ووضع السيف في أهل بغداد يوم الاثنين خامس صفر , وما زالوا في قتل ونهب وتعذيب للناس بأنواع العذاب , فلم يبقَ بين أهل بغداد ومن التجأ إليهم من أهل السواد إلا القليل . كذلك نجت بعض بيوت , منها بيوت النصارى , وبيوت بعض التجار الذين تعرفوا على أمراء المغول في أثناء غزوهم , ودار ابن العلقمي , ودار صاحب الديوان ابن الدامغاني . وما عدا هذا , فإنه لم يسلم فيها أحد إلا من كان في الآبار والقنوات , وأحرق معظم البلد , وجامع الخليفة , وما يجاورها , واستولى الخراب على البلد ))(11)

ثم قال الشاعر :

وكم حريم سبته الترك غاصبة

 

 

 

وكان من دون ذاك الستر أستار

 

وكم بدور على البدريّة انخسفت

 

 

 

ولم يعد لبـدور منـه إبـدار

 

وكم ذخائر أضحت وهي شائعة

 

 

 

من النهاب وقد حازته كفـار

 

وكم حدود أقيمت من سيوفهم

 

 

 

على الرقاب وحُطّت فيه أوزار

 

       

يذكر الشاعر ألوان العذاب الـتي حلت ببغداد , وهي : سبي النساء المستورات , وقتل العلماء , ونهب الأموال من الناس , وقتل الناس . ولا يملك الشاعر نفسه , وقد تراءت له مواكب المسلمات سبايا بين أيدي الكفار إلا أن يصرخ مستنكراً :

ناديتُ والسبي مهتوك يجرَّهـم

 

 

 

إلى السِّفاح من الأعداء دُعّار

 

وهم يساقون للموت الذي شهدوا

 

 

 

النار يا رب (من هذا) ولا العار

 

       

فالوقوع في النار أهون من هذا الهوان الذي يتعرضن له في الأسر , ثم يتأمل الشاعر في أسباب هذا البلاء الذي نزل ببغداد , حيث يرى أن الترف الذي غرق فيه أهلها والابتعاد عن تأدية حقوق الخالق هو السبب :

والله يعلم أن القوم أغفلهـم

 

 

 

ما كان من نعم فيهن إكثار

 

فأهملوا جانـب إذ غفلـوا

 

 

 

فجاءهم من جنود الكفر جبار

 

يا للرجال لأحداث تحدثنـا

 

 

 

بما غدا فيه أعـذار وإنـذار

 

       

وتبلغ قمة المأساة عند الشـاعر حين يتحدث عن أسر بني العباس , وسبي آل النبي وأهل العلم , وحينئذ يفقد الشاعر الأمل في الحياة والرغبة في البقاء بعد ذهابهم :

من بعد أسر بني العباس كلهم

 

 

 

فلا أنار لوجه الصبح إسفـار

 

ما راق لي قط شيء بَعْدَ بَيْنهم

 

 

 

إلاَّ أحاديث أرويهـا وأسمـار

 

       

 


 

 

لم يبق للدين والدنيا وقد ذهبوا

 

 

 

شوق لمجد وقد بانوا وقد باروا

 

إن القيامة في بغداد قد وجدت

 

 

 

وحدها حين للإقبـال إدبـار

 

آل النبي وأهل العلم قد سبيوا

 

 

 

فمن ترى بعدهم تحويه أمصار

 

ما كنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا

 

 

 

لكن أتى دون ما أختار أقدار(12)

 

       

          ويشير أحد الدارسين : (( إلى أن مما يلفت النظر في هذه القصيدة , خلوها من الاستنجاد وطلب النصرة , أو الدعوة إلى الجهاد , وربما كان ما قاله ابن الأثير , قبل سقوط بغداد بسنوات , في وصف حال المسلمين , منطبقاً على حالهم عند سقوطها . فبعد أن وصف تكالب الفرنجة الصليبيين , والمغول عليهم , بين أن الذي سلم من المسلمين من أذى هذين العدوين , فالسيف بينهم مسلول , والفتنة قائمة على ساق , فإنا لله وإنا إليه راجعون , فإن الناصر والمعين والذاب عن الإسلام معدوم . ويبدو أن الشاعر كان على وعي بهذه الحقيقة , فلم يكلف نفسه عناء إطلاق صرخة استنجاد , أو طلب عون ))(13).

 

مأساة بغداد الحديثة :

 

وقد مرت على بغداد مآسٍ كثيرة , وتعرضت للاحتلال من جانب كثير من المعتدين عبر العصور والقرون التي جاءت بعد تدمير المغول لها , مروراً باحتلال الدولة الصفوية لها , ثم الاحتلال الإنجليزي , إلى أن جاءت جيوش الغزو الأمريكي الإنجليزي سنة 2003 م حيث تمكنت جيوش التحالف من دخول بغداد في 9 إبريل 2003 م وقامت بإسقاط الدولة العراقية , وأسر رئيسها السابق صدام حسين , وتكررت المأساة مرة ثانية حيث قتل مئات الآلاف من العراقيين , ونهبت ثروات العراق , وأُحرق المتحف الوطني العراقي بعد ما نهبت كنوزه الأثرية التي لا تقدر بثمن , وأُحرقت المكتبة الوطنية العراقية في بغداد التي تضم كنوز العلم والأدب والثقافة .


 

وقام مئات الشعراء من مختلف البلاد العربية بالحديث عن احتلال العراق ومأساة بغداد الحديثة , وسنتوقف أمام قصيدة (( بغداد )) لفاروق شوشة والتي يقول في مطلعها :

كيف الرقاد ؟ وأنتِ الخوفُ والخطرُ

وليل بغداد ليل ما له قمر

ها أنت في الأسْر : جلاّد ومطرقةٌ

تهوي عليك , وذئب بات ينتظرُ

وذابحوكِ كثير , كلُّهم ظمأٌ

إلى دماكِ , كأنْ قد مسَّهم سَعَرُ

أين المفرُ وهولاكو الجديد أتي

يهيئون له أرضاً فينتشرُ

أنّى التفتِّ فثَمّ الموت , تعزفه

كفّان , بينهما التاريخُ ينشطرُ(14)

وهو مطلع يبدأ بالاستفهام المثير للمجموع , فكيف ننام ونحن نواجه الخطر الأكبر الذي يهدد وجودنا بعد أن وقعت بغداد في ذل الأسر ووقع أهلها تحت سلطة الجلادين , والذئاب التي تنتظر الفريسة لتجهز عليها .

ونتوقف قليلاً أمام استدعاء الرمز التاريخي والقائد المغولي (( هولاكو )) وتشبيه الرئيس الأمريكي (( جورج دبليو بوش )) بهولاكو الجديد الذي في عهده وتحت قيادته قامت جيوش التحالف بغزو العراق وتكرر فيه ما حدث في عصر المغول من قتل ونهب وتدمير .

وإلى هذه المقارنة يقول أحد الباحثين :

(( ما حدث في 1258 م يكاد يكون شبيهاً بما حدث في 2003 م فلولا دعم أمراء المسلمين لهولاكو ما سقطت بغداد , ولولا دعم دول عربية وإسلامية لبوش ما سقطت بغداد في 2003 م , ولولا الخونة في بلاط الخليفة وعلى رأسهم وزيره ابن العلقمي لبقيت الخلافة , ولولا الخونة في صفوف النظام العراقي لطالت المعركة على الأقل ولم تسقط بغداد وتسلم دون قتال بثمن بخس , وبشكل مريع , وكما كانت القصور والمكتبات والنفائس هدفاً لهولاكو وجنوده فنهبوها ثم دمروها وحرقوها فقد كانت كذلك لبوش وجنوده فقد دخلوا القصور أولاً فأخذوا ما فيها من نفائس وتذكارات كما أشارت كثير من التقارير ثم تركوا بعضها نهباً للغوغاء وهي تراث شعب وثروات أمة وليست ملكاً لصدام ونظامه , ثم أتلفت كل ثروة العراق التاريخية والثقافية فأحرق المتحف الوطني العراقي بعدما نهب , وكذلك المكتبة الوطنية التي تضم الوثائق , ومكتبة الأوقاف التي تضم نفائس المخطوطات وعشرات من مراكز العلم والثقافة والتاريخ في البلاد , أما الثروات وعلى رأسها النفط فقد فرضت الحراسة على وزارة النفط ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها .

إن تخريب بغداد وتراثها وثقافتها وقصورها ومتاحفها ومكتباتها كان مقصوداً عام 1258 م وكان مقصوداً كذلك في عام 2003 م , ومن عاد لكتب التاريخ لن يجد فارقاً بين ما فعله هولاكو وما فعله بوش سوى الفارق في وسائل الحرب ومدتها , لكن الصورة تكاد تكون متطابقة في كثير من الشواهد والمعطيات , والمقصود في الحالتين هو تدمير هوية العراق أرض الرسالات ومهد الحضارات ومفتاح المنطقة ))(15).

وكثيراً ما يستحضر فاروق شوشة المكان بشخوصه وذكرياته القديمة والجديدة :

فتحْتَ هذه الحضارةِ المهشمة

يرقد في شوارع الرشيد والمنصور

أو أبي نواس

جميع من قرأتُ من نجومها

ومن رجالها الأقمار

ومبدعي ديوانها المملوء بالفتوح والأفراح والجراحِ

والخراب والفنون والجنون والثوراتِ

والثــوار

وليلها المزهوّ في سماء عنفوانها

كأنه نهــار

وهـا أنـا

أسيرُ بين (( الكرْخ )) و (( الرصافة ))

أبحث عن عيون هاته المها

وكيف طاب لابن الجهم موسم الغرامِ

والأشعــار

وحينما تمتدُّ ساعةُ التسيار

أعودُ من مسيرة الأشواقِ والإبحار

مستلقياً على ضفاف دجلة

والسمك المسجوف يُشعل الحنين والتذكار(16)

 

وهنا نلحظ أن الشاعر يمزج بين المكان ممثلاً في أحياء الكرخ والرصافة ونهر دجلة وبين الشخوص التي عاشت فيه مثل الرشيد والمنصور وأبي نواس وعلي الجهم , ويستحضر الشاعر المكان والشخوص في موضع آخر من القصيدة حين يذكر السياب وقريته (( جيكور )) :

(( جيكور )) ما تزال و (( السياب ))

يبحث في الشناشيل التي تهدمت

عن ابنة الحلم

وعن جبينها الوضاء

ما زال عند النهر واقفاً يصيح :

كيف ارتْضيتِ أن تكوني للطغاةِ

سيرةً , ومُتّكـا

وأن يُعشّشَ الخرابُ فيكِ سيداً مُملّكاً

ويصبح الزمان داجيَ الرؤى

مُحلوْلكا ؟(17)

 

ويعود الشاعر على جيكور ونخيلها التي غنى لها السياب في شعره ويراها الشاعر رمزاً لشموخ العراق :

وأين ظـلٌّ ؟

كان في جيكور ظلٌّ باذخٌ وماء

وكان نخلٌ شامخٌ ,

فيه شموخُ العراق

وكان صوتٌ هاتفٌ يفترش الآفاقْ

ويُنشدُ الصغار من قصيدة (( السياب )) :

(( يا مطراً يا حلبي

عبِّرْ بنات الجلبي

يا مطراً يا شاشا

عبِّر بنات الباشا

يا مطراً من ذهبِ ))

الموت في جيكور, في جنين , في الأقصى ,

وفي بيسـان

وموكب الدمار يسحق النخيل والزيتون

ويُخرسُ الأطفال في عرائش الكروم

ويُطفئُ النجوم

ويملأ الحلوقَ , بالرمالِ(18)

 

وفي هذا المقطع نلمح إشارة واضحة من الشاعر لمسلسل الموت الذي يجري ما بين العراق وفلسطين وموكب الدمار الذي يسحق نخيل العراق وزيتون فلسطين . ويوجه الشاعر عتابه إلى بغداد الجريحة فيقول :

كيف ارتضْيتِ خُنوعاً لا مثيل له

والروح في قبضة الطاغوت تُعْتصرُ

كم نافقوكِ , وكم صاغوا ملاحمهم

والحلمُ يُطوى , وظِلُّ المجد ينحسرُ

داست سنابك جلاّديك فوقهمو

فالناس صنْفان : مقتولٌ ومُنتحرُ

يا كمْ جنيْتِ ! وقد أَبقيْتنا بَدداً

في أمةٍ ساد فيها الذلُّ والخَورُ

ماذا ترومين ؟ جَلادٌ وعاصفةٌ

ونحن بالصمت والخذلانِ نعتذرُ !(19)

 

الصمت والخذلان هاتان الكلمتان هما أصدق وصف من الشاعر على موقف العرب والمسلمين المتفرج على ما يحدث في العراق من مآسٍ ودمار . ويختم الشاعر قصيدته بتساؤلات كبيرة عن المستقبل وما يخبّؤه لبغداد :

والسُّؤال !

بغـدادُ

يا بغـدادُ

يا بغـدادْ

يا روعة الحلم الذي ... هل يُسْتعاد ؟

تُرى يصيح الديك فيكِ من جديد

ويصدحُ الناقوسُ والأذان

وتشرقُ الشمسُ على دروبكِ السّجينة ؟

وهل تُرى ينداح فيكِ من جديد

صوتُ أبي تمّام

مُبدّداً كآبة الأحزان

من قبل أن تضيع عمُّوريةُ المحاصرة

بين دفاتر الهوانْ ؟

هذا يهوذا قادمٌ في شمْلة المسيح

ولصّ بغداد الجديد طائشٌ غرير

يحلم بالمجد وبالفتوح

أم أنّ هولاكو يعود في زماننا الكسيح

مُراوغاً ـ كعهده ـ بالغَمْز والتلميح

تسبقهُ الأعلام والأوهام والبيارق

وخلفه الحشودُ , واللصوص , والصواعق

يظنُّــها ..

تسترُ وجْههُ القبيحْ !(20)

 

هذه التساؤلات التي يثيرها الشاعر هي تساؤلات العرب كلهم هل تشرق شمس الحرية والكرامة والسيادة وتعود كما كانت موئلاً للشعراء والعلماء رغم المؤامرة الكبيرة التي يشارك فيها اليهود مع المسيحيين المحافظين في الولايات المتحدة ؟ إن دلائل كثيرة تشير إلى هزيمة أمريكا في العراق وسقوط مشروعها الاستعماري في المنطقة وهذا يمهد لأمتنا ظهور غدٍ مشرق وبزوغ فجرٍ جديد .


 

الهوامش :

 

(*) أستاذ الأدب العربي المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الأحساء ـ المملكة العربية السعودية .

(1) معجم البلدان 1/458 .

(2) بغداد في الشعر العربي ص 18 .

(3) تاريخ بغداد 1/22 .

(4) بغداد في الشعر العربي ص 15 .

(5) بغداد في الشعر العربي ص 13 .

(6) التاريخ الإسلامي 6/355 .

(7) النجوم الزاهرة 7/41 .

(8) النجوم الزاهرة 7/51 .

(9) البداية والنهاية 13/202 .

(10) رثاء المدن والممالك الزائلة في الشعر العربي ص 96 .

(11) الحوادث الجامعة ص 329 .

(12) النجوم الزاهرة 7/52 .

(13) أصداء الغزو المغولي في الشعر العربي ص143- 144 .

(14) ديوان موال بغدادي ص 34 –  35 .

(15) قصة سقوط بغداد ص91 - 92 .

(16) موال بغدادي ص 37 .

(17) موال بغدادي ص 43 .

(18) موال بغدادي ص 46 .

(19) موال بغدادي ص 42 .

(20) موال بغدادي ص46 - 48 .

   


 

المصادر والمراجع :

 

(1)               أصداء الغزو المغولي في الشعر العربي ، مأمون فريز جرار ، ط 1 مكتبة الأقصى ، عمان ـ الأردن .

(2)               البداية والنهاية في التاريخ ، ابن كثير ، مطبعة السعادة ، مصر د.ت .

(3)               بغداد في الشعر العربي ، جمال الدين الألوسي ، المجمع العلمي العراقي ، 1987 م .

(4)               التاريخ الإسلامي ، محمود شاكر ، المكتب الإسلامي ، 1985 م .

(5)               تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي ، القاهرة ، 1349 هـ .

(6)               الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ، كمال الدين ابن الغوطي ، المكتبة العربية ، بغداد 1351 هـ .

(7)               رثاء المدن والممالك الزائلة في الشعر العربي ، د. عبد الرحمن حسين محمد ، ط 1 ، 1983 م .

(8)               قصة سقوط بغداد ، أحمد منصور ، الدار العربية للعلوم ودار ابن حزم ، ط 1 ، 2003 م .

(9)               معجم البلدان ، ياقوت الحموي ، دار بيروت دار صادر ، 1979 م .

(10)          موال بغدادي ، ديوان شعر ، فاروق شوشة ، الدار المصرية اللبنانية ط 1 ، 2007 م .

(11)          النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، جمال الدين ابن تعزي بردى ، دار الكتب ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي .

 

 

الصفحة الرئيسية