|
بنية الاستفهام في شعر بسّام دعيس (*)
الدكتور ربيع عبد العزيز
كلية التربية / جامعة الملك فيصل
بين يديّ تسع وعشرون قصيدة مخطوطة، من شعر
الشاعر الأردني، الفلسطيني الأصل: بسام دعيس، الذي
سمعته شاعراً ـ لأول مرة ـ في رحاب اثنينية آل النعيم
بواحة الأحساء، ثم رأت اللجنة الاستشارية للاثنينية أن
تكرمه بإعداد أوراق عمل ودراسات حول المتاح من قصائده،
وهو ما قام به عدد من رواد الاثنينية، منهم الدكتور
سليمان البوطي، والدكتور محمد إياد العكاري من سوريا،
والدكتور بسيم عبد العظيم، والدكتور شهير دكروري،
وصاحب هذا المقال، من مصر.
أما بنية الاستفهام، في شعر بسّام دعيس، فهي من
أكثر البنيات الأسلوبية حضوراً في القصائد المدروسة،
وهذا الحضور إنما يعكس ما يمور به وجدان الشاعر من أرق
وحيرة، وما يفعمه من توقٍ إلى اجتذاب المتلقي والزج به
في أتون التجربة، بحيث يصبح التلقي فعلاً إيجابياً
يضيف إلى النصوص مثلما يأخذ منها.
وليس بين القصائد التسع والعشرين المدروسة إلا
خمس قصائد خلت من بنية الاستفهام، هذه الخمس القصائد
هي: "غريب، قصور الوهم، أغلى الأسماء، ديواني، لحظة
عشق"، بل إن ثلاث قصائد اتخذت الاستفهام عنواناً لها،
وهي: "متى، ماذا جنيت، لأجل مَنْ ".
وتتنوع أساليب الاستفهام في قصائد الدراسة، لا من
حيث النوع فحسب، بل من حيث التواتر والتفرق، ومن حيث
التقرير والخروج إلى فضاءات دلالية مغايرة لما وُضِعَ
له الاستفهام اصطلاحاً؛ ففي قصيدة موكب الشهداء يزاوج
الشاعر بين الاستفهام بالهمزة مثبتة ومنفية،
والاستفهام بالأداة "هل" مزاوجة تستنفد إحساسه بالدهشة
إزاء أوضاع مقلوبة ، وتضفي ـ في الوقت نفسه ـ على
أسلوبه توتراً وحيوية، يقول عن الشهداء :
على الأعنـاق نحملهـم ونمضـي لندفنـهم ونحـن نئـن
كَبتـا
ثم يأخذ في تأريقنا بأسئلته فيقول :
أنبكيهـم وقـد بلغـوا خلــوداً وهـل نيـل الخلـود
يعـد موتـا
ألسـنا يا زمـان القهـر أولـى بنعـت الموت لو
أنصـفت نعتـا
أتحـت الأرض ندفنـهم ونبقـى فويـق الأرض مهزومين
موتـى
الشاعر يدفع بالاستفهام إلى فضاء العجب
والدهشة؛ العجب من بكاء الأحياء على الخالدين، الذين
شرفهم الله بنيل الشهادة دفاعاً عن الأرض والعرض!
والدهشة من العجز عن فهم الحياة والموت، فكم من
الأحياء هم بالموتى أشبه. هنا يجادل الشاعر الواقع،
ويبدو قادراً على تصحيح المعوج من القيم، داعياً إلى
أن نعيد النظر في الأشياء المسماة بغير أسمائها ؛ فإن
الذين يعيشون فويق الأرض مهزومين هم ـ وليس الشهداء ـ
الموتى، وهم الذين يستحقون البكاء عليهم والرثاء
لحالهم بعد أن هادنوا الهزائم، ولم ينالوا شرف الخلود
عند ربهم. الحياة عند بسام دعيس تعني أن يعيش الإنسان
شامخاً أبياً، لا خائراً منهزماً. الخائر المنهزم لا
يحمي أرضاً، ولا يصون عرضاً، ولا يستحق إلا أن نرثيه
كما نرثي موتانا. هذه الرؤية هي التي وجهت الشاعر إلى
اتخاذ الاستفهام أداة تعبير، دون أن يبحث عن أجوبة عما
أثاره من تساؤلات.
ويحرر الشاعر أداة الاستفهام " أين " من دلالتها
الوضعية، ويدفع بها إلى فضاء الإنكار التعجبي، هاجياً
من خلالها الواقع الذي يرفضه، مستحضراً أمجاد الماضي
كنوع من التعويض عن الأمجاد المنطفئة في الراهن، لعلنا
نستعيد الثقة بقدرتنا على أن نحقق بعض ما حققه الأجداد
من أمجاد أذهلت التاريخ، وهدت البرية. ما سبق يمكن
الاستدلال عليه بقول الشاعر في قصيدته يا شاعر الأمس:
أين الألى سطروا في الكـون ملحمة للمجـد أذهلـت
التاريخ والدولا
أين الألى عمروا بالدين صرح هدى يهدي البرايا
ويمحو الزور والخطلا
وفي قصيدة نداء القدس يرسل الشاعر أرتالاً من
التساؤلات المتتابعة، محاولاً من خلالها التعبير، لا
عن سخطه وحيرته فحسب، بل عن أمله في استعادة الكرامة
وتحرير القدس ، يقول :
يا من على القدس ساومتم بلا خجلٍ تباً لكم كيف عرض
القدس يقتسمُ
بأي حـق يبيـح الأرض صاحبـها لغاصب ما لـه عهـد
ولا ذمـم
أتمنح القـدس للحاخـام عصمتـها الله يأباه ..
والأخـلاق .. والشيم
يا رب ضاقت فهل نرجو لها فرجا من قبل أن يعبد
الطاغوت والصنم
زرع الكرامـة قـد جفـت منابته فهـل سترجع تسقي
زرعنا الديم
أرض الرباط تنـادي وهي نازفـة فهل يجيب نداء
القـدس معتصـم
إن ارتباط الشاعر بقضيته، ومكابدات الغربة، وأحلام
العودة، تقف وراء بنية الاستفهام، لا في قصائده
الوطنية فحسب، بل في قصائده العاطفية، حتى إنه يلوذ
بالاستفهام في مستهل قصيدته "بكائية البحر والخلجان"،
معبراً من خلاله عن جدب عواطفه إزاء المحبوبة، بعد أن
تبددت أيام العمر في دجى الحرمان :
ليلـي وبـدرك أيـن يلتـقيــانِ والعمر يغرق في
دجـى الحرمـانِ
واختيار الشاعر لأداة الاستفهام اختيار دقيق إلى
أبعد الحدود ؛ لأنه يكشف عن مرارة الإحساس بضياع
الوطن، الذي يمكن أن يكون مكاناً يلتقي فيه بمحبوبته.
وكأن الوطن هو الذي يمنح العواطف حياتها وخصوبتها، وفي
ضياعه ضياع للعواطف الخصبة القادرة على التفاعل
والتواصل. ولو كان الشاعر يريد أن يعبر عن شيخوخته
أمام المحبوبة لآثر التعبير بأداة الاستفهام كيف، دون
أن يصيب تفعيلات قصيدته بأي خلل عروضي. وفي قصيدة
"خيال" يستهل الشاعر حواره مع محبوبته، ومع المتلقي،
معبراً بالاستفهام عن يأسه من جدوى الحب مادام الوصول
إلى آماله محالاً، يقول:
سهلك الصعب ، والجـواب ســؤالُ فلـم البـدء
والوصـول محــا لُ
وبرغم أن أداة الاستفهام لم تغادر دلالتها
الوضعية ، فإن الشاعر زرعها في وسط لغوي يضاعف من
قدرتها على إمتاع المتلقي وإقناعه في آن واحد . ومادام
الوصول بالحب إلى نهايته الطبيعية أمراً مستحيلاً ،
فأولى بالمحب ألا يحترق بالعذاب حين يخوض تجربة
محكوماً عليها بالفشل مسبقاً .
إن الشاعر المنفي عن وطنه وأهله، اليائس من
الوصول بزورق الحب إلى مرفئهِ، يبدو وكأنه محاصر من
جميع الجهات؛ لذلك تقطر تساؤلاته مرارة، وتنضح حسرة.
وحين تحاصره المحن، وتساوره الهموم، يتغلب على محنه
وهمومه بالسؤال:
هـل كان حظـك إلا ما حظـيت بـه فا قنع به .. أو
فكن باليأس مرتهنا
الأرض ضاقت علينا ـ وهي واسعة ـ فألجـأتنـا لنرضى
قفرهـا سـكنا
وحتى إذا اتخذ القفر سكناً فإن هذا السكن يجهض
رغبته في إنشاد الشعر إلا إذا أنشد نفسه. هكذا ينتقل
الشاعر من تضحية إلى تضحية. ومرة أخرى تسعفه بنية
الاستفهام في التعبير عن معاناته وسط القفار، وفي بث
الأسى في نفوس قرائه:
لمـن ينشـد الشـعــر قائلـه وصـم القفــار
منازلــه .. ؟
وكيـف تعـيش الحـروف التـي على الرمـل خطـت
أناملـه . ؟
وكما استهل الشاعر بعض قصائده بأحد أساليب
الاستفهام، بغية وضع المتلقي في قلب التجربة وعمق
المعاناة، منذ مستهل القصيدة، اختتم بعض قصائده بأسلوب
الاستفهام الذي ينهي القصيدة على الورق، ويبقى عليها
حية في عقل القارئ أو المستمع، والذي أفرغ فيه إحساسه
بالوحدة، وافتقاده الصديق الودود، والصدر الحاني الذي
يدفئ صقيع حياته، فإن لم يجد ما يفتقده فإنه واجد في
الموت منقذاً. مشاعر مضمخة بالأرق، والقلق، والتشاؤم،
يبثها الشاعر في نفوس المتلقين عبر تساؤلات لا جواب
لها :
أيهـا الليـل أيـن منـي صديـق صـادق الـود في خضم
ابتلائـي
أيـن منـي صـدر علـيّ حنـون ويــدٌ ذاتُ نجــدةٍ
وإخـــاءِ
أم هو الموت منقـذي من ظروفـي حين يخبو نجم المنى
من فضـائي
بسّام دعيس شاعر صاحب قضية، ووجع السؤال لديه
وجع لضمائرنا جميعـاً. نقرأ أشعاره فلا نملك إلا أن
نشاطره الأسى، وإلا أن نحيي فيه رهافة حسـه اللغوي،
وقدرته على إثارة الأسئلة بأسلوب يمتع ويقنع في آن.
مساء الاثنين 23/3/1426هـ ـ 2/5/2005م
ــــــــــــــ
(*) شاعر مقيم في الأحساء ومشارك في أنشطة الاثنينية ،
له دواوين مطبوعة ومخطوطة، وصدر له مؤخراً ديوانه
الجديد المسمى: أخيراً بدأت.
الصفحة الرئيسية |