1

ثقافة الشاعر العربي القديم

 الدكتور ربيع بن عبدالعزيز

- الثقافة لغة :

إذا بحثنا عن الجذر اللغوى لكلمة ثقافة ، فسوف نجدها مشتقة من الفعل الماضى الثلاثى " ثقف " ، نقول : ثقف ، يثقف ، ثقفاً ، وثقافة . وإذا بالغنا فى وصف المثقف قلنا : هذا رجل ثَقِفُ " بكسر القاف " ، على غرار " فَطِن " ! وعلى هذا فالثَّقِفُ من الرجال هو ذلك الذى يبدى فى استيعاب دقائق مهنته براعة وحذقاً يشهد له بهما البصيرون بأسرار تلك المهنة ، المحيطون بخفاياها .

        وإذن فقد ارتبط مدلول الثقافة بمعنى الحذق فى تحصيل المعارف ، والمهارة فى اكتساب الخيرات ، والتبريز فى إتقان المهن على اختلاف أنواعها. أصداء هذا الارتباط تلوح فى مثل قول الزمخشرى : " ...... وثقفت العلم أو الصناعة فى أوحى مدة ، إذا أسرعت أخذه " ([1]) . وجاء فى المعجم الوسيط : " ثقف ثقفاً : صار حاذقاً فطناً " ([2]) .

        ومتى ارتبط مفهوم الثقافة بمعنى الإتقان والحذق ، فلابد - بداهة - أن يرتبط بمعانى التهذيب والتقويم والنخل ! فإن إتقاناً أو حذقاً لن يتحقق ، ما لم يسبقه تهذيب ونخل وتقويم ، أو ما لم يكن المثقف مدرباً على ممارسة التهذيب والنخل والتقويم ، حتى يصل بصنعته إلى درجة الإتقان . وبهذا المعنى عرفها قدامى العرب ، فكانوا يقولون : ثقف المقاتل قناته ؛ أى هذبها وسواها . بل إنهم أطلقوا على الأداة التى كانوا يثقفون بها القناة أو الرمح اسم الثقاف " بتشديد الثاء وكسرها " ! وكانت هذه الأداة تصنع عادة من الخشب أو الحديد ([3]) .

        وكما عرف القدامى الرمح المثقف ، والقناة المثقفة ، عرفوا أيضا  القصيدة المثقفة ، فكانوا يقولون : ثقف الشاعر قصيدته ؛ أى أعاد النظر فيها مرة تلو مرة ؛ فأقام منآدها ، وأصلح قوافيها ،وشذب المعوج منها .

        وشهر زهير بن أبى سلمى والحطيئة بأنهما من شعراء التثقيف والتحكيك ؛ وذلك لما عرف عنهما من دأب على مراجعة القصيدة وتهذيبها قبل إذاعتها بين الناس ، حتى لو استغرقت مراجعة القصيدة الواحدة حولا كريتا ؛ معنى هذا أن من شعرائنا القدامى من كان يمارس قدرا من الرقابة النقدية على قصائده ، بحيث لا يذيعها على الناس قبل أن يطمئن ذوقه على جودتها ، وقدرتها على التأثير فى الناس .

        لا أريد أن أسهب فى المفهوم اللغوى للثقافة ، وإنما أكتفى بما أسلفت . والآن ننظر إلى الَمفهوم الاصطلاحى .

2- الثقافة اصطلاحاً :

        يعرف المعجم الوسيط الثقافة بأنها " العلوم والمعارف والفنون التى يطلب الحذق فيها " ([4]) ، وهذا التعريف وإن بدا صحيحاً من بعض الجوانب ، فإنه لا يعد جامعاً مانعاً . أما الأنثربولوجى الإنجليزى " إدوارد تايلر " فقد عرف الثقافة تعريفاً علمياً دقيقاً إلى حد بعيد ؛ فالثقافة عنده مركب " يشتمل على المعرفة ، والعقائد ، والفنون ، والأخلاق ، والتقاليد، والقوانين ، وجميع المقومات ، والعادات الأخرى ، التى يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً فى المجتمع " ([5]) .

        هكذا يبدو مفهوم الثقافة من السعة بحيث يشمل كل نشاط إنسانى ، وبحيث يصح القول بأن هناك مثقفين بعدد الأنشطة المختلفة ، التى يمارسها الإنسان فى حياته .

        ليس بالضرورى - إذن- أن يكون المثقف متعلماً ؛ فالفلاح الذى يجيد زراعة الأرض ، ويتقن فلاحة البساتين هو بلا شك مثقف ثقافة زراعية ، حتى ولو كان بالقراءة والكتابة جاهلاً . إن لرحابة هذا المفهوم صلة وثقى " بالمعنى الأصلى الاشتقاقى لمرادف الثقافة " Culture " فى اللغات الأوربية ؛ إذ إنه يرجع إلى " Cultura" اللاتينية ؛ بمعنى فلاحة الأرض وإخصابها " ([6]) .

        يقودنا مفهوم الثقافة عند " تايلر " إلى القول بأن الثقافة إرث جماعى لا فردى ، وأن هذا الإرث تتبناه مجموعة من الناس تتخذ لنفسها مجموعة من المعارف ، والعادات ، والتقاليد ، والعقائد ، والفنون ، التى تنظم مسيرة حياتها ، وتوجه سلوك أفرادها ، ثم تنتقل إلى الأجيال المتعاقبة جيلاً من بعد جيل .

        وإذ تنتقل الظاهرة الثقافية عبر تعاقب الأجيال ، فإنها تخضع لكل

ما تخضع له الظاهرات الإنسانية ؛ تخضع لنواميس الحياة ، وتجرى عليها سنة التبديل والتغيير ؛ فتتطور ، وتنمو ، وتصيب ازدهاراً فى بعض جوانبها ، كما قد تهرم بعض عناصرها الأخرى ، فتتسرب إليها عوامل الوهن والشيخوخة ؛ بحيث تكون شيخوخة عنصر ثقافى قديم ، توطئة لظهور عنصر ثقافى وليد يسد مسد سابقه .

        ولن يتأتى لثقافة من الثقافات أن تعيش بمعزل عن الثقافات المجاورة ؛ ولا أن تحصن نفسها ضد المؤثرات الثقافية الوافدة إليها عن طريق مختلف الصلات التى تنشأ - عادة - بين أبناء الثقافات المتجاورة. وسوف يتضح هذا بجلاء عند حديثنا عن الألفاظ الأعجمية فى شعر أبى الطيب " ت نحو 354 هـ " .

        ولم تكن الثقافة العربية فى الجاهلية أو بعد ظهور الإسلام ، بمنجاة من التأثر بالثقافات الأخرى . ففى الجاهلية كانت العناصر الثقافية الدخيلة تفد ضمن وسائط عديدة كالرحلة " رحلة الشتاء والصيف مثلاً " ، أو الحروب ، أو تجارة الرقيق . لم تكن أم عنترة عربية وربما هجنت لغة ابنها . وكان العاص بن وائل السهمى تاجراً واسع الصلات ، حتى لقد كان له بالنجاشى فى الحبشة معرفة وثيقة . ولابد لمثل هذه الصلات أن يصحبها تقارض لغوى . وقد ترددت فى الشعر العربى الجاهلى والمخضرم أصداء ثقافات  أجنبية على نحو ما نرى فى مثل قول الأعشى " ت نحو 7 هـ " :

    ويجبى إليه السيلحون ودونهـــا       صريفون فى أنهارها والخورنق

    فذاك وما أنجى من الموت  ربــه              بساباط حتى مات وهو محزرق

        أما فى الإسلام فقد أسهمت الفتوحات فى ظهور عناصر ثقافية دخيلة على الثقافة العربية ، كما كان لحركة الترجمة التى راجت بعد تأسيس بيت الحكمة أثر لا يقل أهمية عن أثر الفتوحات فى تهجين الثقافة العربية وتزويدها بالأفكار والمعتقدات والألفاظ المأخوذة من ثقافات أخرى. أيضا أسهمت طبقة الموالى بدور بارز ، فى نقل عادات ، وتقاليد ، وأفكار، وألفاظ ، جديدة كل الجدة على البيئة العربية ، وبدا أثر التيارات الأجنبية فى الثقافة العربية واضحاً فى شعر شعراء أمثال بشار بن برد ، وأبى العتاهية ، وأبى نواس " ت 199 هـ " ، وابن الرومى ، وأبى الطيب " ت 354 هـ" ، وابن رشيق القيروانى " ت 456 هـ" ؛ وغيرهم ممن يطول إحصاؤهم . وظهور مثل هذه المؤثرات فى بعض القصائد إنما يعكس جانباً من ثقافة الشعراء الذين أبدعوها .

        ولا يضير الثقافة العربية فى شىء أن تتأثر بغيرها من الثقافات ؛ فإن الثقافة الحية تأخذ وتعطى ، تؤثر وتتأثر ، بل إن أصالة الثقافة فى أية أمة من الأمم ، وفى أى عصر من العصور ، إنما تقاس بمدى قدرتها على استيعاب العناصر الوافدة إليها وهضمها ، ثم الانتفاع بها . وإذا كان بول فاليرى يرى أنه ليس أدعى إلى ظهور أصالة الكاتب شاعراً كان أم ناثراً من تأثره بآراء الآخرين ، وأن الليث ليس سوى عدة خراف مهضومة . فبوسعنا القول بأنه ليس أدعى إلى ظهور أصالة الثقافة العربية من تأثرها بالثقافات الأخرى : فارسية كانت أو يونانية أو هندية ؛ لأن الأصالة لا تنفى التأثر والأخذ عن الآخرين. المهم دائما أن يهضم الآخذ المأخوذ ، وأن يذيبه فى لاوعيه الثقافى .

        وما ينطبق على أصالة الثقافة فى أية أمة من الأمم ينطبق بالمثل على أصالة الشاعر فى كل زمان ومكان ؛ فإن أصالة شاعر إنما ترتهن بمدى قدرته على هضم معارفه وإذابتها فى لاوعيه الثقافى .

        ما نخلص إليه هو أن القول بالنقاء الثقافى قول خادع مضلل ، كالقول بالنقاء العرقى تماماً . وما ينطبق على ثقافة الأمة ينطبق على ثقافة الشاعر بوصفه فرداً من أمته ، ومن ثم لن يضير المتنبى " ت 354 هـ" فى شىء أن يتأثر بغيره ، أو أن تصب فى شعره روافد ثقافية وافدة . إن شيئاً من ذلك لن يذهب - قط - بأصالته ، وإنما هو مظهر لأصالته الأدبية. وأياً كان الأمر فسوف يكون شعر المتنبى حقلا لاختبار هذه المقولات .

3- ثقافة أبى الطيب فى آثار الدارسين :

        ليس لباحث يتصدى لدراسة ثقافة أبى الطيب أن يقتصر على دراستها من خلال شعره فحسب ، وإنما لابد من الرجوع إلى المصادر الأدبية والنقدية والتاريخية التى اهتم مؤلفوها ، لا بالحديث عن حياة أبى الطيب وقدراته المعرفية فحسب ، بل بالحديث عن الحقل الثقافى الذى عاش فيه ، وعلى أرضه ترعرعت عبقريته ، فملأ الدنيا وشغل الناس ، وأثار بشعره حركة نقدية ثرية ، كان من ثمارها أن شايعه نفر من النقاد وحمل عليه آخرون .

        وإذ أعكف على دراسة ثقافة أبى الطيب فى آثار الدارسين ، فإن الدافع إلى ذلك هو عمق الإيمان بأن أصالة شاعرنا لم تكن قط نبتاً شيطانيا لا أصول له ، وإنما هى ثمرة عاملين تآزرا على تشكيلها : أول هذين العاملين هو شخصية المتنبى بما رُكِّبَ فيها من طموح وثاب ، ومن نزوع إلى ملء الدنيا وشغل الناس ، ومن قدرات معرفية غير عادية ، ومن استعداد فطرى للتفاعل مع ثقافة العصر على اختلاف ألوانها ، ومن قدرة لا تخطئها عين على هضم المعارف المكتسبة والثقافات المحصلة ، بحيث تصبح آية عبقرية ، ودليل أصالة يعترف بها المنصفون ممن عرفوا بحيادهم النقدى .

أما العامل الآخر فهو الحقل الثقافى المزدهر الذى كان له أكبر الأثر فى تغذية وإنضاج وصقل القدرات المعرفية التى أوتيها المتنبى، والتى ما كان لها أن تثمر فى حقل ثقافى قاحل .

نريد أن نقف على شهادات الدارسين من نقاد ومؤرخين وأصحاب تراجم فى شأن ثقافة أبى الطيب ودورها فى تحقيق أصالته واستقلاله بصوت شعرى متميز . نريد أن نعرف : هل تنوسيت تنظيرات النقدة عندما وضعوا شعر أبى الطيب على بساط الدرس النقدى ؟ وإذا كانت قد تنوسيت فهل كان للأهواء المريضة دخل فى ذلك ؟

        وفى ضوء ما سبق سوف ندرس ثقافة أبى الطيب فى آثار الدارسين من خلال محورين ، هما :

أولاً : الاستعداد المعرفى :

        تشير المصادر إلى أن أبا الطيب ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة للهجرة ([7]) ، وأنه كان يختلف إلى مكتب فيه أولاد أشراف الكوفة ، حيث تعلم فيه دروس العلوية شعراً ولغة وإعراباً ([8])، فكانت هذه الدروس أولى لبنات فى تكوينه الثقافى .

        وتجمع المصادر على أن أبا الطيب كان طلعة منذ صباه ، يشغف بالعلم ويكلف به أشد الكلف وأقواه ، ولا يبالى بما يتجشم من متاعب أو صعاب فى سبيل تثقيف نفسه . فإذا كان صاحبنا طلعة ، طموحاً، فليس عجباً أن نراه غير مكتف بما ألقى على سمعه من دروس فى مكتب الكوفة، وليس عجباً أن نراه ميمماً وجهه شطر البادية ؛ ليلقى فصحاءها ممن سلمت ألسنتهم من الضعف واللحن والركاكة ، وليتعلم منهم أسرار العربية، ويقف على غرائبها وشواردها ؛ فإن فى ذلك كله ما يعينه على إثبات ذاته ، وتأكيد تفوقه ، وبَدِّ معاصريه ، وإن فى ذلك لاستجابة لسنن التربية الأدبية التى أرساها أوائله من النقاد والعلماء والرواة والشعراء .

        ولم يكن غريبا أن نراه يعود من البادية " بدويا قحاً " ([9]) ؛ فإنه طامح إلى العلا ، مدرَك أن المعرفة الغزيرة هى سبيله الوكيد إلى أرفع المراتب ، راغب فى أن يباهى بما حصل من معارف وثقافات . وإذن فلم يكن غريبا أن تترك الرحلة إلى البادية أثر قويا فى لغته ، وأن يظل أثرها ملازما له " حتى بعد تجواله فى البلاد ، وتمازجه بالملوك ، والكبراء ، وأهل الحضر والترف " ([10]). إن ديمومة الأثر البدوى ليست مظهراً للهضم الثقافى المتعسر عند أبى الطيب ، بقدر ما هى دليل تأثر بالغ وإعجاب كبير بما حفظت ذاكرته من ألفاظ البداة وتراكيبهم، وهو إعجاب يتفق - من بعض الوجوه - مع منازعه العربية الغلاّبة  .

        وكما دفعه الشبق المعرفى إلى البادية ، دفعه - أيضا- إلى ملازمة الوراقين ، فكان يختلف إلى حوانيتهم ؛ ليطالع فيها دواوين الشعراء ، ومصنفات النقدة والبلغاء والمؤرخين والفلاسفة والمتصوفة . وقد ظهرت فى حوانيت الوراقة مقدرته الفائقة على الحفظ ، وإلى ذلك يشير يوسف البديعى " ت       " بقوله :

        " ... وأخبرنى وراق قال : ما رأيت أحفظ من ابن عيدان قط ، فقلت له : كيف ذلك ؟ فقال : كان اليوم عندى وقد أحضر رجل كتاباً نحو ثلاثين ورقة لبيعه ، فأخذ ابن عيدان ينظر فيه طويلا . فقال له الرجل : يا هذا ، أريد بيعه ، وقد قطعتنى عن ذلك ، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون - إن شاء الله - بعد شهر . قال : فقال له ابن عيدان : فإن كنت حفظته فى هذه المدة فما لى عليك ؟ قال : أهب لك الكتاب . قال : فأخذت الدفتر من يده ، فأقبل يتلوه حتى انتهى إلى آخره " ([11]).

        هذه شهادة البديعى على ما أوتيه المتنبى من حافظة قوية ، ولا غرو ؛ فقوة الحافظة تتفق مع الشبق المعرفى ، ومع الطموح الوثاب ، والسعى إلى التسلح بأسباب التفوق ، وهذه كلها خصال لا خلاف على وجودها فى شخصية شاعرنا .

        وإذ يستجيب المتنبى لسنة أسلافه ، ممن شددوا على أن حفظ الأشعار أول مبادئ التلمذة الشعرية الصحيحة ، يستثمر ما أوتيه من موهبة الحفظ ، فيعكف على حفظ ما يقع تحت بصره من أشعار ، وإن أنزل الطائيين منزلة خاصة ، إذ كان لا يقتصر على حفظ أشعارهما ، بل يدأب على استصحاب ديوانيهما معه فى سفره ، حتى إنه لما قتل وجد معه الديوانان بخطه ، وعلى حواشى الأوراق علامة كل بيت انتفع به ([12]) ، وانتفاعه بمعنى سبقه إليه أحد الطائيين شىء ، والسرقة شىء آخر . السرقة فى البديع المخترع الذى عليه بصمة صاحبه .

        وما كان لقدرات أبى الطيب - وقد أوتى هذا الشبق المعرفى- أن تقتصر على حفظ الكتب والأشعار ، وإنما كان من الطبعى أن يروى ما يحفظ ، وأن يبدى رأياً نقدياً فى هذا الذى يحفظه . وفى شهادة الخالديين ما يؤكد ذلك : " كان أبو الطيب المتنبى كثير الرواية ، جيد النقد "([13]). بل إن رأيه فى أبى تمام " ت         " والبحترى " ت          " ، وفى نفسه أيضاً ، إنما يشف عن وعى نقدى؛ قال وقد سئل عن نفسه وعن أبى تمام والبحترى : " أنا وأبو تمام حكيمان ، والشاعر البحترى " ([14]) . وهناك شهادات من النقاد والمؤرخين واللغويين ، تؤكد أن قدرات أبى الطيب المعرفية تميزت بالعمق والشمول والدقة ، يؤكد ذلك ما أورده البديعى فى الصبح المنبى ، من أن أبا الطيب سئل بغتة من أبى على الفارسى : كم لنا من الجموع على وزن فعلى ،فأجابه فى الحال : حِجْلَى ([15]) ، وظِرْبَى ([16])، فراجع أبو على كتب اللغة ثلاث ليال ، فلم يجد لهذين الجمعين اللذين ذكرهما المتنبى ثالثاً ([17]) . إن هذه القدرة الفائقة على التقاط المعلومات ، وتخزينها ، واسترجاعها فى دقة ملحوظة إنما هى مظهر للاستعداد المعرفى الذى كان عليه شاعرنا ، والذى لولاه ما كان له أن يملأ الدنيا ويشغل الناس بأمره ، وما كان له أن يثبت تفوقه على حساده وشانئيه ، وما كان لشعره أن يثير حركة نقدية ثرية لم تزل تغرى الدارسين فى راهن أيامنا بالعكوف على دراستها  .

        والذى نخلص إليه هو أن المتنبى كان مهيئاً بفضل ما حباه الله من استعداد معرفى فريد ، ومن شره ثقافى نادر ، ومن طموح وثاب . لكى يكون أحد فحول الشعراء ، بل أحد الرموز الثقافية البارزة فى عصره . ومن الحق أنه كان وفياً لوصايا نقاد العرب فى مسألة التأسيس الثقافى للشاعر ، بغض النظر عن إسراف بعض النقاد فى اتهامه بالسرقة ، وتغافلهم عما كان يشرطه الأصمعى " ت         " ، فى ثقافة الشاعر الطامح إلى مسامتة الفحول ، من ضرورة حفظ الأشعار وروايتها ، ومن ضرورة المعرفة العميقة باللغة والعروض والغريب والتاريخ والنجوم والكواكب وأسماء الجبال ! .


 

ثانياً - الحقل الثقافى :

        وثيقة تلك الوشائج الرابطة بين التفوق الثقافى الذى أحرزه أبو الطيب ، وبين الحقل الثقافى الذى عاش فيه ، والذى تميز بقدر كبير من الرقى العقلى والازدهار الحضارى ([18]) ؛ إذ كان العلماء قد ترجموا إلى العربية جانباً من علوم الفرس واليونان والهند وآدابهم ([19]) ، وأخذ تأثير هذه الترجمات يظهر فيما أنتج العرب من علوم أو آداب ([20])، وأقبل النابهون - ومنهم أبو الطيب - يتدارسون أفكار الفلاسفة والمتصوفة وأصحاب النحل والعقائد . هذا أمــر 

        والثانى أن معظم أمراء ذلك العصر كانوا يكلفون بالعلم ويشجعون عليه ، ويقربون إليهم العلماء والشعراء والفلاسفة ، ولا يضنون على أحد منهم بالعطايا والجوائز .

الأمر الثالث أن الوراقين فى عصر أبى الطيب لم يكونوا مجرد باعة كتب لا يعنيهم من أمر مهنتهم سوى الربح المادى العائد منها ، وإنما كانوا- فى الغالب الأعم - أدباء ذوى أذواق رهيفة ، وثقافة رفيعة ، يسعون إلى اللذة الوجدانية ، وإلى الاستنارة العقلية ، بمقدار سعيهم إلى الربح المادى ،ويكلفون بالقراءة والإطلاع ، ويحرصون على جذب العلماء والأدباء إلى حوانيتهم ، مثلما يسعون إلى تسويق المصنفات ؛ ولذلك كانت حوانيتهم بالمنتديات الأدبية فى راهن أيامنا أشكل ([21]).

        هذا الحقل الثقافى الثر صادف لدى المتنبى استعدادا معرفيا كبيرا وشرهاً ثقافياً لا نظير له ، وهيأ له أن ينهل من مصادر معرفية عديدة . ولم يجد المتنبى فرصة لاكتساب العلم إلا اغتنمها ؛ فقد اتصل بأبى الفضل الكوفى ؛ ليدرس على يديه شيئاً من الفلسفة ([22]) ، واتصل بالشيخ على الأوراجى ؛ ليدرس على يديه شيئا من التصوف ([23]) .

        كذلك كان للحقل الثقافى أكبر الأثر فى صلات أبى الطيب بغير واحد من أمراء عصره ، وهى صلات أسهمت فى تعميق ثقافته ، بل فى إثبات تفوقه الثقافى وجدارته بالاختلاف إلى بلاط الأمراء . ونحن نعرف أنه اتصل بالأمير سيف الدولة الحمدانى ، زهاء عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة للهجرة ([24])، وظل ملازما الأمير زهاء تسع سنوات ، التقى خلالها بأبى نصر الفارابى ، وطالع - من خلاله - جانباً مما ترجم إلى العربية من مؤلفات أرسطو " ولا سيما أننا نعرف صلة الفارابى بأرسطو ، ونعرف قدرة المتنبى على التقاط الأفكار وتمثيلها وظهورها فى شعره"([25]).

        وهيأ بلاط سيف الدولة لأبى الطيب أن يجالس ابن خالويه النحوى، وأبا الطيب اللغوى ، وأن يدخل فى مساجلات عديدة مع ابن خالويه بصفة خاصة ؛ وهى مساجلات برهنت على عمق ثقافة المتنبى ، ودلت على سعة معارفه وقوة حجته، بل لقد أخذ المتنبى فى إحدى مساجلاته يرد لابن خالويه خطأه ، ويسفه رأيه ، ويضعف حجته ، حتى أعجزه عن الرد، فما كان من ابن خالويه إلا أن ضربه بمفتاح من حديد كان فى يده ، وهنا صاح المتنبى : ويحك أيها الأعجمى . لم يبق إلا أنت تخوض فى   العربية ([26]).

        ولم تقتصر صلات المتنبى بأمراء عصره على سيف الدولة الحمدانى ، وإنما اتصل بغيره من الأمراء ، ففى زهاء عام ستة وأربعين وثلاثمائة للهجرة اتصل بأمير الرملة الحسين بن طغج ([27])، وفى العام نفسه رحل إلى مصر حيث اتصل بأميرها كافور الإخشيدى " ت            

هـ " ([28]) ، كمـا ارتحل إلى شيراز بدعوة من أميرها عضد الدولة البويهى ([29]) .

        ما يعنينا من تلك الصلات ، هو أنها كانت فرصة عملية امتحن المتنبى فيها ثقافته ، خلال مساجلاته ومحاوراته مع من كان البلاط يضمهم من أعيان العلماء والأدباء . .هذه ناحية . وأخرى هى أن سياحات أبى الطيب عززت نزوعه إلى التحصيل العلمى ؛ كى يتفوق على حساده ومنافسيه ، وكى يثبت جدارته بعطايا الأمراء .

        بل إن سياحاته أسهمت فى توسيع رقعة معارفه الجغرافية بدا ذلك واضحا فيما جاء بقصائده من أسماء الأماكن والجبال التى مر بها سواء فى غزوات سيف الدولة أو فى رحلاته إلى مصر وشيراز .

        وصفوه القول أنه من نمازج المحورين : الاستعداد المعرفى ، والحقل الثقافى تشكلت ثقافة المتنبى ، وآتت ثمرها لذيذاً طيباً ، وإنْ جعلت النقاد ينقسمون إزاءها إلى مدافع ومهاجم ، وتتباين مواقفهم نحوها بين راض عنها مقدر لخطرها فى تحقيق أصالة أبى الطيب ، وبين ساخط عليها ، واهم أنها أفقدت أبا الطيب أصالته ووصمته بالسرقة .

        بل لقد كان من أثر عمق ثقافته أن نقض الاعتقاد بأن الأول لم يترك للآخر شيئاً ، وأثبت فى الآن نفسه أن الشاعر المتأخر إذا أخلص لفنه، ودأب على تعميق ثقافته ، وثابر على إذابة محصوله المعرفى فى لاوعيه الثقافى وعلى هضم معارفه ، استطاع أن يكتب قصيدته بأسلوبه هو، لا بأسلوب مستعار من غيره .

4- ثقافة أبى الطيب من شعره :

        يعد شعر المتنبى مرآة حقيقية تنعكس على صفحتها أصداء ثقافته ؛ من ثم عكفنا على دراسته ؛ لاستخلاص الخطوط العريضة لثقافته ، والتعرف على معالمها وأبعادها وكيفية تعامله معها . ولتحقيق هذه الغاية يتعين أن ندرس خمسة محاور أساسية ، تشكل فى جملتها الأبعاد الحقيقية

لثقافته ، وهذه المحاور الخمسة هى :

أولاً - الثقافة اللغوية :

        تؤكد القراءة الفاحصة Glose Reading  لقصائد المتنبى أنه لم يكن واسع الإطلاع على لغة العرب وحسب ، بل كان يكلف بالغريب من ألفاظها وتراكيبها ، ويجد فى ذلك فرصة لا لإظهار تفوقه فحسب ، بل لإثارة الجدل من حوله ، وشغل العلماء بأمره ؛ فإن فى ذلك ما يرضى غروره .

        وقد تحقق له جانب كبير مما أراد ؛ إذ عكف النقاد والدارسون على معجمه : يفحصون ألفاظه ، ويميزون عربيها من أعجميها ، غريبها من أليفها ، حوشيها من دخيلها ، فصيحها من مبتذلها ، وكاد الإجماع ينعقد على أنه زاد فى غريبه على أقحاح المتقدمين ، وأنه لم يدع أسلوبا غير مألوف فى بيئة مثقفة إلا وتكلفه فى شعره ؛ ليدل على سعة ثقافته وتبحره فى لغة العرب ([30]).

أ - الغريب :

        يستطيع الدارس أن يستخلص من شعر المتنبى حشدا غير قليل من الألفاظ الغريبة ؛ التى تعكس جانبا من ثقافته اللغوية ، نحو لفظة " ابتشاكا "

فى بيته التالى : ([31])

        وَمَاْ أرْضَىِ لمُقْلِتِه بِحُلْــمٍ       إِذَاْ انْتَبَهَتْ تَوَهَّمَهُ ابْتِشاكـَا  

فلفظة " ابتشاك " من الألفاظ الغريبة التى صدمت أسماع العلماء ، قال الثعالبى : " الابتشاك : الكذب . ولم أسمع فيه شعرا قديما ولا محدثا سوى هذا البيت  ([32]) .

ومن أمثلة الغريب عند أبى الطيب ، كلمة يلل فى بيته التالى : ([33])

        وَإلىْ حَصَى أرْضٍ أقَاْمَ بِهَـا     مَنْ بالنِّاسِ مِنْ تَقْبِيْله  يَللُ

واليلل : إقبال الأسنان وانعطافها داخل الفم ، تقول : هذا رجل أيل ، وهذه فتاة يلاء ، والجمع يُلِّ ([34]). وقد أنكر الثعالبى هذه الكلمة ، وذكر أنه لم يسمعها فى غير شعر أبى الطيب ([35]) . وهنا ندرك فرق ما بين معارف أبى

الطيب ومعارف أحد نقاده ؛ أعنى الثعالبى !

ومن غرائب المتنبى التى صدمت أسماع العلماء كلمة المتديريها " فى بيته التالى : ( [36] )

        أسَائِلُهَا عَنْ المُتَدَيرِيْهَا         فَلاَ تَدْرِى ولاَ تُذْرِى دُمُوعْاَ

فكلمة " المتديريها " لا غبار عليها من حيث الصحة اللغوية ، ومعناها الذين اتخذوا دارا . وقد تعقب الصاحب بن عباد هذه الكلمة ، وبرهن على شناعتها بقوله: لفظة المتديريها لو وقعت فى بحر صاف لكدرته. ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهدَّه ، وليس للمقت فيها نهاية ، ولا للبرد معها غاية " ( [37] ) . ونحن لا نسلم للصاحب بما ذهب إليه ، خاصة إذا قسنا كلمة " المتديريها " إلى كلمات ثقال مثل " مستشزرات " أو " الهعخع " . ولا أظن أن كلمة " المتديريها " تجهد أجهزة النطق كما تجهدها كلمة الهعخع . لقد أنزلها المتنبى منزلة أطاحت بغرابتها حتى لم نعد فى حاجة إلى معجم يدلنا على معناها ؛ فإن فى الإشعاعات اللغوية المنبثقة من جملة " أسائلها " ومن حرف الجر " عن " ما بدد غير قليل من غرابتها .

ومن غريب أبى الطيب قوله : ( [38] )

     لِسَاحَيْهِ عَلى الأجْدَاثِ حَفْشٌ       كأيْدِى الخَيِل أبْصَرَتْ المجَالىْ

فكلمة حفش فى البيت السابق لا ألف للناس بها ، وفى غرابتها ما يخرجها من دائرة الفصاحة . حقا لا شك فى عروبتها ؛ فالعرب تقول : حفش السيل حفشا ، أى جرى من كل جانب إلى مستنقع واحد ( [39]  ) لكن عروبتها شىء وفصاحتها شىء آخر . الفصاحة جلاء وظهور وإبانة ، وليس فى كلمة " حفش " من الجلاء ما يدخلها دائرة الفصاحة . علينا أن نؤمن بنسبية الفصاحة والغرابة ، وأن نتذكر دور كبار الشعراء فى إثراء المعجم اللغوى لأممهم .

كذلك مما ينظم فى سلك الغريب قول أبى الطيب : ( [40] )

         بالوَاخدَاتِ وَحَادِيُهَا وبِى قَمْرٌ يَطَّلُّ مِنْ وَخدِهَا فىِ الخدرِ حشيَانَا

الواخدات : النوق ذوات الخطى الواسعة . والخدر : ستر يمد للمرأة فى ناحية من البيت . أما حشيان فقد جاء فى شرحها : " حشى الرجل حشيا فهو حشيان ، إذا أخذه البهر " ( [41] ) ، ومثل هذه الكلمات من الغريب الوحشى الذى لا يأنس به سمع ، ولا يقبله قلب ، وفى توقف المتلقى عن السماع ، وفى رجوعه إلى معاجم اللغة ، ما يعطل تدفق متعة التلقى ، وما يذهب لذة القراءة ، لكن شيئا من ذلك لا يعنى المتنبى ؛ لأنه إنما يتوجه بإشعاره إلى النخبة المثقفة التى كان يضمها بلاط الأمراء والخلفاء ، والتى بدت معارفها أحيانا أقل بكثير من معارفه . المتنبى معنى بأن يستثير علماء عصره " وأن يشغل الناس بأمره ، وأن يعرب عن تمكنه من العربية : غريبها وشاردها . المتنبى معنى بأن يثبت ضآلة المحصول الثقافى للنخبة التى تنافسه على صحبة الملوك  والأمراء والخلفاء ، والتى  تحسده على ما يظفر به من عطايا لا يظفر بها أفرادها . المتنبى يود لو يرى الكل من حوله صغيرا ، ليظل كبيرا متفرداً ، يحاكيه الآخرون ولا يحاكى أحدا ..

ويدخل ضمن غريب أبى الطيب قوله : ( [42] )

فِدَّى مَنْ عَلى الغَبْراء أوَّلُهُمْ أنا               لهَذَا الأبِىَّ الماّجِدِ الجَائِدِ القّرْمِ

فكلمة الجائد فى البيت السابق مما لم يحك عن العرب وإنما المحكى عنهم رجل جواد ، وفرس جواد ، ومطر جواد ( [43]).

ومن غريب ألفاظه قوله : ([44])

أركائِبَ الأحْبَابِ إِنِّ الأدْمُعَـا         تَطِسُ الخُدودَ كما تَطِسْنَ اليَرْمَعَاْ

فالكلمتان : تَطِسُ ، اليَرْمَعَاْ ، من الكلمات التى تتجافاها المسامع ، وتنبو عنها الأذواق ، وقد عدهما الثعالبى من الغريب الوحشى ([45]) . وفيما أورده الزمخشرى أن اليَرْمَع : الحصى الأبيض الذى يلمع . وذكر فى مادة وطس : وطستْ الركابُ اليَرْمَعَ : كسرته ، وحفر وطيساً : حفرة يختبز فيها ويُشتوى ([46]) .

        إن النماذج السابقة - وأمثالها - تدلنا على عمق الثقافة اللغوية لأبى الطيب ، ووفرة محصوله منها ، وهذه حقيقة يعترف له بها المنصفون من النقاد ، لكن ما يؤخذ على هذه الثقافة اللغوية الواسعة أنها جعلت شعره  يستغلق على أفهام بعض المتخصصين ، وبدا أن حرصه على إبراز معارفه اللغوية والمباهاة بها ، يفوق حرصه على أن يتواصل مع قارئه أو سامعه ! المتنبى لا يستجدى رضا المتلقى مهما كان حظه من المعرفة ؛ وإنما هو حريص على الإعراب عما بنفسه ، حريص على أن يكون صادقاً مع نفسه ، غير حريص على رضا النقاد والعلماء ، غير مبال بسخطهم عليه . المتنبى يريد لعبارته أن تستنفد إحساسه ، لا أن ترضى أولئك الذين نصبوا أنفسهم حراساً على اللغة والأدب ، حتى وإن تقاصرت معارفهم عن مجاراة معارف الأدباء ! .

2- الدخـيل :

        فى شعر أبى الطيب ألفاظ أعجمية تدل على إلمامه ببعض لغات الأعاجم من ناحية ، وتدل - من ناحية أخرى - على حقيقة ما يحدث بين الثقافات الحية من تقارض لغوى .

        على أن المتنبى لم يكن بدعاً حين ضمن أشعاره ألفاظاً أعجمية ، فأنت تجد شيئاً من ألفاظ العجم فى شعر الأعشى وبشار وأبى نواس والبحترى وغيرهم . وأنت إذا قرأت مصنفاتنا النقدية وجدت النقد العربى يبيح للشاعر أن يَتَظَرَّفَ باستعمال لفظ أعجمى ، ولكن فى حدود ضيقة للغاية ([47]).

        ومن الألفاظ الأعجمية التى تسربت إلى معجم المتنبى كلمة "مَخْشَلبَا" فى بيته التالى : ([48])

        بَيَاضُ وَجْهٍ يُرْيِكَ الشَّمْسَ حَالِكةَّ              ودُرُّ لفْظٍ يُريكَ الدُّرَّ مَخْشلبَـــا

        وزعم المتنبى أن كلمة " مخشلبا " عربية فصيحة ، أوردها العجاج فى شعره ، لكن القاضى الجرجانى كذب هذه المزاعم ، ونص على أنه لا يعرفها فى شعر العجاج ، ولا يحفظها محكية عن العرب ([49]). أما العكبرى أبرز شراح المتنبى فقد اعترف بأن كلمة " مخشلبا " نبطية وليست عربية ، وبرهن على ذلك بقوله : " المخشلب والمشخلب لغتان وليستا عربيتين ، وإنما هما لغتان للنبط ، وهو خرز من حجارة البحر وليس بدراً ([50]).

        ولا يعيب المتنبى فى شىء أن يعى لفظاً نبطياً ، وبخاصة فى ظل ما عرف عنه من سياحات متصلة ، واختلاط بأجناس مختلفة ، هذا إلى كونه " عاش فى أحد أمصار العراق ، الذى كان يموج بجنسيات مختلفة ، وسعتهم مسالك الحياة ، وآواهم الدين الذى دانوا به وعاشوا بين أهله وحوارييه ([51]).

        وهناك ألفاظ فارسية وردت فى شعر المتنبى ، مما يدل على معرفته بشىء من لغة الفرس ، فمن ذلك قوله فى قصيدة يمدح بها أبا بكر على بن صالح الروذبارى الكاتب بدمشق : ([52])

        ليْسَ كُلُّ  السراَةِ بالرُوذَبَارىَّ        ولا كُلُّ مـَا  يَطِيْرُ  بِبَــاز ([53])

       فَارِسِىُّ لهُ من المجْـد تَـاْجُ        كَاْنَ منْ جَوْهَرٍ على أبْرواز([54])

        ومن ذلك - أيضا - قوله فى القصيدة نفسها ([55]) :

      وكَأنَّ الفَرِيْـدَ والـدُّرِّ واليـَا        قُوْتَ مِنْ لَفْظِهَ وَسَاْمَ الرِّكـَاْز ([56])

       تَقْضَمُ الجَمْرَ والحَدِيَدَ الأعَادِىِ       دوُنَهُ قَضْمَ سُكرِ  الأهْــوَاْز([57])

        من قراءتنا الأبيات السابقة نلاحظ أن بيتا منها لم يخل من لفظة فارسية . وإذا كان بعض هذه الألفاظ قد عُرِّبَ ، فإن المستعجم يعرفها فى لغة الفرس ([58]) . وإذا كانت مثل تلك الألفاظ تسخط المحافظين من اللغويين والنقاد ، فقد كان عليهم أن يتذكروا أن كبار الشعراء من أمثال أبى الطيب هم قاطرة المعجم اللغوى فى أى زمان ومكان ، وأن اللغة العربية لم تكن فى عصر من العصور بمعزل عن البيئات اللغوية المجاورة ، حتى إننا نجد فى شعر امرئ القيس ألفاظا فارسية ، مثل لفظة الدمقيس فى قوله :

        فظلَّ العَذَارَى يرتمينَ بلَحْمِهـا     وشَحْمٍ كهَدَّاب الدَمِقْيس المُفَّيل

        فالدمقيس : الحرير فى لغة الفرس . 

        ومن الألفاظ الفارسية فى عضد الدولة البويهى : ([59])

        أبَاْ شُجَاعٍ بفارِسٍ عَضُدَ الـدِّوْ     له فَنَّاْخُسْرُواً شَهَنْشَاْهَــاْ ([60])

ومن ألفاظه الفارسية لفظة " النوبنذجان فى قوله يمدح عضد الدولة : ([61]) 

        مَنَازِلُ لمْ يَزَلْ مِنْهَا خَيَـــاْلُُ ُ             يُشَيِّعُنِىِ إلى النَّوْبنَذَجَـاْنِ ([62])

ومن ألفاظه الفارسية لفظة " الَملاَبْ " فى بيته التالى ([63]):

        فَعُدْنَ كَمَا أخِذْنَ مُكَرِّمَاتٍ        عَليْهِنَ القَلاَئِدُ والَمــــلاَبُ .

        وذكر الثعالبى فى اليتيمة أن الملاب - بفتح الميم- بزنة السحاب ، ومعناها كل عطر مائع ، وهى فارسية الأصل ([64]).

        ومن دلائل إلمام أبى الطيب بشىء من ثقافة الفرس ، ومعرفته بأعيادهم ، ما نراه فى داليته التى مدح بها ابن العميد ، وهتف فيها بمجئ   " النوروز " ، يقول : ([65]) 

جَاءَ نَيْروُزنُا وأنــتَ  مُـرَادُهْ         وَوَرَتْ بالذى أرادَ زنَادُهْ

عَظمَتْهُ مَمالِكُ الفُرْسِ  حَتــِّى          كُلُّ أيّامِ عَامِهِ  حُسّـادُهْ

ما لَبِسْنَا فَيه الأكَاليلَ   حَتِّــى          لَبِسَتْهَا  تلاعُهُ  وَوهَادُهْ

عنْدَ مَنْ لا يُقاسُ كِسْرَى أبوسَا           سَانَ مُلكا به ولا أوَلادُهْ

عَرَبِىُّ   لِسـَانُهُ   فَلســَفـِى ُّ         رَأيُهُ   فَارِسِيِّةُ   أعْيَادُهُ

        والنوروز - كما هو واضح من اسمه - فارسى الأصل ، وكان أكبر الأعياد الشيعية فى إيران ، وهو يوم رأس السنة عندهم ([66]) .

وحديث المتنبى عنه يشف عن معرفته ليس فقط بأصله الفارسى ، بل بمنزلته الكبيرة عند الفرس ، وبعاداتهم وتقاليدهم فى الاحتفال به . هكذا أسهمت ثقافة الفرس فى تشكيل جانب من ثقافة شاعرنا ، دون أن تستعبده، أو تفقده القدرة على أن يغرد بصوته .

والسؤال الآن : أكان لجوء المتنبى إلى الغريب والدخيل أمراً حتمياً .؟

        فى تقديرى أن تكوينه الثقافى والنفسى مسئولان عن غريب ألفاظه ودخيلها ؛ فقد شكلت لغة البادية جانباً مهما من ثقافته اللغوية ، وإليها - إضافة إلى شرهه المعرفى - يرجع ما فى شعره من غريب استغلق على بعض معاصريه .

        أما تكوينه النفسى ، ونزوعه إلى المجد ، ورغبته فى أن يكون صوتاً متفرداً ، وأن يكون الآخرون مجرد صدى لصوته ، كل هذا أداه إلى الترحال ، وإلى ملازمة الأمراء . ولم يكن بد من أن تلصق بذاكرته أسماء أعلام وجبال وأمكنة - يستفلق معناها إلا على الخبراء - سواء أكانت عربية أم من ثقافات أخرى ، ولم يكن بد من أن يتعرف أعياد الأمم الأخرى وتقاليدها ورسومها فى تلك الأعياد . وكان بدهيا أن يظهر أثر هذا كله فى شعره ، بغض النظر عن تسامح النقاد معه أو سخطهم عليه . ولعل أصدق تشخيص لظاهرة الغربة فى شعره ما سجله ابن رشيق من أن أبا الطيب كان " كالملك الجبار : يأخذ ما حوله قهراً وعنوة ، أو كالشجاع الجرىء : يهجم على ما يريده لا يبالى ما لقى ، ولا حيث وقع" ([67]).

        على أن وجود ألفاظ بعضها غريب ، وبعضها دخيل ، فى شعر المتنبى ، لا يعنى عزوفه عن الأليف من ألفاظ العربية . وإن من ينظر فيما ترك من غرر الحكمة يستطيع أن يتبين قدرته على توظيف مألـوف الألفاظ ، وإنزالها موقعها الأشكل بها ، بحيث تسرى فى وجدان المتلقى ، ويسهل حفظها وتداولها بين الناس . ولم يرض لشعره أن يكون خادماً لأغراض سياسية أو اجتماعية تريد الصفوة الحاكمة أن تسيدها ، وإنما أراد لشعره أن يكون مرآة لذاته الموصولة بمحيطها الثقافى والاجتماعى والسياسى والجغرافى . أراد المتنبى لشعره أن يرضى الصفوة الممتازة من أمراء ووزراء ، وفى الوقت نفسه يلبى الحاجات النفسية لغير الصفوة سواء فى عصره ، أم فى العصور التالية . لقد أدرك أن الصفوة راحلة لا محالة ، وأن خلوده الأدبى مرهون بما تحمله قصائده من حقائق إنسانية لا تفرق بين الصفوة وغير الصفوة . لقد رحل سيف الدولة وكافور وعضد الدولة وابن العميد ، وبقى شعر المتنبى خالداً بما فيه من قيم إنسانية تقاوم كل عوامل الفناء الأدبى ، ولولا عمق ثقافته ، وسعة معارفه، وتعدد خبراته ، وكثرة سياحاته ، واتكاؤه على الحقائق الإنسانية التى تشغل الإنسان بغض النظر عن زمانه ومكانه ، ما كان له أن يحرز ذلك الخلود الأدبى الذى أحرزه .

ثانياً : ثقافته النحوية والصرفية :

        عندما نتحدث عن الثقافة النحوية والصرفية لأبى الطيب ، يجب أن ينصب اهتمامنا على الأنساق النحوية والصيغ الصرفية التى خرج فيها على مقاييس علماء النحو والصرف فى عصره ، ففى هذه الأنساق وحدها يكون مجال التبريز ، ومن خلال بحثها يظهر الفرق بين شاعر - مثل المتنبى - قرأ وتعمق فى مصنفات أسلافه ومعاصريه ، وآخر قرأ ولم يتعمق . ويخلق بنا - فى هذا المجال - أن نتذكر أمرين لهما أثرهما فى تشكيل ثقافته النحوية والصرفية :

        أما الأمر الأول فهو أنه نشأ بالكوفة ، وتعلم علوم أهلها من لغة ونحو وصرف ، ومن الطبعى - والحال هكذا- أن تتردد أصداء تلك النشأة فى أنساقه النحوية وصيغة الصرفية ، حتى لنراه يعتمد فى قصائده " كثيراً من التراكيب الشاذة التى روتها الكوفة وخالفت بها على البصرة " ([68]) .

        أما الأمر الآخر فإنه يرتبط بقراءاته الواسعة ، التى لابد أنها أمدته بأنساق نحوية وصرفية كان عصره قد تجاوزها ، مما جعله هدفاً لسهام النحاة ، وبصفة خاصة نحاة البصرة .

        إن ثقافة أبى الطيب النحوية والصرفية تطالعنا فى مواضع عديدة من شعره ، ومن هذه المواضع قوله : ([69]) 

        جَلَلاَ كَمَا بِىْ فَليِكُ التِّبْرِيْـحُ             أغِذَاْءُ ذَاْ الرِّشَاْ الأغَنِّ الشَيْحُ

        فقد اختصم أهل الإعراب حول حذف النون من الفعل " يكن " فى البيت السابق ، وذهب خصوم المتنبى إلى تخطئة حذف النون من " تكن " إذا استقبلتها اللام ؛ لأنها تتحرك إلى الكسر ، إنما تحذف استخفافاً إذا سكنت . أما أنصار المتنبى فقد أجازوا حذف النون استناداً إلى أساسين :

الأول : هو الضرورة الشعرية التى تجيز للشاعر ما لا يجوز للناثر .

الآخر : هو أن هذا الحذف ورد فى أشعار العرب ، فقد حكى أبو زيد عن العرب فى كتابه " النوادر " قول حسيل بن عرفطة :

        لمْ يَكُ الحَقُ سوى أنْ هَاْجَـهُ           رَسْمُ دارٍ قَدْ تَعَفَّى بالسُّرَرِ

ولاشك أن أبا زيد - كما يقول القاضى الجرجانى - ثقة ، وأن الرواية عن العرب حجة ([70]) .

        وقد أجاز يونس بن حبيب حذف النون من الفعل تكن فى بيت المتنبى السابق ، واستدل له بقول الشاعر : ([71])

فَإِنْ لَمْ تَكْ المِرْآةُ أبْدَتْ وَسَامةً          فَقَدْ أبْدَت المِرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ

        ومن المواضع التى تظهر فيها ثقافة أبى الطيب النحوية ، بيته التالى : ([72])

لمْ تَرَ مَنْ نَاْدَمــْتُ " إِلا كـَا "         لا لسِوَى وُدِّك لَىِ ذَاكَـــاْ

فقد أنكر عليه خصومه وصل الضمير بإلا فى قوله : " إلاكا " ، وذهبوا إلى أن الصحة النحوية تقضى بفصل الضمير عن إلا واحتجوا بقول الحق تبارك وتعالى : ] ضل من تدعون إلا إياه [ .

وإذن فالظاهر فى قياس النحو ، والمشهور عن العرب ، هو الفصل بين الضمير وإلا ، كما يقول القاضى الجرجانى فى وساطته ([73]) ، والثعالبى فى اليتيمة ([74]) ، والبديعى فى الصبح المنبى ([75]) ، ولكن ثمة حقيقة يجب ألا تغيب عنا ، وهى أن المتنبى لم يكن يتقيد بالقياس والمشهور ؛ لأن تقيده بهما يجعله لا يختلف عن غيره من شعراء عصره ، مع أنه يحرص الحرص كله على أن يتفوق على معاصريه ، وأن يأتى فى أشعاره بما يدهشهم ويثير عجبهم حينا ، وبما يسخطهم ويشعرهم بفرق ما بينهم وبينه حيناً آخر .

وهناك أمر آخر ، وهو أن المشهور عن العرب شىء ، والمحكى عنهم شىء آخر ، فإذا كان القياس يقضى بأن يفصل المتنبى بين إلا والضمير ، فليس معنى هذا أن العربية لم تصل إلا بالضمير ، ثم إن المتنبى حين وصل بين إلا والضمير كان يحذو حذو الفَرَّاء ، وكان يحتج بالبيت الذى رواه الفراء عن العرب وهو : ([76])

فَمَا نُبَاْلِى إِذَاْ مَاْكُنْتِ جَاْرَتَنَـــاً        ألاِّ يُجَاْوِرنَا إِلاكِ دَيَّــــارُ

وقد برهن القاضى الجرجانى على اقتناعه باحتجاج المتنبى بالبيت الذى رواه الفَرِّاء ، يظهر ذلك من قوله : " وأنا أرى أن لا يطالب الشاعر بأكثر من إسناد قوله إلى شعر عربى منقول عن ثقة وناهيك بالفراء " ([77]).

ومن المواضع التى يظهر فيها أثر النحو الكوفى عند أبى الطيب بيته التالى : ([78])

مَضَى وَبَنُوْهُ ، وانْفَرَدْتَ بِفَضْلِهِمْ       وَألْفُ ُ إِذَاْ ما جُمِّعَتْ وَاْحِدُ فَرْدُ

فقد أخذوا عليه أنه عطف من غير فاصل : " بنوه " على الفاعل

المستتر فى كلمة " مضى " ، وقالوا هذا خطأ ، ولكن العكبرى شارح المتنبى رد قائلا : ليس بخطأ ؛ لأنه مذهب أصحابنا أهل الكوفة ([79]). والواقع الذى تبصرنا به كتب النحو العربى يؤكد أن المتنبى لم يخطئ حين عطف من غير فاصل وإنما هو يستجيب لما تدفعه إليه ثقافته النحوية الواسعة ، غير عابئ بشروط نحاة البصرة ؛ لأن الدلائل تؤكد جواز العطف بغير فاصل ؛ قال ابن عقيل : ([80])

        وإنْ عَلى ضَمِيْرِ رَفْعِ مُتِّصِلْ          عَطفْتِ فافْصِلْ بِالضِّمِيْرِ المُنفْصِلْ

        أوْ فَاْصِلٍ مَا ، وَبلا فَصْل يَرِدْ         فى النَّطْمِ فَاشِياً ، وَضَعْفَهُ  اعْتَقِدْ

فقول ابن عقيل : " وبلا فصل يرد فى النظم فاشيا " يؤيد صنيع المتنبى ، بل إننا نجد عمر بن أبى ربيعة يعطف - فى المنسوب إليه على الضمير المستتر بغير فاصل ، وذلك فى قوله ([81]) :

        قُلْتُ إذْ أقْبَلَتْ وَزُهْرُ تَهـَادَى         كَنِعاْج الْفـَلاَ تَعَسَّفْـنَ رَمــْلاَ

فقوله " وزُهْرُ " معطوف على الضمير المستتر فى أقبَلَتْ ([82]).

        وقد حكى سيبويه : " مررت برجل سَوَاءٍ واَلعَدَمُ " ، فرفع " العدم" بالعطف على الضمير المستتر بعد " سواء " ([83]) .

        وفى هذه المواضع - وأمثالها - تظهر ثقافة المتنبى النحوية ، وتظهر استجابته لما كانت تقترحه عليه هذه الثقافة من أنساق نحوية لا يتقيد فيها بالقياس أو الشهرة ، ويظهر نزوعه إلى مخالفة السائد .

      وتظهر ثقافة أبى الطيب النحوية والصرفية فى تلك الجموع التى ترد فى قصائده ، والتى كانت تثير ثائرة النقاد عليه ، فمن جموعه التى اختلف النقاد حولها : جمعه بوق على بوقات ، فى قوله يمدح سيف الدولة :([84])

        إِذَاْ كَاْنَ بَعْضُ النَّاْسِ سَيْفاً لِدَولةٍ        فَفَىْ الناسِ بُوْقَاْتّ لهَاْ وَطُبولُ

وقد أنكر غير واحد من النقاد أن تجمع بوق على بوقات ،وقالوا : إن جمع فُعْل على فُعْلات " مثل بوق وبوقات " مما لا يعرف فى شىء من الكلام فى صحيح ولا معتل ( [85] )  ، ولكن المتنبى حين سئل عن هذا الجمع قال : " هذا الاسم مولد ، لم يسمع واحده إلا هكذا ولا جمعه بغير التاء ، وإنما هو مثل حمام وحمامات ، وساباط وساباطات ، وسائر ما جمعوه المذكر بالتاء " ( [86] ) .

وإذا كان القياس يأبى أن تجمع كلمة بوق على بوقات ، فإن ثقافة المتنبى كانت - فى مثل هذه الأحوال - تتمرد على مقاييس النحاة ، ولا تتقيد بقيودهم ، بل لا أعدو الصواب إذا قلت : إن ثقافته النحوية والصرفية بدت فى مثل تلك المواقف أعمق وأرحب من أقيسة علماء النحو والصرف.

ثم إننا نراه يحتج فى جمعه كلمة بوق على بوقات بمصدر له خطره عند النحاة ، ألا وهو السماع ، وهو مصدر لا يقل أهمية عن القياس وبخاصة حين يعتمد فى السماع على مثل أبى الطيب ، الذى كان لا يسأل عن شىء إلا استشهد بكلام العرب من النظم والنثر ( [87] ) .

وما دامت الكلمة أعجمية فقد كان على النحاة أن يفسحوا صدورهم لمثل هذه الاستعمالات ، وأن يستقبلوها بتسامح العلماء ( [88] ) ، وبوعى لا ينكر على اللغات الحية حق التقارض اللغوى فيما بين المتحدثين بها .

ومن جموعه التى أثارت عليه النحاة ، جمعه أرض على أروض فى قوله : ( [89])

أًّروْضِ الناسِ منْ تُرْبٍ  وخَوْفٍ        وأرضُ أبى شُجَاْعٍ مِنْ أمَانِ

وكذلك جمعه كلمة دنيا على دنى فى بيته التالى : ( [90] )

أُعزُّ مكانٍ فى الدُّنى سَرْحُ سَاْبحٍ        وَخَيْرُ جَلِيْس فى الزَّماْنِ كَتاْبُ

ومن ذلك جمعه أخ على آخاء فى قوله : ( [91] )

        كُل ُّآخَائه كِرامُ بنــــى الدُّنْ        يَا ولكنَّهُ كريمُ الكــــرامِ

وقد أنكر غير واحد من العلماء والنقاد هذا الجمع ؛ فأبن رشيق ينعته بالتكلف ، ويرى أنه جمع لا تحتمه ضرورة يكون فيها عذر  لأن قوله: " كل إخوانه " يقوم مقامه بلا بغاضة ( [92])  وذهب الصاحب بن عباد إلى أنه " لو وقع الآخاء فى رائية الشماخ لاستثقل " ( [93] ) .

ومن الأمانة أن نشير إلى أن البيت السابق أورده اليازجى برواية أخرى تقول :   

كُلُّ آبَائه كِرامُ بنــى الدُّنْـ           يا ولكنَّهُ كرِيْمُ الكــرِامِ

ومهما يكن من أمر فقد كان بوسع أبى الطيب أن يتجنب لوم النقاد، لو أنه لم يتعاط هذه الجموع ، التى لا عهد للناس بها ، كان بوسعه أن يرضى بما كاد إجماع النحاة أن ينعقد عليه، ولكن أى فرق ثقافى بينه وبين غيره من شعراء عصره إذا لم يأت فى شعره بما يثبت تفوقه الثقافى . وكيف له أن يملأ الدنيا ويشغل الناس إذا لم يأت بما يثير ويدهش ، وما يختلف الناس حوله . ؟ إن تكوينه الثقافى والنفسى كما يبرر ما فى شعره من غريب ودخيل ، يبرر أيضا ما فى شعره من مشكلات نحوية وصرفية، هزت ما أجمع العلماء عليه أو كادوا . وكثيرا ما كان المتنبى يدافع عن أشعاره بالحجة الدامغة ، يظهر ذلك - مثلا - حين عاب عليه العلماء تثنيه الرماح فى بيته   التالى : ( [94])

    مَضَى بَعْدَ ما الَتفَ الرماحان ساعة    كما يَتَلقّى الهُدْبُ فى الرقْدةِ الهُدْبََا

فقد استعان أبو الطيب على دحض مزاعم عائبيه بمحفوظة من أشعار العرب ، وحاجهم بقول أبى النجم العجلى : ( [95] )

تَنَقَّلْتُ مِنْ أولٍ التَّنقَّــــل        بَيْنَ رِمَاحَى مَـالكٍ  ونَهَْشـــَلِ

وفى مثل هذه المواضع يظهر تبريز أبى الطيب ، وتظهر أبعاد ثقافته النحوية التى تميزه من أقرانه ، ويظهر علمه بأن النحاة يجيزون مثل هذه التثنية " إذا اختلفت الضروب والأجناس " ( [96] ) وفى مثل هذه المواضع يظهر اقتداؤه بأبى النجم وأضرابه من شعراء العرب ، بوصفهم القدوة والأسوة ، على حد تعبير القاضى الجرجانى . ( [97] )

ويعد الترخيم من أبواب الصرف المختلف عليها بين علماء الكوفة وعلماء البصرة ، وفى شعر المتنبى نماذج من الترخيم تستند إلى ثقافة صرفية  شيدتها مدرسة الكوفة نحو قوله : ( [98]) 

أجِدَّكَ ما تَنْفَكَُ عانِ تَفُكًّـــهُ         عُمَ سُليمـــانٍ ومالً تُقَسَّمِ

فأنت ترى أنه يرخم الاسم الثلاثى عمر ، فيجعله عم. وأنت تعلم أن البصريين لا يجيزون بحال من الأحوال ترخيم ما كان من الأسماء على ثلاثة أحرف ، ولكن المتنبى الكوفى المنشأ لا بد أن يأخذ بما تعلمه فى مكتب الكوفة من علوم اللغة ، وإذن فلا عجب أن نراه يرخم عمر فيجعلها عم ، لأن كل اسم ثلاثى ساكن الوسط أو متحرك الوسط يجوز ترخيمه عند الكوفيين ([99]) .

وتظهر أصداء ثقافة المتنبى الصرفية فى ولعه بالتصغير إلى أن أحد الدراس يكــاد " لا يجد شاذة من شواذ التصغير إلى ولها أمثـلة فى  

شعره ( [100]) فمن  ذلك قوله :  ( [101])

    أذَا الغُصْنُ أمْ ذَا الدُعصُ أم أنْتِ فتنةَ    وذَيـّـَا الذى قَبِّلتُهُ البَرْقُ أم ثغْـرُ

فأنت تراه يصغر اسم الإشارة ذا فيجلعه ذيا ، وهو من شواذ التصغير ، يقول ابن عقيل : ( [102] )

    وصغروا شذوذا : الذى ، التـــى     وذا مـع الفروع ، منها : تا وتى

وإذا كان التصغير من خواص الأسماء المتمكنة ، فإن هناك من غير المتمكن أربعة أشياء يجوز فيها التصغير ، منها أفعل التعجب ( [103]) ،وقد كان المتنبى على بصر بهذه الرخصة الصرفية عندما لجأ إلى تصغير أفعل التعجب فى بيته التالى : ( [104] )

أيَا مـــَا أَحُيَسْنِهَا مُقْلٌـةٌَ            ولَولا الَمـلاْحةُ لَمّ أُعْجَبِ

وتتجلى أبعاد الثقافة الصرفية لأبى الطيب  عندما أنكر عليه خصومه الصيغ وهى صيغة " سداس " فى بيته المشهور :( [105])

        أحَادَ أمُ سُدَاس ُُُ ُ فى أحَــادِ          لُيَيْلتُنَا المُنوْطةُ بالتِّنـادِى

وقد ذكر خصومه أن أهل اللغة وقفوا بصيغة " فعال " عند رباع فقط ، ولم يصلوا بها إلى خماس وسداس، كذلك زعم خصومه أن هذه الألفاظ معدولة

يوقف بها على السماع، ولا يجوز قياس سداس على ثلاث ورباع . ( [106]) أما المتبنى فقد أفحم خصومه ، وأظهر فرق ما بينهم وبينه فى الثقافة ؛ وذلك لأنه ذكر لهم أن اللغة العربية عرفت صيغة خماس وسداس وعشار، مثلما عرفت صيغة ثلاث ورباع ، " وأنه قد جاء عن العرب خماس وسداس إلى عشار ، حكاه أبو عمرو الشيبانى ، وابن السكيت ، وذكره أبو حاتم فى كتاب الإبل " ( [107] ) .

وقد برهن القاضى الجرجانى على صحة رأى المتنبى ، وأثبت بدليلين أن اللغة العربية وصلت بصيغة فعال إلى عشار ، ولم تقتصر على رباع كما زعم خصوم الشاعر . أما دليله الأول فهو قول الكميت: ( [108] )

فَلمْ يَسْتَرْيثُوْكَ حَتــْى رَمَيَـْ           تَ فَوْقَ الرَِجالِ خِصَالا عُشَاْرا

وأما الدليل الآخر فهو قول الشاعر :

ضَرَبْتُ خُماسَ ضَرْبَة عَبْشَمى          أدَاْرَ سُدَاس أن لا يَستَقِيْمـَا

        ونحن وإن كنا لا ننكر أن صيغة سداس فى بيت المتنبى ليست شائعة شيوع ثلاث ورباع ، فإن عدم شيوعها يدل - من بعض الوجوه - على أن المتنبى تعمق فى قراءة لغة العرب ، وأنها مستعملة فى شعر الكميت بن زيد وغيره من الشعراء . يطول بنا الحديث لو أننا تقصينا الشواهد الشعرية التى تعكس ثقافة أبى الطيب النحوية والصرفية ؛ لذا أكتفى بما أسلفنا ، لأصل إلى نتيجة مؤداها : أن النقاد اللغويين الذين حملوا عليه ، إنما ضجوا بما تهيأ له من معارف لم تتهيأ لهم ، وفاتهم أن أوائل النقاد نصحوا الشعراء بتعميق ثقافاتهم وأن المتنبى إنما انصاع لنصحهم .

ثالثا : الثقافة الفلسفية :

        من عرضنا السابق لجزئيات حياة أبى الطيب وتفاعله مع الحقل الثقافى من حوله ، نعلم أنه كان يخالط المشتغلين بالفلسفة ، ويطالع شيئا مما ترجم إلى العربية من فلسفة وعقائد اليونان وفارس والهند . ونعلم أيضا أنه تميز بقدرته على التقاط الآراء والأفكار وهضمها جيدا بحيث تصبح جزءا من مكوناته الثقافية . ومن الطبعى أن تترسب هذه الآراء والأفكار فى لاوعيه الثقافية ، وأن تتسلل إلى أشعاره سواء أراد أم لم يرد.

        ولن يستقيم فهمنا لثقافة أبى الطيب الفلسفية ما لم نضع فى اعتبارنا - أيضا- عدة أشياء ارتبطت به وارتبط بها ؛ مثل حرصه على إثبات سعة اطلاعه وجدارته بالتفوق على أقرانه ، ومثل خصوبة تجاربه فى الحياة وتعدد سياحاته فى أنحاء الدولة الإسلامية ، ومثل عزمه على أن يشغل الناس بأمره ، وعلى أن يخلف وراءه دويا عاليا يحقق له خلوداً أدبياً ، بحيث تردد الأجيال المتعاقبة آراءه وحكمه وفلسفته فى الحياة ونظرته إلى الأحياء ، وتتخذ منها أساسا تحتكم إليه فيما يعن لها من أمور الحياة ، ولعل من أوضح الأمثلة على نزوعه إلى تحقيق الدوى العالى قوله : ([109])

        وتَركُكَ فى الدُّنْيا دَويَا كأنمـا       تَدَاوَلَ سَمْعَ المرْءِ أنْمُلهُ العَشْرُ

        ويستطيع الباحث أن يؤكد بقدر كبير من الاطمئنان أن ثقافة المتنبى الفلسفية مستلهمة من مصادر عديدة ، ومن هذه المصادر :

1- قراءاته فى الثقافة الإسلامية :

        برغم تحفظنا على عقيدة أبى الطيب ، فإن عين البصير لا يخطئها أن ترى أثر الثقافة الإسلامية واضحا جليا فى صياغة فلسفته ، يتأكد ذلك فى عدة مواضع من شعره نحو قوله : ([110]) 

    وجُرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَـــاءُ قـــومٍ               وحَلَّ بِغَيْرِ جَاْرِمِــهِ العــَذَاْبُ

ففى هذا البيت يردد المتنبى ([111]) قول الحق تبارك وتعالى : ] واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ ([112]).

        ومن الشواهد التى تعكس أثر الثقافة الإسلامية فى تشكيل ثقافته  الفلسفية قوله : ([113])

    إذا الجُودُ لمْ يُرْزَقْ خَلاْصاً مِنْ الأذى       فَلاَ الحَمْدُ مَكْسُوْباً ولا المالُ بَاقِيَا

ففى هذا البيت نراه يلم ([114]) بقول الحق تبارك وتعالى : ] يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [ ([115]).

        ومن هذه الشواهد قوله : ([116]) 

        خُذُوا مَا أتاكُمْ واَعْــــذُرُوا                 فإنَّ الغَنِيْمَة فى  العَاْجِـــلِ

فأنت تراه يستلهم فى هذا البيت الحديث الشريف:] خير البر عاجله[ ([117]).

        ومن هذه الشواهد قوله : ([118])

        وَإِنَّكَ للْمَشْكُورُ فى كُلِّ حَالــةِ               وَلوْ لَمْ يكُنْ إلا البَشَاْشَة رِفــْدُهُ

فهو فى هذا البيت يردد فى صورة شعرية حديث رسول الله e " لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق " ([119]) .

        ومن الشواهد نفسها قوله : ([120])

      وَمَا ذْاَكَ بُخلاً بالنَّفُوْسِ عَلىْ القَنَا       وَلكِنِّ صَدْمَ الشَّرِّ بالشَّرِّ أحــْزَمُ

فالناظر إلى قوله : " ولكن صدم الشر بالشر أحزم " لابد أن يتذكر قوله أهل الجاهلية " القتل أنفى للقتل " ، وهو المعنى الذى عبر عنه القرآن تعبيرا معجزا، فى قوله تعالى ] ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب[.

        هكذا تتضافر الأدلة على إسهام الثقافة الإسلامية فى تشكيل وصياغة جانب من ثقافة أبى الطيب الفلسفية . وبغض النظر عما يثار حول فساد عقيدته فإن إطلاعه على الثقافة الإسلامية ليس بالأمر المستغرب ، على أساس أن الثقافة الإسلامية جزء مهم من ثقافة الأمة التى

يعد المتنبى أحد أعلامها .

2- قراءاته فى الفلسفة اليونانية :

        يشهد شعر المتنبى باطلاعه على فلسفة اليونان ، ومعرفته بحكمائها وفلاسفتها ، ودلائل ذلك كثيرة ، منها قوله فى رائيته التى يمدح بها ابن العميد : ([121])

مَنْ مُبَلِّغُ الأعْرَاب أنّى  بَعْدَهـَا       جَاْلسْتُ رسْطاْلْيس والإسْكنـُدرَا

ومَلَلْتُ نَحرَ عِشَاْرِها فأضَافَنِـى       مَنْ يَنْحَرُ البِدَرَ النُّضارَ لِمَنْ قَرَى

وَسَمِعْتُ بَطليموسَ دَاْرِسَ كتُبِه       مُتَمَلكــاً مُتَبَدِّيـا  مُتَحَضـرِّاَ

فأنت تراه يمدح ابن العميد بكونه جمع بين حكمة أرسطو وسعة ملك الإسكندر ، وتراه يشبه ممدوحه ببطليموس فى علمه وحكمته ، وما كان للمتنبى أن يضمن أماديحه أسماء هؤلاء الحكماء والفلاسفة ما لم يكن عارفا لقدرهم ، ملما بتاريخهم الفلسفى والعلمى .

        ومن دلائل معرفته بفلسفة اليونان قوله عن الشيخوخة : ([122])

ولَذِيْذُ الحَيَاْة أنَفَسُ فى النِّفْـــ     س وأشْهَى مِنْ أنْ يُمَلِّ وأحْلــَى

وَإِذَا الشَيْخُ قاْلَ أفِّ فَمَا مَـــ      ـلِّ حَيَاةً ، وإنَّمَا الضّعْفَ  مَــلأ

آلةُ العَيْشِ صِحَّةُ وشَبَـــاْبُ ُ      فإِذَا وَلْيَا عَنْ المرْءِ وَلـــــى

        إن حديث المتنبى عن الشيخوخة فى أبياته السابقة قوى الشبه بعبارة وردت فى جمهورية أفلاطون فى محاورة بين سقراط وسيفالس ، إذ يسأل سقراط : " ..... أنت يا من بلغت الآن ما يسميه الشعراء " أسكُفَّة العمر": هل الحياة أشق فى شيخوختها ؟ فلتحدثنا عما لديك من الآراء . ؟ فيجيبه سيفالس " .... إننى سأفضى إليك بتجاربى الخاصة يا سقراط ؛ فإننا - نحن الشيوخ - نجتمع فى الفينة بعد الفينة ، وقديما قال المثل : " إن الطيور على أشكالها تقع " . وليس لدى رفاقى حين نجتمع إلا ما يبثونه من شكايات : لقد فقدت شهوة الطعام ؛ لقد أصبحت لا أسيغ الشراب ؛ لقد هجرتنى لذات الشباب وعواطفه ؛ لقد كان ثمة وقت سعيد ولكنه الآن ولى، فلم تبق الحياة على عهدنا بها " ([123]) .

        ومن دلائل معرفة المتنبى بفلسفة أرسطو قوله : ([124])

      مَتَى مَاْ ازْدَدْتُ مِنْ بَعْدِ التِّنَاْهــى        فَقَدْ وَقَعَ انْتِقَاصِى فى ازْدِيِاْدِى

فهذا البيت استلهام لقول أرسطو:" الزيادة فى الحد نقص فى المحدود"([125]).

        ومن هذه الدلائل أيضا قوله ([126]) :

      وَمَنْ يُنِفْقُ السِّاعاتِ فى جَمْعِ مَاْلِهِ        مَخَاْفَةَ الفَقْرِ فَالذى فَعَلَ الفَقـْرُ

فالبيت السابق يشف عن معرفة المتنبى بقول أرسطو : " من أفنى مدته فى جمع المال خوف العدم فقد أسلم نفسه للعدم " ([127]).

        ويلاحظ الباحث أن المتنبى يستعير ألفاظ الفلاسفة ومصطلحاتهم ،

كأن يستعير السكون والحركة فى قوله : ([128])

      تَنَاْهَى سُكونُ الحُسْنِ فى حَركَاْتِهَا               وليس لراءٍ وَجْهَهَا لم يَمُتْ عُذْرُ

        أو يستعير القياس الفاسد كما فى قوله : ([129])

      بَشَرَّ تَصَوَّرَ غَاْيَة فى آيــــَةٍ               تَنْفِى الظُنُونَ وتُفْسِدُ التِّتْيِيسَـا

هنا لابد أن نتذكر تباين مواقف نقادنا القدامى من دخول ألفاظ المتكلمين واصطلاحاتهم فى الشعر . لقد كان الجاحظ ، وهو أحد المتكلمين، يبدى قدراً كبيراً من الامتعاض إزاء استعانة الشعراء بألفاظ واصطلاحات المتكلمين ، وإن أجاز منها شيئاً فعلى سبيل التملح   والتظرف ([130]) . وكان الآمدى يعيب فلسفة أبى تمام كما تتبدى فى شعره([131]) .

        أما ابن الأثير " ضياء الدين " فكان لا يضيق بأصداء القراءات الفلسفية حين تتسلل إلى قصائد الشعراء ، ويذهب فى تسويغ موقفه هذا إلى أن الشعر مستمد من كل علم وكل صناعة ، وأن للشاعر أن يستخدم من الألفاظ والاصطلاحات ما يشاء ، بشرط أن تفى بأغراضه ، وأن يكون المعنى هو الذى اقتضاها ([132]) ، لا مجرد التباهى بالمحصول الفكرى ، أو إثبات التفوق على الأقران من الشعراء .

        والقرطاجنى قسم المعانى إلى جمهورية تجد لدى الجمهور قبولاً ،

 

فلا تنفر منها آذانه ، ولا يمجها ذوقه،بل تهش لها النفوس ، وتخلدها الذواكر.

        أما غير الجمهورية فهى المعانى التى لا يستحسنها الجمهور ولا حازم نفسه ، وذلك مثل معانى العلوم والصناعات . وبهذا الفهم تعامل حازم مع مشكلة ألفاظ المتكلمين واصطلاحاتهم حين تتسلل إلى قصائد الشعراء .

        وأيا ما يكون الأمر فإن فهم النقاد لماهية الشعر وغايته ، حدد موقفهم من بعض المكونات أو الجزئيات التى تتألف منها ثقافة الشاعر العربى القديم . لقد كانوا يرون أن الشعر " ما حرك النفوس وهز الأفندة " من ثم فهو بخلاف العلوم التى تدرك بالأذهان ولا تهز القلوب . التأثير فى النفوس هو ملاك القسمة بين ألفاظ العلوم وألفاظ الشعر .

        لقد كان الخوف من قلة التأثير فى النفوس محركاً لمواقف نقادنا القدامى من ألفاظ العلوم واصطلاحات الفلاسفة والمتكلمين . إن الذائفة العربية ربيت على أن للشعر معانى وألفاظاً فُطِرَتْ النفوس على التأثر بها، فطرت الآذان على مصافحتها والإحساس بجرسها ، ولو أدخلنا فى الشعر ألفاظ العلوم أو المعانى العقلية فسوف نقلص قدراته على التأثير فى نفوس المتلقين وهز أفئدتهم ، وسوف نحول بينه وبين رسالته التى لا يرضى الشاعر بغيرها رسالة ، أعنى التأثير فى الجمهور.إن شاعراً مثل المتنبى ، برغم حرصه على الإعراب عما يمور بوجدانه ، وعدم حرصه على إرضاء نقاده ، لم يكن ليفرط فى ممارسة عملية التأثير على الجمهور بمختلف وسائل الفن .

3- قراءاته فى بعض النحل والعقائد :

        من قراءتنا لشعر المتنبى ، يتضح أنه لم يقتصر على مطالعة الفلسفة اليونانية ، وإنما كان مطلعا- أيضا - على بعض النحل والمذاهب الأخرى ، نرى مثلا لذلك حديثه عن المانوية فى بيته التالى : ([133])

       وكَمْ لِظَلامِ اللَيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يــَدٍ               تُخبِّرُ أنَّ المانَوِية تَكــــْذِبُ

        وكذلك حديثه عن الدهريين والمعطلة والقائلين بقدم العالم ، على نحو ما نرى فى قوله([134]) :

      ألا فَتىّ يُوْرِدُ الهِنْدِىِّ  هَامَتَــهُ         كَيْمَا تَزُوْلَ شُكُوكُ النَّاسِ وَالتُّهَمُ

      فَإِنِّهُ حُجةُ يُؤْذِى القُلوْبَ بِهَــا          مَنْ دِينُهُ الدَّهْرُ والتَّعْطِيْلُ والقِدَمُ

        وهناك دلائل تشير إلى معرفة المتنبى التناسخ وغيره من مذاهب دهرية هندية ، ومن هذه الدلائل قوله : ([135]) 

تَمَتَّعْ مِنْ سُهَادٍ أوْ رُقَــــاْدِ                 وَلاَ تَامُلْ  كَرَّ تَحْتَ الرِّجــَاْمِ

فَإِنَّ لِثاْلثِ الحَاليْنِ  مَعْنَّـــى          سِوَى مَعْنَى انْتِباهِكَ  والمناْمِ

فهو يشير بثالث الحالين إلى القائلين بمذهب التناسخ ([136]) .

        ومن دلائل معرفته بمذهب التناسخ أننا نراه يجمع كلمة دنيا فى بيته التالى ([137]) :

تَتَقَاصَرُ الأفهَام عَنْ إِدْرَاكِـهِ            مِثلَ الذى الأفلاكُ فيْهِ والدُّنـى

وقد ذكر أبو هلال العسكرى أن المتنبى صنع صنيع أهل التناسخ حينما جمع كلمة دنيا ([138])؛ لأن أصحاب هذا المذهب يؤمنون بأن الإنسان ليس له دنيا واحدة ، وإنما له أكثر من دنيا .

 4- تجاربه فى الحياة :

        كما أسهمت قراءات المتنبى فى تشكيل ثقافته الفلسفية ، كذلك أسهمت تجاربه فى الحياة فى تشكيل هذا الجانب من ثقافته . ونحن نعلم من حديثنا عن مفهوم الثقافة أن المعارف والخبرات والتجارب تدخل فى النسيج المكون لثقافة الإنسان ، ومن هنا لم يكن غريبا أن نجعل تجارب المتنبى مصدرا من مصادر ثقافته الفلسفية ، وبخاصة أن له من دقة الشعور ، ويقظة الحس ، والتجوال فى أرجاء الدولة الإسلامية ، ومخالطة مختلف الأجناس ، والقدرة على التقاط أدق الأفكار وإذابتها فى لاوعيه الثقافى ، ما يعينه على أن يستخلص الحكمة من أحداث الحياة ؛ ليضمنها أشعاره .

        ويجد القارئ فى شعره كثيراً من غُرَرِ الحكمة التى استقاها من تجاربه ، ومشاهداته ، فمن ذلك قوله : ([139])

        لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاَّ والعَصَا  مَعـَهُ        إِنْ العَبِيْدَ لأ نَجَاْسُ  مَتَاْكِيْــدُ

وقوله : ([140])

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيــْهِ        ما لجُرْح بَميَـتٍ   إِيـــْلأمُ

وقوله : ([141])

كفى بك داءً أنْ ترى الموْتَ شَاْفِياً      وَحَسْبُ المنَايَا أنْ يَكُنِّ أماْنِيَـا

وقوله : ([142])

إِذَا أنْتَ أكرَمْتَ الكَرِيْمَ ملكْتـــَهُ      وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللئِيْمَ تَمـَرَّدا

وقوله : ([143])

ذُو الَعْلِ يَشْقى فى النَعِيمْ  بعَقْلِـهِ       وَأخُو الجَهَاْلةِ فى الشَقَاوة ينْعَمُ

وقوله : ([144])

وإِذاَ أتتْكَ مَذَمتِى مِنْ  نَاقِــصٍ        فَهىَ الشَّهَادَةُ لِى بِأنِّى كَامــِلُ

وقوله : ([145])

وَمَنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلىْ الحُرِّ أنْ يَرَى       عَدُوَا لهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِه بُــدُّ

وقوله : ([146])

وَمَا مَاضِى الشَّبَابِ  بُمسْتَــرَدَ        ولا يَوْم ُ ُ يَمُرُّ     بِمسْتَعَــادِ

        هكذا تدفقت غرر الحكمة فى شعر أبى الطيب ، مسجلة تجربة إنسانية حافلة ، استطاعت أن تدرك منطق الأشياء ([147]) ، وأن تقدم للإنسان العربى حلولا لما يصادفه من مشكلات ، ودواء لما يعتريه من أدواء . أما أبو الطيب فقد أحرز بما قدم من غرر الحكمة خلوداً أدبيا ، أدل برهان عليه أن الأجيال لم تزل تردد حكمه وكأنها فصل الخطاب .

        ومهما يكن من أمر فإنه وإن خرج المتنبى عن رسم الشعر إلى طريق الفلسفة كما يذهب القاضى الجرجانى ([148])، فليس معنى هذا أنه كان فيلسوفا يتشاعر ، أو أن ثقافته الفلسفية هزمت فيه روح الشعر ، أو جففت ينابيع عواطفه ، وإنما غاية ما هنالك أنه كان- فى بعض الأحيان - شاعرا يتفلسف ، ولم يستطع قط " أن يتجرد من الاعتبارات الذاتية والانفعالات الأليمة ، أثناء تعبيره عن القوانين التى يرومها " ([149]) ، بحيث يصدق عليه القول بأنه حين وظف ثقافته الفلسفية فى قصائده إنما كان يفكر بقلبه ويحس بعقله ، ولولا ذلك لذهبت آراؤه فى الحياة والأحياء مع الريح .

رابعاً - الثقافة الصوفية :

        لكى يستقيم درسنا ثقافة أبى الطيب الصوفية ، علينا أن نتذكر دروس التصوف التى تلقاها على يدى أستاذه أبى على الأوراجى ، إضافة إلى ما عُرِفَ عنه من شغف بالثقافة أيا كانت مصادرها . ومن هنا فلا يعد غريبا أن نجده يقرأ الفكر الصوفى قراءة الواعى المدقق ، لا قراءة المزجى فراغا ، وأن نجد ألفاظ الصوفية تترسب فى لاوعيه الثقافى، فإذا هو يستعين باصطلاحات المتصوفة ، وشاراتهم ، وعباراتهم الملتوية أغلب الأحيان ، ومعانيهم التى تتأبى كثيراً على الفهم ، وتحتاج من القارئ إلى غير قليل من الصبر والتأنى ، حتى تعطيه نفسها . إن من دلائل ثقافته الصوفية ما نراه فى أبياته التالية من حديث عن الأبدال والكرامات ،   يقول : ([150])

ذَا السراجُ المنيرُ ، هذا النِّقِىَّ الـ      جَيْبِ ، هذا بقــــيِّةُ الأبْـدَال

فَخُذَا ماءَ رِجْلِهِ وانْضَحَا فى الــ      مُدْنِ تــأمَنْ بَوائِقَ  الـزِّلـزالِ

وامسَحَا ثَوبَهُ البقيــرَ  عَلى دَا       ئكُمــا تَشْفَيَا مِن الأعـــْلاَلِ

        هذه القصيدة يمدح بها المتنبى عبد الرحمن بن المبارك الأنطاكى، وفى الأبيات السابقة نراه يمدح صاحبه على طريقة الصوفية حين يمدحون أقطابهم ؛ فهو يجعله بقية الأبدال الذين هم أبدال الأنبياء فى الفكر الصوفى. وهو يضفى عليه من الكرامات ما يجعل ماء رجله وقاية من بوائق الزلزال، وما يجعل التمسح بثوبه شافيا من الأدواء .

        وتؤثر ثقافة المتنبى الصوفية على عباراته ، وإن من يقرأ قصائده المصطبغة بالصبغة الصوفية يجد فيها " صعوبات فى التراكيب ، وهى صعوبات كانت تميز أساليب المتصوفة فى هذه العصور ؛ لأن اللغة لم تكن قد اتسعت بعد لأداء أفكارهم ومعانيهم " ([151]) . وتظهر هذه الصعوبات، وذلك كما فى بيته التالى : ([152])

     وتُسْعِدُنى فى غمْرَةٍ بَعْدَ غَمـْرَةٍ     سِبُوحُ لها مِنْهَا عَليْهَا شواهِـدُ ([153])

        فأنت تجد البيت مثقلا بأربعة ضمائر بارزة فى : وتسعدنى ، لها، منها ، عليها " .

ومن ذلك - أيضا - قوله : ([154])

ولكِنَّكَ الَّدْنياَ إلىَّ  حَبِيْيـــة           فَمَا عنك لى إلا إليك ذهــاب

فهو يثقل عبارته بخمسة ضمائر فى : " لكنك ، إلىّ ، عنك ، لى ، إليك " وإذ يزدحم البيت الشعرى بمثل هذا الكم من الضمائر ، فإنه يستغلق على أفهام القراء والسامعين ، ويصبح هم المتلقى أن يفك هذه المغاليق ؛ ليفهم ما يقرأ أو يسمع ، وهذا فى حد ذاته يضعف لذة التلقى ، وبخاصة أن التلقى فى عصر أبى الطيب كان فى معظمه يعتمد على السماع بالأذن ، بحيث لا يجد المتلقى وقتاً لفض هذه المغاليق . ولكن إن لم ينتهج المتنبى هذه الطريقة فى بناء عبارته ، فكيف يظهر ثقافته الصوفية، وما الفرق بينه وبين غيره من الشعراء الذين ليس لهم من الثقافة الصوفية مثل ما له.؟!

        وكذلك قوله فى مدح أبى على الأوراجى : ([155])

      لوْ لَمْ تكُنْ مِنْ ذَا الوَرَى الَذْ مِنْكَ هُو     عَقِمَتْ بَموِلدِ نسَائِها حـــَوَّاءُ

        فأنت تراه يصطنع طريقة المتصوفة فى التفكير ، إذ يتخذ من فكرة الحلول أساساً يقيم عليه بيته ، وتراه يجعل أبا على يذوب فى الورى ، كما يذوب الورى فيه ، وهذا هو أساس فكرة الحلول عند الصوفية .

        وأنت تراه يصطنع طريقة الصوفية فى التعبير ، إذ يعمد إلى " ذا، الذ ، كاف الخطاب فى " منك " ، الضمير هو ، الهاء فى " نسائها" ، كل هذا فى بيت واحد ، لا لشىء إلا لأنه يمدح متصوفاً مثل أبى على يفهم تماما مدلول هذه الضمائر ، والأسماء الموصولة ، وأسماء الإشارة . وأيا كان الأمر فالمتنبى يراعى المقام ، ويتوجه برسالته إلى من يعرف شفراتها.

        ومعلوم أن المتصوفة يكثرون من استخدام الضمائر والأسماء الموصولة ، وأسماء الإشارة ، فى أشعارهم ، ولك أن ترجع إلى ديوان الحلاج ، أو ديوان ابن الفارض ، وسوف تجد هذه الظاهرة واضحة حتى لا تخطئها عين القارى المتأنى . وإن شئت مثلا يؤكد ما أسلفنا ، فاقرأ هذه الأبيات للمتصوفة المعروفة، رابعة العدوية "ت نحو 135 هـ" تقول: ([156])

        أحُبُّك حُبِّيْن ، حُبَّ  الـــهَوى        وحُبِّا لأِنِّكَ  أهْلُ  لِذاكـــاَ

        فأمَّا الذِى هو حُبُّ  الهَـــوَى        فَشُغلىِ بذِكْركَ عَمِّن  سِوَاكَا

        وأمَّا الذِى أنْتَ أهْْــلَ  لــهُ         فَكَشْفكَ للحُجبِ حَتى   أراكَا

        فَلا الحَمْدُ فىِ ذَا ولاَ ذَاكَ لــه         وَلكِنْ لكَ الحَمْدُ فِى ذَا وذاكَا

        انظر كيف ازدحمت أبيات رابعة بحشد من الضمائر والأسماء الموصولة ، وأسماء الإشارة . على أن هذه الظاهرة ترجع إلى اعتماد شعراء الصوفية فى أشعارهم " على فكرة الحلول ، وما يتفرع عنها من الملابسة والتجريد " ([157]) ، وهى فكرة ظلت توجه تفكيرهم وتعبيرهم على سواء .

        ويخطئ من يدخل المتنبى فى شعراء الصوفية معتمدا على اصطناعه طرائق المتصوفة فى التفكير والتعبير . المتنبى ليس صوفيا ، وإنما هو شاعر أوتى من الشره الثقافى ما جعله يثقف نفسه بكل ما أفرزه الحقل الثقافى المحيط به من تيارات ونِحَلٍ وعقائد وفلسفات . المتنبى شاعر طموح ، يريد أن يؤسس لنفسه مكانة بارزة فى بلاط الأمراء ، مستعينا بما أوتى من علم وثقافة وشعر ، وهو لا يرى ضيراً فى أن يصطنع ألفاظ المتصوفة أو اصطلاحاتهم وشاراتهم ؛ لأنه يرى فى اصطناعها تبريزاً وتفوقاً وانتصاراً على شانئيه .

خامساً - ثقافة المتنبى من سرقاته :

        ليس من همنا فى هذا المقام أن نتتبع سرقات المتنبى ، وأن نحدد أنواعها، ونفصل فيما هو مسروق منها ، مما لا سرقة فيه . وإنما غاية سعينا أن نفحص أبياته ، التى تتشابه فى جزئيات صياغتها ، أو فى فكرتها الكلية أو الجزئية ، مع أبيات أخرى لشعراء سبقوه أو عاصروه . ومن خلال هذه الأبيات يمكننا أن نتعرف - بشىء من النسبية - مصادر ثقافته، وأن نضع أيدينا على أولئك الذين أشبعوا ظمأه الفنى فى سنوات التلمذة الشعرية ، والذين أسهموا سواء عن طريق الصياغة أو عن طريق الأفكار، فى تشكيل جزء من ثقافته . يمكننا أن نرى كيف كان أبو الطيب يوظف التضمين فى قصائده . يمكننا أن نعرف أى الشعراء أكثر تأثيراً فيه، وأن نلاحظ حرصه على أن يكون أصيلاً .

        وبرغم تحفظنا على مصطلح السرقات لاعتبارات نقدية كثيرة ليس هذا مجال الخوض فيها ، فإن دراستنا لثقافة المتنبى من سرقاته تأخذ فى اعتبارها مبدأين مهمين :

المبدأ الأول : يتصل بمرحلة التلمذة الشعرية ، إذ لا يستقيم فى شرعة العقل ، ولا فى منهج البحث أن نحتفى بمحفوظ المتنبى من الأشعار ، ثم لا نقيم لهذا المحفوظ وزنا عند دراستنا لسرقاته ، وننسى أن محفوظ الشاعر ليس سوى مظهر لجانب من ثقافته ، ودليل على أنه سلك إلى التلمذة الشعرية طريقها الصحيحة . وإذن فلا مندوحة عن التسليم بأن محفوظه منعكس على إنتاجه الشعرى بوعى منه أو بغير وعى .

المبدأ الأخر : يتصل بتوارد الخواطر ووقوع الحافر على الحافر كما يقول العميدى فى كتابه : الإبانة عن سرقات المتنبى لفظا ومعنى . وهذا المبدأ لا ينكر أن يتوارد الشاعران على المعنى الواحد ، أو الفكرة الواحدة ، وأن يتواردا على صياغتها صياغة تكاد تكون واحدة ، دون أن يكون أحدهما سمع بالآخر ، أو قرأ عنه ([158]). إن ما نسميه- تجاوزاً- سرقات المتنبى ، يمكن أن يكون مجالا خصبا لمعرفة قراءات الشاعر ومطالعاته على اختلاف مصادرها وهذا ما نسعى إلى تحقيقه فى هذا المحور .

        ويجد القارئ المتأنى شواهد عديدة تدل على انتفاع المتنبى بما قرأ أو حفظ من آيات القرآن الكريم ، نجد ذلك- مثلا- فى قوله: ([159])

وضَاقَتِ الأرْضُ حَتَّى كانَ هارَبُهُـم     إِذَا رَأى غَيرَ شَىءٍ ظنَّهُ رَجُلاً

فهو تراه يستوحى فكرة بيته السابق من قول الحق تبارك وتعالى :] والذين كفروا أعمالهم بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا [([160]).

        ولئن كان استوحى فكرة بيته الآنف من القرآن ، فإن فى البيت أيضاً ملمحاً فلسفياً يظهر فى إيراده " لا شىء " بمعنى المعدوم ، كما يرى المتكلمون ؛ أى أن الفزع المحدق بالهارب جعله يرى ما لا يرى ، ويتوهم العدم رجلاً يطلبه ، وهذا أيضا من أثر ثقافته الفلسفية ([161]) وإلمامه بقضايا الوجود والعدم .

        ومن أبياته التى تشف عن انتفاعه بشعر غيره قوله : ([162])

    سَيَعْلمُ الجُمَعُ مِمَّنْ ضَمِّ مَجْلِسُنَـا        بأنَنِّىْ خَيْـرُ مَنْ تَسْعَى بِهِ قَـدَمُ

   أنَا الذِىِ نَظَرَ الأعْمَى إلِى أدَبِــى        وَأسْمَعَتْ كَلِمَاتِى مَنْ بِهِ  صَمَـمُ

فالفكرة العامة للبيتين تدل - من بعض الوجوه - على أن أبا الطيب قرأ أشعار عمرو بن عروة بن العبد الكلبى ، وتأثر بقوله : ([163])

   أوْضَحْتُ مِنْ طرُقِ الآدَاْبِ مَا اشْتَكلتْ      دَهْراَ وأظْهَرْتْ إعْرَاباً وإِبْدَاعــاً

   حَتىِّ فَتَحْتُ بإعْجازٍ خُصِصْتُ  بِِــهِ             للعُمْى والصُّمِّ أبْصَاراً   وأسْمَاعَـا

ومن أبيات المتنبى التى تدل - من بعض الوجوه- على سعة اطلاعه وعمق ثقافته ، بيته التالى : ([164])

   يَا أعْدَلَ النِّاْسِ إِلا فى مُعَامَلتِــى       فيْكَ الخِصَامُ وأنْتَ الخَصمُ والحـَكَمُ

ففكرة البيت السابق ، وجزء من صياغة شطره الثانى ، يدلان على  المتنبى قرأ شعر دعبل بن على الخزاعى " ت 246هـ" وتأثر بقوله:([165])

    ولَسْتُ أرْجُو انْتِصَافاً مِنْكَ مَاْذَرَفَـتْ      عَيْنِى دُمُوْعاً وأنْتَ الخَصمُ والحَكَمُ

ومن الأبيات التى تصله بشعر بشار " ت 167 هـ" وابن الرومى       "ت 283هـ " والتى تدل على تأثره بهما ، بيته التالى : ([166])

    إنْ كانَ سَرِّكَمُ ما قَالَ حَاسِدُنـــا      فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أرْضَاكُم   ألـــمُ

فقد سبق أن تناول بشار بن برد فكرة البيت السابق ، وذلك فى قوله :([167])

   إِذَا رَضِيْتُم بأنْ نَجْفَى وَسَرَّكُـــمُ     قَوْلُ الوُشَاةِ فَلاَ شَكْوَى ولا ضَجـَرُ

كما ذكر الفكرة نفسها ابن الرومى فى بيته التالى : ([168])

   إِذَا مَا الفَجَائِــعُ أكْسْبْنَنــــِى     رِضَاْكَ فَمَا الدَّهــرُ  بالفَاْجِــعِ

ومن أبيات أبى الطيب ، التى تدل على أنه قرأ أشعار منصور النمرى ، بيته التالى : ([169])

   إِذَا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلكْتَـــهُ       وَإِنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللئِيْمَ  تَمــَرَّدَا

ذلك أن المتنبى أخذ فكرة البيت السابق وجزءا من ألفاظه ، من البيت التالى لمنصور النمرى : ([170])

      وإِذَا عَفَوْتَ عَنْ الكَرِيْمَ مَلكْتَــهُ       وإِذَا عَفَوْتَ عَنْ اللئِيْمَ  تجَـَرمَـا

ومن أبيات أبى الطيب ، التى تدل على انتفاعه بشعر أبى نواس     " ت  195 هـ" ، بيته التالى : ([171])

    وإِذَا خَاْمَرَ الْهَوَى قلب  صـــَبِّ        فَعَليْهِ لِكــُلِّ عَيــْنٍ دَلِيـــْلُ

وذلك لأن أبا نواس كان أسبق إلى معنى البيت السابق من أبى الطيب ، يدل على ذلك بيت النواسى التالى : ([172])

    يَدُلَّ عَلى مَا فى الضِّمِيْرِ مِنْ الهَوَى              تَقلبُ عَيْنَيْهِ إلىْ شَخْصِ مَنْ يَهْوَى

ومن أبيات أبى الطيب ، التى تدل على تأثره بشعر أبى العتاهية ، بيته التالى : ([173])

    وَإِذَا مَا خَلا الجَبَانُ بــــأرْضٍ      طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ والنّــــِزاْلاَ

ففكرة البيت السابق مستوحاة من بيت أبى العتاهية التالى : ([174])

    وَإِذَا الجَبَانُ رَأى الأسنِّةَ شُرِّعــاً      عَافَ الثِّبَاتَ فَإنْ تَفَرْدَ أقْدَمــاً

ومن الأبيات التى تدل على انتفاعه بشعر ديك الجن "ت 235 هـ" ، بيته التالى : ([175])

        غُصْن ُ ُعَلى نَقَوَى فَلاَةٍ نَابـــِتُ ُ     شَمْسُ النَّهَارِ تُقِلَُّ ليْلاً  مُظِلمـَا

فالأدوات التعبيرية المستعملة فى الشطر الثانى من هذا البيت ، تدل على أن المتنبى قرأ شعر ديك الجن ، وتأثر به ، وأخذ منه شطره الثانى بلفظه ومعناه ، يظهر ذلك بوضوح إذا تأملنا قول ديك الجن :([176])

       دِعُص ُ ُ يُقِلُّ قَضِيْبَ بَاْنٍ فَوْقَــهُ       شَمْسُ النَّهَارِ تُقِلُّ ليْلاً  مُظِلمـَا

        أما انتفاع أبى الطيب بشعر أبى تمام فإنه أشهر من الحديث عنه ، حسبنا أن نشير إلى أن المتنبى نفسه يعترف بأستاذية أبى تمام ، يقول :     " أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر أبى تمام ، وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده " . والذى يعكف على مبحث السرقات فى وساطة الجرجانى لن يخطئه أن يلاحظ كثرة تعويل أبى الطيب على شعر أبى تمام ، ومن دلائل ذلك قول أبى الطيب : ([177])

مُحِبَّكَ حَيْثُمَا اتَجَهَتْ رِكَابــِى        وَضَيْفُكَ حَيْثُ كُنْتَ مِنْ البــِلاْدِ

فالبيت السابق مسروق من شعر أبى تمام ، وهو - كما يقول القاضى الجرجانى- من أقبح ما يكون السرق ؛ لأنه يدل على نفسه من خلال اتفاقه فى المعنى والوزن والقافية مع بيت أبى تمام التالى :([178])

وَمَا سَافَرْتُ فى الآفَـــاقِ إِلاَّ        وَمِنْ جَدْوَاكِ رَاحلَتــِى وَزَادِى

أما الشواهد التى تدل على أن أبا الطيب قرأ ديوان البحترى، وانتفع به فى بعض قصائده - فهى كثيرة ، لكننا نكتفى منها بقول أبى الطيب: ([179])

وكُلُّ امْرِئٍ يُوِلىْ الجَمِيْل مُحَبب ُ ُ        وكّلُّ مَكَاْنٍ يُنْبِتُ العِزِّ طيّــِبُ

ففكرة البيت السابق مستوحاة من قول البحترى : ([180])

وَأحَبُّ آفَاْقِ البِلاْدِ إلىْ الفَتَـى        أرْض ُ ُ يَنَالُ بها كَرِيْمَ المَطَلـَبِ

        على أن دراسة السرقات لا تحدد ، بصورة حاسمة أو دقيقة ، الشخص أو الأشخاص الذين اقتدى المتنبى بهم فى بواكير حياته الشعرية ، لكنها " تدلنا على أننا أمام رجل واسع الاطلاع ، كثير القراءة " ([181]) ، بل إن الأبيات المستشهد بها تشف عن قراءاته فى دواوين عمرو بن العبد الكلبى ، وبشار بن برد ، وأبى نواس، وأبى العتاهية ، وديك الجن ، ودعبل الخزاعى وابن الرومى وأبى تمام والبحترى وغيرهم .

        ويجب أن نضع فى اعتبارنا أن سرقات أبى الطيب لا تدل بداهة على إفلاسه الثقافى أو الفنى ، بقدر ما تدل على أنه قرأ وتعمق ، ثم استوحى من مخزونه الثقافى ما بقى فى نفسه " من قراءة لا يستطيع أن يخصصها بمكان معين أو زمن معين ، وعادت إليه قراءاته كذكريات ممحوة المعالم فصاغها شعرا ، فى وعى أحيانا ، وفى غير وعى أغلب الأحيان " ([182]) .

        ولاشك أن الفرق كبير بين الاستيحاء والسرقة ، فأما الاستيحاء فأمر يقره النقاد العرب ، ومن قديم قرر ابن طباطبا العلوى أن الشاعر إذا تناول المعانى المسبوق إليها فأبرزها فى أحسن من الكسوة التى عليها لم يعب ، بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيها ([183]) .

        وأما السرقة فلا تقع فى المعانى العقلية أو المعانى العامة المشتركة التى لا يصح أن يقال فيها هى لفلان دون فلان ، وذلك كتشبيه الحسن بالقمر فى ضيائه ، والشجاع بالسيف فى مضائه ؛ لأن تلك المعانى من الأمور المتقررة فى النفوس ، المتصورة فى العقول ، وهى مما يشترك فيه الناطق والأبكم ، والفصيح والأعجم ، والشاعر والمفحم ([184]). وإنما تقع السرقة فى الأبيات المغتصبة دون إشارة إلى مصدرها ، تقع فى الصياغة الفنية التى تدمغ البيت بالملكية الأدبية لصاحبه . إن شاعراً كالمتنبى كان يعرف أن حساده وشانئيه يتربصون به ، لذا فمن المستبعد أن يقصد إلى سرقات إبداعات غيره من الشعراء قصداً ، فيعطى المتربصين به دليل اتهامه ، ويمنحهم فرصة النيل من مكانته ، والتشكيك فى صحة أشعاره ، والتقليل من أصالته ، والإطاحة بما يعتقده من أنه الصوت المحكى ، وأن الآخرين ليسوا سوى أصداء باهتة لصوته الشعرى .


 

خــلاصــــــة

        من خلال تطوافنا السابق مع المتنبى وشعره ، تأكد لنا أنه كان شاعراً مثقفا ، تعددت مصادر ثقافته ، حتى لم تقتصر على ثقافة عصره، بل امتدت لتشمل جانبا من ثقافة الأولين ، وشيئاً من ثقافة الفرس والهند واليونان . وبفضل عمق ثقافته استطاع أن يثبت خطأ الاعتقاد بأن الأول لم يترك للآخر شيئا ، وأن يأتى بما لم يستطعه الأوائل ، نحو قوله : ([185])

وَخَصْر ُ ُ تَتْبُتُ الأبْصَارُ فِيْـــهِ       كَاْنِّ عَليْهِ مِنْ حَدَقٍ نَِطَاْقَــا 

قال السرى الرفاء فى تعليقه على البيت السابق " هذا والله معنى ما قدر عليه المتقدمون ... " ([186]) . ولاشك أن ابتكار المعانى مظهر لعبقرية المتنبى وسعة ثقافته ، وأن قدرة أى شاعر على أن يجاوز ويباين مرهونة - بداهة - بعمق اطلاعه على ما أبدع أسلافه ومعاصروه .

        وإذا كان الدارسون يعترفون لأبى الطيب بعمق ثقافته ، فإن هذه الثقافة لم تخل يثلبها ، يكفى أنها دفعت بصاحبها إلى الاجتراء على اللغة العربية فى بعض الأحيان ، وأظهرته بمظهر العابث المتمرد على أساليب العرب ، نرى مثلا لذلك قوله : ([187])

       وَلَدَيْهِ مِلْعقْيَانِ والأدَبِ الُمفَـــا              دِ وَملْحَيَاةِ وَمِلْمَمَاتِ مَنَاْهِـــلُ

مَنْ منا يفهم - من القراءة الأولى - قوله : " ملعقيان - ملحياة - ملممات"؟

وهنا نجد ثقافة أبى الطيب تطغى عليه حتى تورده موارد اللوم والمؤاخذة ، وتنسيه أن شر الشعر ما سئل عن معناه . إن الأنساق اللغوية التى وضعناها بين قوسين تعنى على الترتيب : " من العقيان ، من الحياة ، من الممات " ، ولكن ثقافة أبى الطيب تأبى عليه إلا أن يُضَمِّن بيته هذه الأنساق اللغوية الشاذة ، فهو حريص على أن يحذف النون من حرف الجر " مِنْ " ، حريص على أن يحذف ألف الوصل من المجرور بحرف الجر ، غير حريص على رضا النقاد أو سخطهم ، ولا على العادة اللغوية التى تحكم السلوك اللغوى للشاعر .

        ومن مثالب ثقافته أنه - من فرط ثقته فى عمقها - لم يبال بالخروج على الذوق الصوتى للغة العربية فى بعض الأحيان . ومع أن مراعاة الذوق الصوتى للغة وللمتعاملين بها ، من ألزم اللوازم بالنسبة للشاعر خاصة ، فإن ثقة المتنبى بثقافته أوقعته فى مزالق صوتية ما كان له أن يقع فيها لو أنه أعاد النظر فى قصائده ، فأقام منآدها ، وهذب المعوج منها . إن عدم اكتراثه بالذوق الصوتى للغة يظهر بوضوح فى تكريره القاف - وهى حرف ثقيل الجرس - ثمانى مرات فى بيته     التالى :([188])

فَقَلْقَلْتُ بالهَمِّ الذِى قَلْقَلَ الحَشـَا         قَلاْقِلَ عِيْسِ كُلًهُنِّ قَلاقِــلُ

فهذه القافات المتكررة لا يمكن أن تشف عن ثقافة صوتية سليمة ، ولا يمكن أن تصدر عن ذوق صوتى مثقف ؛ ذلك لأنها تصدم الأسماع بما لها من صوت مجلجل كأنه المطرقة .!

        والذى نخلص إليه أن المتنبى يمثل ظاهرة ثقافية جديرة بالدراسة، وإذا كانت ثقافته قد أوردته موارد اللوم والمؤاخذة غير مرة ، فقد رفعته إلى أعلى المنازل فى أغلب الأحيان .  وإذا كان دارسو سرقاته يسرفون فى اتهامه بالسرقة فقد كنا نود لو أنهم حققوا - فى دراساتهم - نوعا من التوازن بين موجبات التلمذة الشعرية ، وتوجيههم ناشئة الشعراء إلى الحفظ والرواية من ناحية ، وبين ما يستتبع ذلك من ضرورة ظهور أصداء قراءات الشاعر فى قصائده من ناحية أخرى . وياليتهم فطنوا إلى ما فطن إليه بول فاليرى من أن تأثر الكاتب بآراء الآخرين مظهر من مظاهر أصالته . وأيا ما كان الأمر ففى أشعار أبى الطيب ، وفى ثقافته العميقة ما ينقض قول عنترة :

هَلْ غادرَ الشعراءُ من مُتَـَردَّمِ       أم هَلْ عرفتَ الدارَ بعد تَوَهـُِّمِ

        لقد كان المتنبى قادراً دوماً على إثارة الدهشة فيمن حوله بفضل تكوينه الثقافى العميق ، كان قادراً على إحراج النقاد الذين لم تسعفهم معارفهم - أحياناً - كى يتفهموا ما فى أشعاره من غرائب الألفاظ .

        وإذا كانت تنظيرات النقاد العرب القدامى تعلى من قيمة الحفظ بالنسبة للشاعر ، وتنوه بأهمية أن يتوفر الشاعر على روافد معرفية متنوعة ، فإن تلك التنظيرات تنوسيت عند التطبيق ، ومن ثم شاع الاتهام بالسرقة شيوعاً جعل النقد العربى القديم يواجه مأزقاً ؛ فهو يحث على الحفظ والرواية وعمق المعرفة ، وينسى أن أصداء التكوين الثقافى للشاعر لابد أن تظهر فى قصائده ، دون أن يتهم بالسرقة ، ودون أن يفقد أصالته، أو يعجز عن التغريد بصوته هو .


 

(1) الزمخشرى ، أساس البلاغة ص 74 ، ط دار صادر للطباعة والنشر ، دار بيروت للطباعة والنشر ، 1385 هـ - 1965 م .

(2) المعجم الوسيط ، 1/ 102 ، ط الثالثة ، القاهرة " د- ت .

(3) المعجم الوسيط ، ص 102 .

(4) السابق ، ص 102 .

(5) د. هادى نعمان الهيتى : ثقافة الطفل ، ص 24 ، ط : عالم المعرفة ، الكويت ، رجب 1408 هـ - مارس 1988 م .

(6) د. محمد غنيمى هلال ، قضايا معاصرة فى الأدب والنقد ، ص 119 ، ط : دار نهضة مصر ، القاهرة ، د - ت .

(7) انظر ، الثعالبى ، يتيمه الدهر فى محاسن أهل العصر ، 1/110 ، تحقيق : محمد محيى الدين عبد الحميد ، ط : الثانية ، دار الفكر ، بيروت ، 1973 م . يوسف البديعى ، الصبح= = المنبى عن حيثية المتنبى ، ص 20 ، تحقيق : مصطفى السقا وآخرين، ط: الثانية ، دار المعارف ، القاهرة ، 1977 م .

(8) د. طه حسين ، مع المتنبى ، ص 30 : 35 ، ط : الثالثة عشرة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1986 م .

(9) الصبح المنبى ، ص 20 . 

(10) د. زكى المحاسنى : المتنبى ، ص 41 ، سلسلة نوابغ الفكر العربى ، ط : دار المعارف، القاهرة ، 1961 م .

(11) الصبح المنبى ، ص 20 : 21 .

(12) الصبح المنبى ،  ص 186 .

(13) المرجع السابق ، ص 142 .

(14) نفسه ص 248 .

(15) حجلى : جمع حجلة بالتحريك ، وهى طائر يسمى القبجة .

(16) ظربى : جمع ظربان كقطران ، وهى دويبة نتنة الرائحة .

(17) انظر ، الصبح المنبى ، ص 143 .

(18) انظر ، مع المتنبى ، ص 39: 40 .

(19) لمزيد من التفاصيل ، راجع الباب الذى أفرده بروكلمان للمترجمين ، وذلك فى كتابه : تاريخ الأدب العربى 4/ 89 : 123 ، ترجمة د. السيد يعقوب بكر ، ط: الثانية ، دار المعارف ، القاهرة 1977 م .

(20) انظر ، د. محمد حسين هيكل ، ثورة الأدب ، ص 28 ، ط : دار المعارف ، القاهرة ، 1978 م .

(21) انظر،الصبح المنبى ، ص 20: 21 ، د. محمد عبد الرحمن شعيب ، المتنبى بين ناقديه فى القديم والحديث،ص 12 : 13 ط: دار المعارف،القاهرة ، 1964 م.د. ربيع عبد العزيز ، ثقافة الشاعر،دراسة فى تراثنا النقدى ،ص 18: 19،ط: الأولى،دار الفتح ، الفيوم 1997 م .

(22) انظر ، د. شوقى ضيف ، الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 309 ، ط :العاشرة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1978 م .

(23) السابق ، ص 309 .

(24) انظر ، الصبح المنبى ، ص 71 .

(25) المتنبى بين ناقديه ، ص 234  .

(26) انظر   - الصبح المنبى ، ص 87  .

              - المتنبى ، ص 31 .

(27) انظر ، الصبح المنبى ، ص 110 .

(28) السابق ، ص 111 .

(29) انظر ، إميليو غومث ، مع شعراء الأندلس والمتنبى ، ص 26 ، ترجمة : د. الطاهر أحمد مكى ، ط : الثانية ، دار المعارف ، القاهرة ، 1978 م .

(30) لمزيد من التفاصيل ، انظر :

          ابن رشيق : - العمدة فى محاسن الشعر وآدابه ونقده 2/ 266 ، تحقيق : محمد محيى الدين عبد الحميد ، ط : دار الرشاد الحديثة ، الدار البيضاء ، د- ت .

          - الصبح المنبى ،  ص 366 : 367 .

          - الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 312 .

          - المتنبى بين ناقديه ، ص 86 : 87 .

(31) اليازجى ، العرف الطيب فى شرح ديوان أبى الطيب ، 2/ 495 ، ط دار صادر ، دار بيروت للطباعة والنشر ، بيروت 1384 هـ - 1964 م .

(32) يتيمة الدهر 1/ 158 .

(33) العرف الطيب 2/  464 .

(34) المعجم الوسيط جـ2 ص 111 .

(35) يتيمة الدهر 1/  158 .

(36) العرف الطيب 1/  214 .

(37) يتيمة الدهر 1/ 159 .

(38) العرف الطيب 2 / 21 .

(39) المعجم الوسيط 1/ 191

(40) العرف الطيب 1/ 356 .

(41) يتيمة الدهر 1/ 153 .

(42) العرف الطيب 1/ 204 .

(43) يتيمة الدهر 1/ 155 .

(44) العرف الطيب 1/  256 .

(45) يتيمة الدهر 1/  158 .

(46) أساس البلاغة ، ص 252 ، ص 681 .

(47) انظر ، العمدة 1/ 128 .

(48) العرف الطيب 1/ 227 .

(49) الجرجانى : الوساطه بين المتنبى وخصومه ، ص 461 ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، على محمد البجاوى ط : عيسى البابى الحلبى ، القاهرة د. ت .

(50) العكبرى : التبيان 1/ 75 ، ط: مصطفى البابى الحلبى ، القاهرة 1936 م .

(51) المتنبى بين ناقديه ، ص 54 .

(52) العرف الطيب 1/  392 .

(53) الروذبارى : نسبة إلى روذبار وهى بلدة من بلاد العجم .

(54) أبرواز : يقصد أبرويز بكسر الواو أو فتحها ، وهو أحد أكاسرة الفرس ، ولكن المتنبى تصرف فى الكلمة .

(55) العرف الطيب فى شرح ديوان أبى الطيب ، المجلد الأول ص 392 : 393 .

(56) الفريد : كبار اللؤلؤ . السام : عروق الذهب . الركاز : الذهب فى معدته .

(57) القضم : أكل اليابس - الأهواز : كور بين البصرة وفارس .

(58) انظر : محمد عبد الجواد : عبارة المتنبى بين البداوة والعجمة ، صحيفة دار العلوم  ص 107 ، عدد يونيو 1936 م .

(59) العرف الطيب 2/ 447 .

(60) فى بعض نسخ الديوان ترد كلمة : " شهنشاها " بألف بعد الشين الأولى ، فنكون هكذا : " شاهنشاها " وهذا خطأ يخلخل وزن البيت .

(61) العرف الطيب 2/  454 .

(62) النوبندجان بلد بفارس .

(63) العرف الطيب 2/  198 .

(64) يتيمة الدهر 1/ هامش ص 26  .

(65) العرف الطيب 2 / 428 ، 429 .

(66) انظر ، د. عثمان موافى ، التيارات الأجنبية فى الشعر العربى حتى نهاية القرن الثالث الهجرى ، ص 199 ، ط : الثانية ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1991 م .

(67) العمدة 1/ 133 .

(68) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 336 .

(69) العرف الطيب 1/  180 .

(70) الوساطة ، ص 441 .

(71) يتيمة الدهر 14/ ، هامش ص 156 .

(72) العرف الطيب 1/ 314 .

(73) انظر ، الوساطة ، ص 457 .

(74) انظر ، يتيمة الدهر 1/ 156 .

(75) انظر ، الصبح المنبى ،  ص 364 .

(76) الوساطة ، ص 457 .

(77) السابق ، ص 457 .

(78) العرف الطيب 1/ 387 .

(79) انظر . عباس حسن : المتنبى وشوقى دراسة ونقد وموازنة ، ص 139 . ط : مكتبة النهضة المصرية ، الأولى . 137 هـ ، 1951 م .

(80) محمد عبد العزيز النجار : التوضيح والتكميل فى شرح ابن عقيل 2/ 184 ، ط: مطبعة الفجالة الجديدة بمصر ، 1386 هـ ، 1951 م .

(81) ديوان عمر بن أبى ربيعة ، ص 177 ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1978 م . التوضيح والتكميل ، ص 185 .

(82) انظر ، التوضيح والتكميل ، ص 185 .

(83) التوضيح والتكميل ، ص 185 .

(84) العرف الطيب 2 / 166 .

(85) الوساطة ، ص 444 .

(86) السابق ، ص 444

(87) انظر ، الصبح المنبى ، ص 143 .

(88) راجع تعليقات القاضى الجرجانى فى وساطته ص 444

(89) العرف الطيب 2/ 456 .

(90) السابق ، ص 355

(91) يتيمة الدهر 1/ 159 .

(92) الصبح المنبى ، ص 369

(93) انظر ، العمدة 2/ 266 .

(94) يتيمة الدهر 1/ 159

(95) العرف الطيب 2/113 .

(96) الوساطة ، ص 449 .

(97) السابق ، ص 449

(98) نفسه ، ص 450

(99) العرف الطيب 1/ 254 .

(100) ابن الآنبارى : الإنصاف فى مسائل الخلاف ص 156 ، تحقيق : محمد محيى الدين عبد الحميد ، ط : القاهرة 1953 م .

(101 ) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 320 .

(102) العرف الطيب 1/  175 .

(103) التوضيح والتكميل 2/ 425 .

(104) السابق 2 / هامش ، ص 425 .

(105) العرف الطيب 1/ 421

(106) السابق 1/ 208 .

(107) الوساطة ، ص 457 .

(108) السابق ، ص 457 .

(109) العرف الطيب 1/ 370 .

(110) العرف الطيب 1/ 370 .

(111) يعزى هذا الرأى إلى الدكتور محمد مهدى علام فى بحثه عن : فلسفة المتنبى من شعره ، ص 11 .

(112) سورة الأنفال آية 25 .

(113) العرف الطيب 2/ 296 .

(114) يعزى هذا الرأى إلى الدكتور محمد مهدى علام فى بحثه عن : فلسفة المتنبى من شعره ، ص 11 .

(115) سورة البقرة آية 264 .

(116) العرف الطيب 2/ 30 .

(117) يعزى هذا الرأى إلى الدكتور محمد مهدى علام فى بحثه : فلسفة المتنبى من شعره، ص 11: 12 .

(118) العرف الطيب 2/ 320 .

(119) يعزى هذا الرأى إلى الدكتور محمد مهدى علام فى بحثه : فلسفة المتنبى من شعره، ص 12 .

(120) العرف الطيب 2/ 80 .

(121) العرف الطيب 2/ 426 .

(122) السابق ، 2/ 239 : 240 .

(123) راجع : فلسفة المتنبى من شعره ، صحيفة دار العلوم ، ص 12 : 13 .

(124) العرف الطيب 1/ 209 .

(125) المتنبى بين ناقديه فى القديم والحديث ، ص 244 .

(126) العرف الطيب 1/ 370 .

(127) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 326 .

(128) العرف الطيب 1/ 176 ، وانظر ، الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 327 .

(129) العرف الطيب 1/ 170 ، وانظر ، الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 326 .

(130) بيان الجاحظ 1/ 78 .

(131) الموازنة ، ص 27 .

(132) المثل السائر 464 .

(133) العرف الطيب 2/ 336 .

(134) السابق ، 2/ 390 : 391 .

(135) نفسه ، 2/ 364 .

(136) انظر ، الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 309 .

(137) العرف الطيب 1/ 310 .

(138) أبو هلال العسكرى : كتاب الصناعتين : الكتابة والشعر ص 402 ، تحقيق : مفيد قميحة ، ط : الثانية ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1404 هـ - 1984 م .

(139) العرف الطيب 2/  339 .

(140) السابق ، ص 327 .

(141) العرف الطيب ، 2/ 294 .

(142) السابق ، 2/ 183 .

(143) نفسه ، 1/ 10 .

(144) نفسه ، 1/  355 .

(145) نفسه ، 1/ 383 .

(146) نفسه ، 1/ 209 .

(147) انظر ، د. فؤاد مرسى :جدلية المتنبى ، مجلة أدب ونقد ، ص 66 ، فبراير 1984م.

(148) انظر ، الوساطة ، ص 182 .

(149) المتنبى بين ناقديه فى القديم والحديث ، ص 244 .

(150) العرف الطيب 1/  365 .

(151) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 318 .

(152) العرف الطيب 2/ 100 .

(153) الغمرة : الشدة ، السبوح : الفرس التى تسرع فى عدوها كأنها تسبح . والمعنى : إننى أستعين على شدائد الحرب بفرس لها من الخصال ما ينبئ عن كرمها وأصالتها .

(154) العرف الطيب 2 / 358 .

(155) العرف الطيب 1/ 129 .

(156) طه عبد الباقى سرور ، رابعة العدوية ، ص 106 ، ط :دار الكتاب العربى ،د-ت.

(157) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 318 .

(158) انظر ، العميدى ، الإبانة عن سرقات المتنبى لفظاً ومعنى ، ص 65 ، تحقيق : إبراهيم الدسوقى البساطى ، ط : الثانية ، دار المعارف ، القاهرة ، 1968 م .

(159) العرف الطيب 1/ 111 .

(160) سورة النور ، آية 39 .

(161) الملل والنحل 1 / 76 .

(162) العرف الطيب 2/ 120 .

(163) الصبح المنبى ، ص 89 : 90 .

(164) العرف الطيب 2 / 122 .

(165) الصبح المنبى ، ص 91 .

(166) العرف الطيب 2/  122 .

(167) الصبح المنبى ، ص 89 : 90 .

(168) البيت ذكره البديعى خلال حديثه عن سرقات المتنبى .انظر ، ص91.

(169) العرف الطيب 2/  183 .

(170) البيت ذكره العميدى فى كتابه : الإبانة عن سرقات المتنبى لفظاً ومعنى ، ص34.

(171) العرف الطيب 2/ 275 .

(172) ديوان أبى نواس ص 296 ، تحقيق : أحمد عبد الحميد الغزالى ، ط : دار الكتاب العربى، د- ت .

(173) العرف الطيب 2/ 247 .

(174) البيت أورده البديعى خلال حديثه عن سرقات أبى الطيب . انظر ، الصبح المنبى ، ص 224 .

(175) العرف الطيب 1/  106 . 

(176) الصبح المنبى ، ص 206 .

(177) العرف الطيب 1/ 285 .

(178) الوساطة بين المتنبى وخصومه ، ص 285 .

(179) العرف الطيب 2/ 339 .

(180) ديوان البحترى ، 1/ 283 ، تحقيق : حسن كامل الصيرفى ، ط : الثالثة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1977 م .

(181) المتنبى بين ناقديه فى القديم والحديث ، ص 197 .

(182) د. محمد مندور : النقد المنهجى عند العرب ، ص 211 ، ط نهضة مصر ، القاهرة، د - ت .

(183) انظر ، ابن طباطبا العلوى : عيار الشعر ص 76 ، تحقيق : الدكتور طه الحاجرى، والدكتور محمد زغلول سلام ، ط : المكتبة التجارية بالقاهرة 1956 م .

(184) انظر ، الآمدى : الموازنة بين الطائيين ص 273: 274 ، تحقيق : محمد محيى عبد الحميد ، ط : المكتبة العلمية ، بيروت ، د - ت .

(185) العرف الطيب 2/ 58 .

(186) الصبح المنبى 2/ 80 .

(187) العرف الطيب 1/ 352 .

(188) العرف الطيب  1/ 134 .


 

 

الصفحة الرئيسية