المملكة العربية السعودية - الأحساء

منتدى الدكتور نبيل المحيش الثقافي

المشـــقّــَر

كتاب سنوي خاص بأدب وتاريخ الخليج والجزيرة العربية
العدد الأول 1427 هـ - 2006 م

 

    موضوعات العدد:

3

- الدور الإيجابي للمجالس الثقافية     د. علي عبدالعزيز آلعبد القادر

7

-ثقافتنا وأدبنا في الداخل والخارج  د. محمد بن عبدا لرحمن الربيع

 

16

- في رحــــــاب هجــــــــر                د. فهد بن عبدالله السماري

 

21

-ثلاثة أيـــــــام في هجــــر             أ. سعد عبد الرحمن البواردي

 

25

- الأحساء بين زيارتين وهجر بعد هجرتين  أ. عبد الرحمن المعمر

 

الدور الإيجابي للمجالس الثقافية

د. علي بن عبد العزيز العبد القادر

 

في البدء يجدر توجيه تحية طيبة لأصحاب المجالس الثقافية في مملكة العلم والثقافة التي تنتشر في معظم مناطق المملكة في مدن الحجاز ونجد والأحساء وعسير وغيرها ، وأبارك جهودهم وأشكرهم على تضحياتهم بالمال والوقت والجهد ، فهم الرواد الحقيقيون للحركة الثقافية ، ولولا عشقهم للثقافة بآدابها وعلومها وفنونها لما تجشموا الجهود والمتاعب ، فجعلوا مجالسهم مفتوحة لعشاق الثقافة ورواد المعرفة من العلماء والأدباء والشعراء والفنانين ، انهم وجهاء الحضارة والرقي وأن المجتمع السعودي الذي انتشرت فيه الحركة العلمية وتقدمت فيه النهضة الثقافية ليعتز بجهودهم في إتاحة الفرصة أمام المبدعين ليتحاوروا ويطرحوا في هذه المجالس ما لديهم من فكر وعلم وأدب ، وواجبنا هو تقديرهم والثناء عليهم وتعزيز دورهم الثقافي وتشجيع الناس على ارتياد مجالسهم ، وتحفيز الناشئين  على تقديم ما لديهم فيها مع عدم تثبيط هممهم بالجدلية النقدية المحبطة .. سواء بالنسبة للرواد أو بالنسبة للمجالس ذاتها وهي في بداية الطريق وهي في أحوج ما يكون إلى التشجيع والتعزيز بدلا من الذم أو الإنقاص من قدرها فهي روافد ثقافية ومجالس علمية يتم فيها تدارس المعلومات وتنمية القدرات الإبداعية والنهوض بالثقافة في شتى صورها .

       وكلنا يدرك أن المجالس الثقافية تتيح المجال للرواد من مختلف التخصصات ومن مختلف الأعمار من الشباب والكبار وهذا دون شك فرصة للناشئين أن يطرحوا ما تجود به قرائحهم ويستمعوا إلى طروحات من سبقهم سناً وتجربة وإبداعا فيتلقوا منهم ما يرفع من قدراتهم ويشحذ هممهم ويزيدهم علماً وفكرا .. وكل ذلك يتم في جو نفسي مطمئن تتآلف فيه القلوب وتتفاعل فيه العقول والأفكار وتتلاحق فيه الآراء دون هيمنة إدارية تعيق تدفق المعلومات إلى الأذهان وتعيق الفكر عن الإبداع بعفوية .

       هذا الدور الايجابي للمجالس الثقافية في مجال العلم والفكر والأدب يعززه دور هذه المجالس في توثيق العلاقات الاجتماعية الطيبة واجتذاب الشباب وتنمية روح المشاركة مع الآخرين في جو من التآلف والتعاون على الخير بدلا من المواهب والطاقات في مجالس اللهو وضياع الأوقات ، ولذلك فأنه ينبغي تشجيع المجالس الثقافية وتقدير أصحابها والامتنان لهم وشكرهم على جهودهم الرائدة .

       كما ينبغي حق القادرين والراغبين على إقامة مجالس ثقافية في كل بلدة أو قرية أو حي من الأحياء في المدينة فكلما انتشرت هذه المجالس عززت الحركة الثقافية في بلادنا وفتحت آفاقا جديدة لروادها .

        إنني أشعر بالفخر والاعتزاز حينما تتوافد على معلومات عن فعاليات المجالس الثقافية في الحجاز والرياض والقصيم وعسير ومناطق تبوك والجوف والأحساء والقطيف ، وإنني أنظر إلى نتائجها الايجابية متألقة في إبداع روادها .

       أحيّي على سبيل المثال :

-       اثنينية عبد المقصود خوجة ... في جدة .

-       مجالس الثقافة في جدة ومكة والمدينة المنورة والطائف .

-       المجالس الثقافية في الرياض ومنها أحدية الدكتور راشد المبارك ومجلس الشيخ عثمان الصالح .

-       أحدية الشيخ أحمد بن علي المبارك .

-       أثنينية محمد صالح النعيم .

-       مجلس الأديب عدنان العفالق .

-       مجلس الدكتور نبيل المحيش .

-       مجلس آل بو خمسين .

-       مجلس عبد العزيز الموسى ، وغيرها من المجالس التي لا تحضرني أسماؤها .

ويحدثنا تاريخ الحركة الثقافية في الحضارة الإسلامية عن اهتمام طبقات المجتمع في كل حاضرة إسلامية بالمجالس الثقافية للرجال والمجالس الثقافية للنساء حيث انتشرت هذه المجالس وصالونات الأدب والفن في العالم الإسلامي وما نتج عنها من تقدم هذه المجالس وصالونات الأدب والفن في العالم الإسلامي وما نتج عنها من تقدم ورقي في مختلف العلوم والفنون والآداب .

أما عن الأحساء وتاريخها الثقافي ودور المجالس العلمية والثقافية عبر القرون الماضية فهي غير خافية على الجميع ، وتأتي حكومة خادم الحرمين الشريفين لترقى بالثقافة من خلال خطط التنمية السبع وبرامجها ومن خلال الدعم والتشجيع المادي والمعنوي للمؤسسات الثقافية .

وحينما تفتقد هذه المجالس والمنتديات فان الحركة الثقافية والأدبية سوف تتراجع إلى الوراء وتخبو جذوتها ، وعلينا أن نحول دون ذلك بالتأكيد على أهمية دورها الايجابي ودعم هذا الدور بالتعاون معها وتثبيت قواعدها والعمل على فتح مجالس ثقافية أخرى ، إن أي مجلس ثقافي يفتح أبوابه في أي مكان ، فإنه يشكل منارة إشعاع ثقافي لمرتاديه ويعني هذا مزيدا من التقدم والرقي .

إنني أقترح على أصحاب المجالس الثقافية في الأحساء إقامة مهرجان ثقافي سنوي تمده هذه المجالس بمعطياتها ويتم بالتعاون والتنسيق مع المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية ويمنح فيه المتميزون شهادات تقدير وتكريم ويقام معرض للكتاب في إطار المهرجان وندوات ومحاضرات تثقيفية خاصة في المهرجانات السياحية .

كما أدعو النساء الفاضلات في مختلف المناطق ممن ارتقت معارفهن ان يقمن مجالس ثقافية يتم من خلالها نشر الثقافة الأسرية والتربوية والصحية والاجتماعية والاقتصادية بين نساء المجتمع للارتقاء بهن وتوسيع آفاق الوعي لديهن ، لأنهن يضطلعن بواجبات وأعباء اجتماعية وزوجية وتربوية في الأسرة والمجتمع .

أحيي أصحاب المجالس الثقافية في كل مكان فهم وجهاء الثقافة .

 

·       جريدة اليوم 26/10/2003م


 

 

( ثقافتنا وأدبنا في الداخل والخارج ) *

د. محمد بن عبد الرحمن الربيع

 

اللهم جنبنا الزلل في القول والخطل في الرأي وسوء المنقلب ، أخشى أن أكون في حديثي هذه الليلة كمستبضع التمر إلى هجر لكني متأكد أنني سأعود من هذا اللقاء كما عاد شاعرنا القديم من دارين بجر الحقائب ، فسأكون المستفيد الأول مما يطرح في هذه المناقشة لأن مهمتي ستكون البدء والحديث عن بعض القضايا من أجل أن استمع لكم كما تستمعون إليّ وأن أستفيد منكم أكثر مما ستستفيدون مني .

       أريد أن أتحدث في بعض القضايا مما مر بي أو مما أسهمت فيه من خدمة لقضايا أدبية متنوعة .

وسوف أتحدث باختصار عن عدد من النقاط :

1-   الدراسات الأدبية المتصلة بالأدب في المملكة العربية السعودية :

سأبدأ أولاً بالحديث عن قضية شغلتني لفترة طويلة بل هي شغل دائم لي ، هذه القضية تتعلق بالدراسات الأدبية المتصلة بالأدب في المملكة العربية السعودية ، وسبق أن حاضرت وأسهمت في عدد من الندوات حول هذا الموضوع المهم ، ومن خلال عملي في الجامعة وإشرافي على بعض الرسائل واستطعت أن أكوّن فكرة اعتقد أنها واضحة عن هذه الدراسات ، فأقول أولاً إننا بحمد الله قد خطونا في هذا الجانب خطوات طيبة مباركة ، وكـان للجامعات فضل في هـذا الأمـر .

* نص محاضرة ألقيت في المنتدى.

أولاً بتدريس مواد أو مقررات دراسية عن الأدب في المملكة العربية السعودية وهذا يتضح بصورة جلية في أقسام اللغة العربية أو في كليات اللغة ثم جاءت مرحلة الدراسات العليا التي زخرت بها جامعاتنا واتجه عدد من الطلاب إلى تسجيل موضوعاتهم في ميدان الأدب في المملكة العربية السعودية ، ثم جاء أعضاء هيئة التدريس بأبحاثهم ودراساتهم ليعالجوا الكثير من القضايا في هذا الميدان الرحب ، علينا ابتداء ألا ننسى الدور المهم والكبير للأفراد خارج الجامعة فهم سبقوا الجامعات إلى هذه الدراسات وواكبوها أيضاً وأثروا الساحة ، لكن حديثي سيكون متجها إلى ما قامت به الجامعات السعودية وليس في ذلك إنكار لما تقوم به المؤسسات الأخرى أو الأفراد ولكن من باب تركيز الحديث.

الجامعات السعودية التي بها دراسات عليا أسهمت بالكثير من الرسائل في هذا الجانب نعم عندما نضع الأمور في حيز الإحصاءات والأرقام وقد عملت ذلك في بحوث أخرى تفصيلية لكني لا أريد إتعابكم بالأرقام ، لكن سأتحدث عن نتائج أعتقد أنني توصلت إليها من خلال الأرقام أيضا ، فنجد أن نسبة ما كتب من دراسات عن الأدب في المملكة العربية السعودية في الأقسام المتخصصة في ذلك ليست كبيرة ونعترف بهذا ، إذا قلنا ليست كثيرة أو كبيرة فيجب أن نضع الأمر في إطاره الزمني فحديثنا عن الأدب العربي القديم والحديث يمتد إلى ألف وخمسمائة عام ويمتد ضارباً في المكان إلى مختلف الأوطان والأقطار العربية فإذا أردنا أن ننظر إلى ما كتب عن الأدب في المملكة فلنحسب الفترة الزمنية أو العمر لهذا الجانب والحيز الزماني والمكاني ، لكن بشكل عام وإلى ما يقرب من 6 – 8 أشهر تشير إحصاءاتي وما جمعته من أدلة إلى وجود ما يتجاوز 100 رسالة .

هذا العدد ليس كبيراً ولكنه جيد . لكن ماذا قدمت هذه الرسائل ؟ بعد الشكر لكل من أسهم فيها من معديها ومن المشرفين عليها ، هذه الرسائل إذا نظرنا إليها نظرة تحليلية فسنستنتج بعض الأمور أذكرها باختصار شديد .

1-     يلاحظ غلبة الدراسات الشعرية على الدراسات المتعلقة بالنثر أو الفنون السردية . فدراسات الشعر أكثر من دراسات النثر وأعتقد أن هذا الأمر طبيعي جداً لأن الإبداع أولاً في الشعر سابق للنثر الفني أو القصة والأقصوصة والرواية . لكن هناك سببا آخر وهو أن المعايير النقدية لدراسة الشعر أوضح ومعالمها محدودة بشكل يجعل الطالب ينجذب إلى دراسات الشعر أكثر من ميله إلى دراسات النثر .

استنتاج آخر يتعلق بالوجهات لهذه الدراسة سنجد أن الدراسات المتعلقة بالأشخاص كدراسة شاعر أو كاتب هي الأكثر أي أكثر من الدراسات الموجهة لدراسة الظواهر الأدبية أو لمتابعة المدارس الأدبية والنقدية وهذه ظاهرة يلحظها الإنسان عندما يعود إلى الإحصاءات وعنوانات الرسائل . هذا الأمر يعود أيضاً إلى سهولة أو صعوبة المنهج فالطالب الذي يتجه إلى دراسة شخصية سيجد أن المطية موجودة أي بإمكانه أن يقيس على دراسة أخرى وإن اختلف الأمر في بعض التفصيلات بينما دراسة الظواهر والتوجهات الأدبية تحتاج إلى مجاهدة وإلى عمق في التحليل والدراسة فتجد الطالب يميل إلى دراسة الشخصيات أكثر من التوجه إلى دراسة القضايا .

الاستنتاج الثالث هو غلبة جانب التجميع والوصف على جانب النقد والتحليل وهذا الأمر يلحظ في كثير من الرسائل وليس فيها جميعاً لكن الجانب التحليلي النقدي التعليلي للظواهر هو الأقل والجانب التجميعي هو الأكثر ولذا من الناحية الكمية نلحظ التضخم في بعض الرسائل .

ملحوظة أخرى أننا عندما نصنف هذه الرسائل نجد أن الدراسات الأدبية أكثر من الدراسات النقدية أي أن جانب الدراسات النقدية قليل وإذا وجد فتجد أنه في التنظير أكثر منه في التطبيق . هذه الملحوظات على الدراسات تدعونا إلى الدعوة إلى تبني منهجية دقيقة في تسجيل الرسائل المتعلقة بالأدب في المملكة العربية السعودية سنقبل أنه في بداية الاهتمام بأي أدب أو علم أو تخصص يكون جانب التجميع وجانب الدراسات المسطحة سيكون هو الغالب . لكن يجب أن ننتقل من ذلك إلى الدراسات المعمقة لأن هذا الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن نصل إليه . هناك ملحوظة أخرى فيما يتعلق بالرسائل المتعلقة بالأدب في المملكة تتعلق بنشرها .

النشر لهذه الرسائل لا يزال ضعيفاً ويعتمد بالدرجة الأولى على المجهودات الشخصية بمعنى أن الشخص هو الذي يتولى نشر رسالته بينما تبنِّى الجهات الرسمية لهذه الرسائل دون المطلوب .

ومن ذلك الأندية الأدبية ، ولذلك وضعنا مشروعاً في النادي الأدبي بالرياض لنشر الرسائل المتعلقة بالأدب في المملكة العربية السعودية وواجهنا مشكلة ضخامة بعض هذه الرسائل مثلاً نشرنا رسالة الدكتوراه عن نثر (( حسين سرحان )) للدكتور (( عبد الله الحيدري )) في ثلاثة مجلدات وأخذت نصف الميزانية المخصصة لهذا الأمر فينبغي توجيه الاهتمام لنشر هذه الرسائل لأنها إذا بقيت في الأدراج سيتجاوزها الزمن وتقل الاستفادة منها .

الأمر الأخر يتعلق بانتشار ما طبع والانتشار ضعيف جداً ولهذا تجد المعرفة بما طبع معرفة ناقصة وهذا الأمر لا يتعلق فقط بهذه الرسائل وإنما هي معضلة ومشكلة في الكتاب السعودي بشكل عام وطرحت أفكار كثيرة فيما يتعلق بتوزيع الكتاب السعودي ووجد أن الكتابة أصبحت صناعة وتسويق الكتاب أصبح علماً وله مختصون وله إجراءات لا يستطيع الفرد القيام بها على الوجه الأكمل ولا تستطيع المؤسسات الصغيرة القيام بها أيضاً ، ولذلك هناك توجه لقيام مؤسسة حكومية أو أهلية لنشر الكتاب السعودي وتوزيعه ومن ضمنه ما يتعلق بموضوعنا . وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالتعريف بهذه الكتب أو هذه الرسائل سواء أكان ذلك في الدوريات والصحف ووسائل الإعلام والإذاعة والتلفاز وإن كان هناك برنامج يقدم الرسائل في الإذاعة ولكن يغلب عليه الرسائل الشرعية نظراً لاهتمام الناس وحاجتهم الكبرى إليها ولا غرابة  في ذلك لكن جانب الرسائل الثقافية والأدبية ضعيف .

هناك أمر آخر يتعلق بالتعريف بهذه الرسائل أو بكل الدراسات المتعلقة بالأدب السعودي وهو يتعلق بنشر ثقافتنا وأدبنا في الخارج وهذه هي القضية الثانية التي أريد الحديث عنها بعد أن قدمت لمحات عن قضية الرسائل المتعلقة بالأدب في المملكة .

2-     ثقافتنا وأدبنا في الخارج كيف ننقله :

لدينا الكثير من المنتج الثقافي الذي يمكننا أن نعرّف الآخرين به ونحن نلحظ قصوراً شديداً في هذا الجانب ، ومن واقع مشاركاتي في النشاطات الثقافية خارج المملكة وأيضا عضويتي في عدد من المؤسسات الثقافية في الخارج ألاحظ أن التعريف بالفكر والثقافة والإنتاج العلمي في المملكة ضعيف جداً ولذلك أسباب وهناك وسائل للتعريف به . أما الأسباب فقد ذكرت منها عدم وجود مؤسسة أو آلية لنقل هذا الكتاب أو هذه الثقافة وإيصاله خارج المملكة حتى لو اقتصرنا على الوطن العربي . الكتاب داخل المملكة تكلفته عاليه وبالتالي إذا عرض خارج المملكة بأسعار المملكة فلا يشتري ولاحظت هذا في مشاركتنا المتكررة في معرض القاهرة الدولي للكتاب فتجد أن السعر مرتفع وكقاعدة تسويقية أن سعر الكتاب أو أي منتج ينبغي أن يكون مقاربا للسعر المحلي . فبالتالي إما أن تبيع بسعر رخيص فتبيع بخسارة وإما ألا يشترى الكتاب . وقد يكون من الحلول دعم الكتاب وهذه قضية يطول الحديث فيها لكن هذا من الأسباب التي تحول دون وصول الثقافة والفكر في المملكة إلى البلدان العربية .

أمر آخر يتعلق بهذا وهو ضعف التعريف بما يصدر أي عدم إيصال الكتاب لمن يحتاج إليه حتى قيل إن الكتاب أو المطبوعة الحكومية تصل إلى من لا يحتاج إليها أكثر من وصولها إلى من يحتاج إليها وأن الأمر يقوم على العلاقة الشخصية أو على من يأتي ويطلب وكثير من الناس يتمنى أن يكون الكتاب متاحاً للشراء ويشتريه ، ونحن نلحظ على سبيل المثال أن ما يطبع في الكويت مثل عالم الفكر وعالم المعرفة وغيرها ينتشر بشكل ممتاز في كل البلاد العربية ، بينما ما يطبع في المملكة يواجه إهمالاً وضعفاً ونحن السبب ، وسأعرض بعض التجارب الشخصية ذهبت إلى عدد من المكتبات الجامعية في مختلف البلاد العربية وأقولها بأمانة ، أذهب إلى المكتبة المركزية وأطلب معرفة الكتب الصادرة في المملكة الموجودة فيها فأجد قلة ، لو أن هذه الكتب وصلت لكان لها أثر على ما يكتب في تلك البلدان من رسائل .

وجربت أن آخذ مراجع بعض الرسائل المعدة في الجامعات المصرية والمغربية وغيرها في موضوع أعرف أنه قد صدرت في المملكة كتب أساسية جداً في هذا الجانب مثل أصول الفقه أو التفسير أو الحديث فلا أجدها ضمن مراجع طلاب الدراسات العليا هناك ولا ألومهم ولكن اللوم يوجه لنا لأننا يجب أن نوصل رسالتنا إليهم وفي كثير من البلاد العربية يصعب على الطالب جلب الكتاب من خارج بلده لكننا لو وفرنا الكتب أمامه لاستفاد منها .

وقد حملت كتبا لأحد المؤلفين ووضعتها في مكتبات في مصر والمغرب وبعد عدة سنوات راجعتها فوجدت أنها قرئت وراجعت بعض الرسائل فوجدت أن هذه الكتب أصبحت مرجعاً لبعض الطلاب وهذه جهود فردية لكن لو نظمنا ذلك لوصلنا بجهود مؤسسية وهذا ما ينبغي علينا أن نتجه إليه .

أذكر تجربة في الأيام الثقافية السعودية في سوريا وهي عبارة عن تنظيم مجموعة من المحاضرات ومعارض الكتب تنظمها وزارة التعليم العالي وقد عملنا معارض للكتاب في دمشق وحلب واللاذقية وحمص وعرضت كتب كثيرة وسمعت من شخص يقول لي : كنا نعتقد بأنكم في السعودية تستطيعون أن تبنوا ما تشاءون من مباني وأن تستوردوا ما تريدون لكن أن يكون هذا الإنتاج موجوداً لم يكن ذلك في أذهاننا حقيقة لكن هذا المعروض لا يمثل إلا 30 % مما أعرفه من إنتاجنا الثقافي وقد وجدت حرصاً شديداً على تاريخ التراث العربي (( لفؤاد سزكين )) الذي ترجمته جامعة الإمام محمد بن سعود عن الألمانية وصدر في 11 مجلداً وكانت الكتب تهدى بعد انتهاء المعرض إلى الجامعات الموجودة في كل مدينة ، وينبغي أن يكون هناك بيع للكتب بأسعار مخفضة وليس فقط عرض المنتج ، وينبغي أن تكون هناك محاضرات تعريفية بهذا المنتج الثقافي والعلمي الموجود في المملكة في الخارج ، لأن ذلك قد يصحح أفكاراً خاطئة ومن ذلك أنني ألقيت محاضرة في دمشق وتحدثت عن بداية النهضـة العربـية الحديثة وقلت عجـباً كيف تبدأ النهضة العربية باستعمـار ( الحملة الفرنسية ) كما هو موجود في الكتب ، وقلت لهم إن النهضة الفكرية والثقافية والعلمية بدأت بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهو سابق للحملة الفرنسية تاريخيا وكثر الجدال حول هذا الموضوع لأن البعض يقول إن نهضة العرب جاءت ردة فعل للاستعمار وأثاره الموضوع حقق نتيجة أو حرك ساكنا على الأقل وهذه بعض المقترحات بشأن الكتاب السعودي في الخارج :

1-    إيصال الكتاب إلى المكتبات الجامعية على الأقل .

2-    ذهاب أساتذة زائرون سعوديون إلى الجامعات العربية والتدريس هناك فصلاً دراسياً أو عاماً واحداً وعدم الاكتفاء بالأيام الثقافية السعودية لأنها وإن كانت جيدة لكنها احتفالية ، فلو نظمنا برامج للأساتذة الزائرين لتحقق الكثير من الفائدة على ثقافتنا .

3-    مناقشة الرسائل في الخارج ، إذا ذهب الأستاذ لمناقشة رسالة في الخارج فإنه لا يقدم نفسه وإنما يقدم بلده .

وقد ناقشت أكثر من رسالة خارج المملكة فلو ساعدنا الأساتذة على المشاركة في هذا الأمر وسهلنا أمورهم لحققنا فوائد تعود على ثقافتنا فعلينا أن نحسن عرض بضاعتنا لأننا لدينا بضاعة جيدة لكن تسويقها رديء بالمصطلح التجاري أما بالمصطلح العلمي فلدينا علماء ولدينا أدباء ولدينا كتب ولكن تقديمنا لهذه الأشياء ليس بالمستوى المطلوب ، وليس من المستحيل تعديل الوضع .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد

أسماء المعلقين من الحضور :

1-    السفير الشيخ أحمد بن علي آل الشيخ مبارك .

2-    العميد عبد العزيز بن عبد الوهاب الموسى (راعي سبتية الموسى الثقافية)

3-    الأستاذ محمد بن صالح النعيم ( راعي اثنينية النعيم الثقافية ) .

4-    د. ربيع محمد عبد العزيز أستاذ الأدب والنقد في جامعة الملك فيصل .

5-    د. بسيم عبد العظيم أستاذ الدب في كلية البنات بالأحساء .

6-    د. محمد بن عبد الرحمن العمير عميد كلية التربية بجامعة الملك فيصل .

7-    د. سعد الناجم من جامعة الملك فيصل .

8-    د. محمد إياد العكاري .


 

 

 

في رحاب هجر

د. فهد بن عبد الله السماري

الأمين العام لدارة الملك عبد العزيز

 

عندما تذكر هجر فإن الذهن يتبادر إلى الخير والعلم حيث عرفت بأنها موطن التمور والرخاء وموطن العلم والمعرفة . وهجر وهي بلد الأحساء الغالية شهدت عصوراً من العلم والمعرفة وأسرها المعروفة بالعلم والثقافة الواسعة التي صاغت تلك الفترات المضيئة ، واليوم تشهد تواصلاً مع ذلك العلم والمعرفة في جوانب كثيرة ومن منطلق تواصل داره الملك عبد العزيز مع أبناء الوطن الغالي في كل مكان كانت الفرصة بزيارة ثمينة للأحساء لمقابلة عدد من المهتمين بتاريخ الأحساء والمتخصصين بها ووجدت أن ذلك التواصل يتجسد على أرض الواقع ، ومن ملامح ذلك التواصل تعددت المنتديات الثقافية لعدد من الأسر المعروفة بالمعرفة والعلم من أبرزها أسرة آل مبارك برئاسة شيخها وأديبها وفارسها صاحب التجربة المعروفة في الأدب والسياسة والعلم الشيخ أحمد المبارك ، وأسرة آل ملا برئاسة شيخها ومؤرخها الفاضل والأديب المحقق الشيخ عبد الرحمن الملا ، وكذلك أسرة النعيم التي تقيم منتداها الأدبي في كل يوم أثنين وغيرها من الأسر العلمية المعروفة ، ولقد تشرفت بالمشاركة في ندوة الشيخ أحمد المبارك والتي حضرها جمع كريم من المهتمين والباحثين والغيورين على تاريخ البلاد وخاصة الأحساء . وسعدت أيما سعادة بالاستماع إلى ملاحظات واقتراحات وهموم مشروعة لعدد من المهتمين بتاريخ المنطقة الذين يحرصون كل الحرص على المحافظة على عمق هجر التاريخي والامتداد به إلى ذاكرة الأمة . ومن مميزات هذه الأندية المباركة أنها تحظى باهتمام كبير من أهالي الأحساء وتتسم بالصراحة والمصداقية والتنوع . ولا شك أن هذا النوع من اللقاء الثقافي هو التقاء حقيقي يستفيد منه كل من يحضر مناسباتها ويتيح للجميع فرصة التعبير عن رأيهم إذا كان جاداً ونابعاً من المصلحة . وجانب مهم من جوانب هذه المنتديات الثقافية الرائعة ذلك التواصل العميق بين الأجيال حيث يتحدث الكبار ويشاركهم الناشئة وجيل الشباب بكل ثقة كما يتعلم هذا الجيل من الرواد الكثير من الصفات والمواقف التي تعينهم على شق طريق حياتهم بكل يسر وسهولة . وفي اللقاء المبارك مع الشيخ الأديب عبد الرحمن بن عثمان الملا تتجلى الفوائد والثمار التي يجنيها الإنسان من ذلك البحر الزاخر بالأدب وشؤون المجتمع . وإذا بدأ الشيخ عبد الرحمن الملا في الحديث تود أن يستمر لأنه ينطلق في أحاديثه من سعة اطلاع وحسن تجربة ورغبة في أن يستفيد من حوله بكل صدق وإحساس ، وفي منتدى النعيم كل يوم أثنين تتجسد رؤية جديدة لتواصل الثقافة والأدب مع شرائح المجتمع دون إطارات رسمية أو تكلف اجتماعي ، ولا شك أن هذه المنتديات تسهم بشكل إيجابي في تنمية الثقافة ونشر المعرفة وتصحيح المعلومات علاوة على ما تتيحه من أرضية صادقة للحوار وتبادل الرأي والخبرة .

       ومن منتديات الأحساء الثقافية التي تعرفت على أصحابها هي ثلاثائية العفالق للأخ عدنان بن عبد الله العفالق وسبتية الأخ الموسى ومنتدى الأخ الدكتور (( نبيل المحيش )) وغيرها من المنتديات التي لها إسهامها في المنطقة ولم أتشرف بالتعرف عليها وهي كثيرة ومن جوانب زيارة رحاب هجر مقابلة الشيخ إبراهيم آل عبد القادر وهو من أسرة معروفة بالعلم والمعرفة وله إسهام في رصد تراث المنطقة وتوثيقه وله كتاب عن الأمثال في منطقة الأحساء . وبمقابلته يتضح ذلك العمق التاريخي لهذه الأسرة وإسهامها العلمي في هذه المنطقة . ولقد أحسنت أسرة آل عبد القادر عندما بادرت بنقل مخطوطات مكتبة الشيخ محمد آل عبد القادر إلى جامعة الملك فيصل لإبرازها والعناية بها  وقد سعدت دارة الملك عبد العزيز بأن تشترك مع الجامعة وتتعاون معها في المحافظة على هذا التراث المهم والنادر . والمأمول من جميع الأسر هو أن تبادر أيضاً إلى الاستجابة لرغبة الدارة في المحافظة على ما لديها من تراث مع بقائها لديها إذا رأت ذلك لارتباطه بالأسرة ، ومما يسر ويثلج الصدر ذلك الإحساس الذي لمسته لدى عدد كبير من الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة من حرص على تحقيق المزيد من الدراسات والجهد من أجل المساهمة في خدمة هذا التاريخ ، ولقد تجسد ذلك الإحساس في المطالبة بصوت مرتفع وواثق بالاهتمام بمصادر التوثيق في الأحساء والعناية بها وذلك بما يتلاءم مع أهميتها التاريخية والعلمية . ولقد لمست شخصياً أثناء مقابلة صاحب السمو الأمير بدر بن محمد بن جلوي محافظ الأحساء رغبته الشديدة في تحقيق هذه الأماني والامتداد بجهود خدمة تاريخ المنطقة إلى ساحات أرحب وأوسع فلقد كان سموه أثناء حديثه الشيق عن تاريخ المنطقة يبدي حرصه الشديد على الارتقاء بمستوى التوثيق وتوسيع دائرة الاهتمام لتشمل جميع عناصر التاريخ

       وهجر الأمس تنادي هجر اليوم بصوت واضح لا لبس فيه مطالبة بالمحافظة على تراثها وتوظيفه بالشكل العلمي المناسب ، كما أن هجر الأمس تبحث من خلال هجر اليوم عن مكان معتبر يحفظ به تاريخها وتراثها ويكون مركزاً للامتداد بإشعاعاتها العلمية إلى أرجاء الوطن وتقديم الخدمة المناسبة للباحثين في تاريخها وثقافتها التي هي جزء لا يتجزأ من تراث المملكة العربية السعودية وتاريخها .

فتاريخ هجر هو حلقة من حلقات وتاريخ بلادنا ، وتاريخ هجر هو امتداد لتاريخ بقية المناطق في أرضنا الغالية . ولعله في يوم من الأيام ترى هجر اليوم أمنية هجر الأمس تتحقق على أرض الواقع ويتم إنشاء مركز خاص بالأحساء ليمتد إلى أعماق تاريخها وتراثها وجذوره الطيبة ويتولى توثيق إسهامات جميع فئاته وأسرة دون استثناء . والأمل هو أن يعنى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز المعروف بحبه للتاريخ والعلم ، أن يعنى بإنشاء هذا المركز ورعايته ليضيف مكتسباً جديداً إلى إسهاماته الثقافية التي أعرف البعض منها . فمركز الأحساء الثقافي سيكون إضافة جديدة إذا تمت ودارة الملك عبد العزيز لديها الاستعداد بتوجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز رئيس مجلس إدارتها للإشراف علمياً وفنياً على إنشاء المركز من واقع تجربتها وخبرتها في هذا الجانب . والكل هنا بالأحساء يتطلع إلى مثل هذا المركز العلمي المهم الذي سيكون موئلاً لما تبقى من مواد علمية ذات أبعاد تاريخية ، وسيساهم مع المؤسسات الأخرى وعلى رأسها الدارة في توثيق جهود الجميع من أبناء الأحساء . نحن بالفعل بحاجة ماسة إلى مثل هذه المراكز العلمية المتخصصة التي ستسهم في منظومة واحدة مع بقية المراكز العلمية الأخرى في أنحاء البلاد لإضاءة تاريخ المنطقة من منظور وحدوي متكامل يجسد الانتماء للبلاد ورسالتها السامية وقيادتها الرشيدة ومبادئها العظيمة .

إن الزائر للأحساء اليوم لن يعدم الفائدة في أي يوم من أيام الأسبوع من خلال حضور أحد هذه المنتديات الثقافية الواعية والصريحة . كما أن الزائر للأحساء اليوم سيرى أمامه تراثاً ماثلاً من التاريخ والشواهد والمواقف التي تنتظر مزيداً من الجهود لتوثيقها وإبرازها وتوظيفها . ويمكن أن يتحقق ذلك بتضافر الجهود بين المؤسسات العلمية والباحثين في كل منطقة الحريصين والمخلصين والذين يعلنون دوماً عن استعدادهم للعمل والتعاون وبذل الجهد دون مقابل ، ولكن من خلال رؤية علمية واضحة تكفل لهم التواصل والعمل .

       وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وزاد من هذه الامتدادات الثقافية والعلمية التي هي من خيوط نسيج الوطن التي تزداد صلابة وعنفواناً طالما أنها نسيج محلي مخلص . والله الموفق .

 

 

 


 

 

 

ثلاثة أيام في ( هجر )

الشاعر السعودي الكبير سعد البواردي

 

       سفر بدايته مطر .. ونهايته مطر .. جميل أنت يا سفر .. ورائعة أنـت يا ( هجر )  .

أيام ثلاثة هي عمر الرحلة إلى أحد ربوع وطننا الغالي إلى الأحساء بعد نصف قرن من غياب ذاكرة لا يغتفر ودعتها في الماضي شابا في الثلاثينات من عمره وعدت إليها شائبا في الثمانينات من عمره وقد خط الشيب رأسه وغزت الكهولة مفاصل ظهره وضوء عينيه .

       أحسست أني بمثل هذه الزيارة عدت إلى الوراء نصف قرن من عمري تجددت خلاياه ونشطت مفاصله وعاد إليه تواصله مع أحبة كان لي معهم أجمل الذكريات وأجمل الذكر .

       ( هجر ) الجميلة بنخيلها بعيونها بسواقيها بشرايين حياتها الممتدة في محاذاتها أشجارها المتعطشة للماء بناسها الطيبين كما ودعتهم هم نفسهم ما برحوا بطيبتهم يعمرون حياتهم دون أن تلوثها عوادم وضبابيات الحضارة المادية !! التي تآكلت معها الكثير من خصائصنا الاجتماعية وثوابتنا السلوكية وترابطنا الأسري . المطية إلى هجر لم تكن طائرة ولا حافلة وإنما عربة قطار أراحتني من جانب وأضحكتني من الجانب الآخر .. أراحتني بسيرها دون مطبات ودون تأخير عن المواعيد وأضحكتني إلى درجة أني تذكرت الحكمة القائلة : ( وشر البلية ما يضحك ) ولكنه ضحك كالبكاء .. فللمرة الأولى في حياتي أجدني في خصومة لا عنف فيها أن لم أقل في انفصام تام مغاير لسير القطار وتوجهه .. العربة تتجه شرقاً وهو شيء طبيعي وركاب العربة يديرون ظهورهم مع مسارها وعيونهم شاخصة نحو الغرب في تقاطع غريب غير مألوف تلاحق ما خلفه القطار من أرض قطعها مشهد لابد من تصويبه فحيث يتجه القطار وكل وسائط النقل تتجه الأبصار إلى حيث يتجه المسار وليس إلى الاتجاه المعاكس .

       حط بنا القطار أمام محطته بسلام وفي الوقت المحدد .. المحطة صغيرة وجميلة  الحركة داخلها انسيابية دون ضجيج ولا صخب السماء تنثر قطرات مطرها مبللة به وجه الأرض في شوق وحب .. الهفوف الوادعة تنشر برد ربيعها الأخضر من النخيل والأشجار الملتفة فتضفي على الجو وعلى المكان وعلى السكان مشهداً بانورامياً ترتاح له النفس ويطيب له الحسن .

       قبل رصد المشاهد لهذه المنطقة المترعة بمائها ونمائها الغنية بأبنائها وتعريفاً بها لمن لا يعرفها حق المعرفة وما أكثرهم سأوجز بعضا من شواهدها تاركاً مشاهدها لما بعد الشواهد :

·       عرفت بالاحساء لأنها أرض صخرية مغطاة بطبقة رملية تختزن داخلها الأمطار مفردها حسي .

·       مساحتها خمسمائة وأربعة وثلاثون ألف كيلو متر أي قرابة ربع إجمال مساحة الوطن وسبعة وستين في المائة من مساحة المنطقة الشرقية هذا عن الجغرافيا . تتكون من احدى وعشرين حاضرة سكانية وسبع عشرة هجرة هذا عن الديموغرافيا سكانها قرابة المليون ونصف المليون نسمة.

·       في حقل التربية والتعليم جامعة الملك فيصل بمعظم كلياتها  كلية الشريعة والدراسات والإسلامية إضافة إلى كليات أخرى للتربية وأعداد المعلمين والعلوم الصحية ومجموعة من المعاهد المتخصصة .

·       تعرف منطقة الأحساء بالمهارات اليدوية الموروثة كفتل الحبال والخوص والفخار والمداد والعباءات والمشالح إضافة إلى التصنيع الحديث الذي يتمثل في مدينة صناعية تتشكل من اثنين وعشرين مصنعاً غذائياً وكيماوياً ومدنيا وخشبيا وورقيا ونسيجيا إضافة إلى سبعة وسبعين مصنعاً خارج إطار المدينة الصناعية .

·       الحركة التجارية نشطة بدلالة وجود ثمانية وأربعين فرعاً لبنوك محلية

·       أكثر من مليوني نخلة وأكثر من خمسة وعشرين صنفاً من التمور الجيدة .

·       المواصلات منها واليها جوا بالطائرات برا بالقطارات والسيارات وبحرا عبر ميناء ( العقير ) .

·       الخدمات الصحية أربعة عشر مستشفى حكومياً وخاصاً وعشرون مستوصفاً تغطي مساحة المحافظة .

·       ثلاثون عينا تشكل في مجموعها جداول تضخ من مخزونها بمسافات ممتدة للسقيا أشبه بالأنهر الصغيرة .

·       المعالم التاريخية ثرية ومثلها المعالم الأثرية والسياحية :

-       ( مسجد جواثا ) ثاني مسجد أقيمت فيه الصلاة بعد المسجد النبوي الشريف ( جبل القارة ) الأسطوري جبل الأربع ( قصر إبراهـيم ) و ( قصر خزام ) و ( قصر صاهود ) إضافة إلى المنتزه الوطني ومدن الألعاب والترفيه ومجموعة متفاوتة المستويات من الفنادق والاستراحات

·       تحفل بأسواق قديمة وحديثة أهمها سوق القيصرية القديم وسوق السويق وسوق الخميس وسوق الجمعة وسوق البدو وسوق الحراج وسوق التمور والأسواق الدولية ومجمع الأسواق .

·       في المجال الرياضي يوجد أحد عشر ناديا رياضياً .

·       المنطقة هجر شاطئان مطلان على الخليج هما شاطئ العقير الذي يبعد عن الهفوف قرابة ستين كيلو مترا وشاطئ سلوى الذي يبعد في حدود المائة وخمسين كيلو مترا.

 

 


 

 

من أدب الرحلات :

الأحساء بين زيارتين وهجر بعد هجرتين

الأديب الأستاذ عبد الرحمن المعمر

 

منذ وعيت الحياة وأنا حدث بالطائف كنت أسمع الأحاديث عن الأحساء وحجاجها الذين يمرون أو يتلبثون كانوا يتميزون عن حجاج بعض المناطق بالسماحة والوجاهة ورزانة العقل والملابس الزاهية والنظافة .

       النظافة لماذا ؟ لأن الأحساء بلد العيون وأفلاج الماء والحمامات التاريخية القديمة ومن لديه يسر ووفر في الماء يتضلع ولا يعطش ويستحم يومياً ويتنظف ، أما الذي لديه شح وتقنين فالله المعين . هذه أول صورة انطبعت بذهني عن الحاج الأحسائي ، والثانية كثرة الشعراء والأدباء بينهم لأن الأحساء منذ القدم مثابة للعلم وقبلة لطلابه ومن يراجع الكتب التي ألفت أو الدراسات التي جمعت يدهش ويعجب لهذا الجزء العزيز من الوطن الغالي كيف من الله عليه بمزايا وافرة وخصه بخصائص ظاهرة منها مجالس الأسر ، والماء ، والشجر والنخل ، والقضب والحب ، والروح والريحان ، والعنب والرمان متشابهاً وغير متشابه ، لقد جمع الله له بين الثلاثة التي تطرد الهم وتذهب الحزن وهي الماء والخضرة والوجه الحسن فأكثر من عرفت ولاقيت تعرف في وجوههم نضرة النعيم .

وفيهم مقامات حسان وجوههم            وأندية بهــا القـول والفعل

        يا الله كيف استدارت بي الأيام وعاد شريط الذكريات يوم زرت الأحساء الزيارة التي لا تنسى ، وكيف تنسى وهي برفقة فقيد العلم والفضل ومكارم الأخلاق المرحوم عبد العزيز الرفاعي ( والذين عرفوه لا يستغربون وصفي له ).

       كانت كتب أدباء الأحساء ودواوين شعرائها تصله باستمرار يطالعها ويسر بها في سر ويشيد بهم وبها علانية ..

وقبلها شهدت معه بعض مجالس الدكتور راشد المبارك التي كانت تعقد بمقر الأحدية القديم بحي البديعة بالرياض ، كان الشباب الذين يحضرون يتسابقون للترحيب بالقادم والإيثار على أنفسهم والسؤال الدائم والقائم ( متى تزورون الحسا ؟ ) هكذا عفوية وصدق كلما التقوا بالشيخ الرفاعي أو قابلوه . وعزم الشيخ على الاستجابة لطلب الأحباب ودعوة المحبين عبر الأخ حمد الصغير ، وكان قد تلقى دعوات وأرسلت إليه إشارات من بعض وجهاء الأحساء وكبارها وأخبارها أمثال العلامة الشيخ يوسف بن راشد المبارك وعين الأعيان وكبير الوجهاء في ذلك الزمان الشيخ الموسى وغيرهم رحمهم الله .

       غادرنا الرياض بالطائرة صباح الاثنين 15/5/1401هـ ، وأقبلنا على الواحات الخضراء ونظر الرفاعي من الجو فأخذ بما شاهد ودهش لما رأى وسبح الله وقال بلهجته الحجازية المحببة لسمعي ( شوف يا وجيه إن في الأحساء من عطاء الخالق ما يحتاج إلى عناية المخلوق ) صدق والله ! لقد كان مشهد قنوات المياه العملاقة وجريانها والمساحات الخضراء وانتشارها والمباني الجميلة وإتقانها كل ذلك يلهم المتحدث ويسر الناظر ويزيد الشاكر .. وهبطنا مطار الهفوف وصافحتنا الوجوه الضاحكة المستبشرة والقلوب قبل الأيدي والترحيب الصادق العفوي وأتذكر الكرام الذين لقيناهم ببهو المطار السادة التالية أسماؤهم مع الاعتذار لمن نسيت (( أحمد وعبد العزيز المحمد الموسى ، حمد الصغير ، محمد عبد الله البابطين ومحمد عبد الله المبارك )) وتوجهنا إلى مقر الضيافة في هيئة الري التابعة لوزارة الزراعة ، وكانت عبارات التأهيل والترحيب لا تنقطع ولا تفتر ، وبعد جلسة قصيرة واستراحة وتعارف سبقها محبة وتآلف توجهنا صوب مزرعة الوجيه الشيخ محمد الموسى وهناك رأينا الأحساء وأهلها وغصنا في بحر يموج من البشر والاستبشار وكلهم يرحب وهو صادق ويتكرم وهو قادر ويعرض ولا يعرض

من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم           مثل النجوم التي يهدي بها الساري

       هنا اختلطنا لأول مرة بأهل الأحساء ، هنا رأيناهم على سجيتهم في مزارعهم ومجالسهم ولا تسل عن كرم الشيخ محمد الذي سارت بذكره الركبان، وتباري الجميع في الحفاوة الصادقة يطلبون تحديد المواعيد فاستنجد الأستاذ الرفاعي بالشيخ الموسى وأبنائه طالباً الحماية والنجدة وتقرر أن يكون الأخ حمد الصغير – وكان رئيساً للبلدية في ذلك الوقت – هو المنسق والمنظم للقاءات زيارات المجالس وبرنامج الندوة الثقافية والأمسية الشعرية .

       وقد تشرفنا وشهدنا مجلس كبير علماء الأحساء في وقته الشيخ يوسف بن راشد الذي ينعقد وقت الضحى ولا تسأل عن المجالس والجالس فيه والرجال الذين حوله يتدارسون معه القضايا الفكرية والدينية والتاريخية كنت أختلس النظرات أنقلها بين الرفاعي والمبارك وأنا أشاهد وأشهد حوار الكبار ونقاش الأساطين . الله أكبر لقد سلبتنا المحطات الفضائية لذة تلك المجالس العربية – أعود إلى الشيخين يوسف المبارك وعبد العزيز الرفاعي فإن كلاً منهما يشبه الآخر ففي وجهيهما نور وسماحة ، وفي حديثهما ترفق وراحة ، وفي طرحهما أنس وملاحة ، وكأنما عني كلا منهما الشاعر بوصفه :

شيخ إذا جالسته في مجلس        جالسـت منه عالماً وفهيما

وإذا نظرت لوجهه متأمـلاً        أحسست فيك لشخصه تعظيما

       وتوالت اللقاءات وتتابعت ، ونسينا التعب والنصب ، لأن لقاء الأحباب ينسيك كل رهق ويذهب عنك كل إرهاق .

       وأقيمت الندوة الثقافية بمقر جامعة الملك فيصل وحضرها حشد من الأساتذة والطلاب وجمهور من المواطنين ، وشارك فيها مع الأستاذ الرفاعي أحد الأدباء والشعراء من الأحساء وهو الأستاذ محمد عبد الله العلي ، وتخللها أسئلة ومداخلات دلت على وعي من الحضور غير مستغرب واحترام للضيف غير مصطنع واستمر تلقي الأسئلة وتلاقح الأفكار حتى ( أعلنت الساعة منتصف الليل في الأحساء ) على طريقة إذاعة لندن ودقات بق بن .

       وهنا انتهى السمر وانفض السامر ، ورجعنا إلى السكن لنستأنف مع من لحقونا من الإخوان سهرة إخوانية عفوية كان الشيخ محمد المبارك والأستاذ عبد الرحمن الحواس من أبرز الملازمين للشيخ الرفاعي محبة ورغبة في الاستفادة من حضوره وإشعاره بالأهلية والحميمية وأنه ليس ضيفاً ، بل صاحب مكان ومكين وقد تخلل تلك السهرة مداعبات تتصل بالزواج والتعدد وتجديد العمر ( وذلك الأمر الذي حوله دائماً ندندن ) . وكانت النكات المضحكات ختام تلك الأمسية وقد أبرموا العهود والمواثيق بينهم ألا تصل الأخبار إلى دورهم حتى لا ينقلب المزاج عليهم ، وهكذا شجاعة الأدباء إذا بعدوا عن أهلهم وضمنوا الأمان لأنفسهم ومدحهم لحالهم والمبالغة بمعجزاتهم وبطولاتهم الخارقة وإيهامهم لمن لا يعرفهم أن لهم غزوات في الليالي الحالكات ، والله أعلم بالصحيح .

 

 

الرفاعي والمبارك وذكرى زيارة الأحساء

       في ليلة رائقة رقيقة نظمت صالة النشاط الثقافي بهيئة الري في الهفوف أمسية أدبية كانت راحة للفؤاد واستراحة للعقل ومستراحاً للروح . ألقى الرفاعي فيها وأتحف الحضور ببعض النثر الفني الجميل وشيء من شعر قليل ختمها بتحية للأحساء ، قال فيها :

من كرام على الـكرام أنافـوا        قطرهم مـثل أهله مضــياف

تنبت الأرض بالربـيع سخـاء       فهي القلب والربيــع الشغاف

ما تراها قد سمـيت أحســاء       لدنـو من السـخاء يضــاف

قد أجنت كنز الحضارة قديماً          وأفاضته فاســـتلان الجفاف

فغذا العالم اسـتدار إليـــها       راكـضاً لاهثاً لــه إرجـاف

زينها نوره وقوتـه الكبــرى      ومسرى صراعـه والمـطاف

من كرام على الكـرام أنافـوا       ضيفهم بل مضيفهم من أضافوا

وبشاشاتهم لــقاء ربـــيع        وحديث كما تـدب أســلاف

دام هذا الربيع يخضـل بالبشر       نضيرا من عطـره نســتاف

       وفي اليوم التالي جاءنا وهو يسعى ، بل صبحنا وهو يضحك وآنسنا بحضوره ظريف الهفوف محمد المبارك وشنف أسماعنا بطائفة صالحة من أشعاره وكانت الطيور على الشجر وحولنا تتحرك وتصفق بأجنحتها كأنما تشارك الشاعر في الترحيب بنا .. قال عافاه الله ومد في عمره :

شوق وإكبار تلاه هــتاف         تزجي به الأحساء والأرياف

لرجال علم شرفوا أوطانـهم        فهم بها الأهـلون والأضياف

شكرا أيا عبد العزيز ومن له        حق الصدارة قاله الإنصاف

أتحفتمونا بالزيارة مع فـتى آل المعــمر فيصل كشاف

وأعدتموا عهد الحوار لنستقي       نهلا وعلا فالعـلوم سـلاف

ومحمد نعم الزمـــيل فإنه       عضد أديـب طيـع مئلاف

لما رأي إخزانــنا أدبـاءنا       لم يحضروا أبدا هنا الإسعاف

فتبلورت عند الحوار مسائـل       شتى لها أثر لها أعــراف

أحيت لنا ما مر من تاريخـنا       ما قد بناه السادة الأسـلاف

فعسى البداية أن تكون كهمزة       للوصل يعقبها اللقاء يضـاف

حتى تتابـع حلـقة مفـقودة       كيلا يبدد كنــزها الإتلاف

وأعود أشكر للرفاعـي شكره       وثـناءه فقريـضه مفـواف

أثنى جزاه الله خيرا بالــذي       هو أهله إن السمات ظـراف

 

        أراني أسهبت ونسيت نفسي ، وكيف لا ينسى من يتحدث عن الأحساء لأن من يكون بحضرة المحبوب يخرج من دائرة الزمن ولا يعترف بالوقت أرأيت العاشق الولهان هل يأبه للساعات والثوان . أعود لما بدأت من مجالس وأمسيات في المنازل والمزارع وتجول في ضواحيها وقراها ووقوف على عيونها الجارية وماها ، وتفقد للنشاطات الاجتماعية والصناعات والحرف اليدوية والجمعيات ومراكز العلاجات الطبيعية والمشافي الأهلية ، كل هذا مع مدارس ومعاهد خاصة وأوقاف حبست لتكون دور رعاية وإيواء للمسنين والولايا المنقطعين أقامها الأهالي وعضدهم المجتمع ودعمهم الأخيار ، وهكذا المجتمع الحساوي الصحيح النظيف لم يقعد ماداً رجليه وباسطاً يديه منتظرا العطاء المجاني ، بل بدأ وبادر يواصل في تراحم وتلاحم ويتعاون في تعاضد وتكافل .

       الناس في الأحساء مفطورون على العمل في الزراعة والكدح ، والكد والجد في المهن والحرف والسعي ، يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله لذلك قل في الحساء الإلحاح الممل من السائل والتسويف الماكر من المسؤول .

 

أسماء كبيرة لا تنسى في الأحساء

       في زيارتنا الأولى للأحساء سعدنا وشرفنا بأكثر الوجهاء والأدباء والفلاحين البسطاء وكلهم تركوا أثرا في النفس وذكرا حسناً ولو ذهبت أحكي عن من قابلت ورأيت لنفد الحبر وتكسرت الأقلام ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، وإلا كيف أنسى تلك الأسماء العظيمة والبيوت الكريمة ، بل كيف أنسى أمير الأحساء ذلك الوقت محمد بن فهد بن جلوي ومكارم أخلاقه وعظيم تقديره لأستاذه الشيخ يوسف المبارك فقد تلطف رحمه الله وشاركنا إحدى الجلسات ، تحدث بطلاقة وفصاحة لسان عن العلم والتعليم القديم في الأحساء وفضلها على أكثر الأقاليم ، وفي يوم لاحق توجهنا لزيارته في ديوان الإمارة بالهفوف وحضرنا طرفا من مجلسه الرسمي ، ثم انتقلنا إلى حفل أعده وشهده معنا الكثير من الأصدقاء أعقبه وكيل الإمارة في ذلك الوقت الشيخ عبد الوهاب بودي بدعوة في مزرعته ، وتتابعت اللقاءات والمطارحات معهم وعجب الأستاذ الرفاعي من كثرة حفاظ الشعر وقصص الأجواد السابقين وتتبع آثار الآباء الراحلين وتذكر أيامهم وتربية أبنائهم على سماع سيرهم العطرة فقد قابلنا عددا من المفوهين المدرهين والشعراء المجيدين في مجالس المبارك والملا والموسى والعفالق والنعيم والملحم وغيرهم .. هذا في الهفوف والمبرز أما في ريف الأحساء وقراها فقد رأينا نماذج مشرفة للعمل الاجتماعي والتعاضد الإنساني في بلدة البطالية وعيون الجوهرية والقارة وجبلها العجيب المغارة وزاد إعجابنا حبهم لبلدهم ، وتعلقهم وكلفهم بها  وتراضيهم فيما بينهم وتسامحهم وتصالحهم مع أنفسهم ، وعدم تبرمهم بالحياة وسخطهم على الأحياء كما نرى ونسمع في بعض البلدان من تذمر دائم وشكوى بلا سبب ، وحرد وحسد للآخرين ( يا أمان الخائفين ) .

الأحساء تربة تنبت التسامح والاعتدال وتنبذ الغلو والابتذال

       قلب أكثر الكتب والدواوين التي ألفها الأحسائيون منذ القدم وحتى الآن، مثل مختارات الشيخ محمد بن عبد الله آل عبد القادر قاضي المبرز قبل خمسين عاماً تجد التغزل والهيام بالأحساء مكانا وسكانا والتشوق والحنين إليها إذا بعد عنها ، ولاحظ أنها بلد لا تضيق بالوافد ولا تستنكر الغريب فقد قصدها عدد من الأفراد والأسر من كل فج عميق ، وهاجر إليها طلاب العلم مثل الذين يفدون على الشيخ أبي بكر الملا ، ويحلون فيها ثم تحبهم ويحبونها وينسون أهلهم وديارهم وأرضا قد تركوها . تجد ذلك في استعراض أسماء أسر وبيوتات تمر بك في الأدبيات والقراءات مثل كتاب الدكتور محمد الملحم وتاريخ هجر لعبد الرحمن الملا وغيرهما من المصادر والمراجع . أليس هذا دليلا على أنها تربة تنبت الغزل ، من رآها هواها ومن سكنها أنس من جانب الناس محبة ولطفا وتسامحا وعفوا لذا تجد الشخصية الأحسائية متوازنة ليس فيها غلو في الدين وطيش على الآخرين ، كما تجد في أهلها سرعة الإنكار والاستنكار لكل عمل فيه تطرف وغلو أو مزايدة ومكابرة واستغلال لسماحة الدين ووسطية الإسلام . راجع وتابع كتب علمائهم ودواوين شعرائهم قدامى ومحدثين تجد الترحيب بالاعتدال وتغليب التسامح والتظرف على الانتقام والتطرف ، ويوم حاول في محرم 1400هـ شرذمة مجنونة تحالفت مع الشيطان وتبعت ابن سيف جهيمان ومن ادعى أنه المهدي المنتظر آخر الزمان واحتلت المسجد الحرام وروعت الأنام ونشرت أراجيف التضليل والتدجيل ودق إسفين الخلاف بين المسلمين تصدى لهم بعض أدباء الأحساء وشعرائها وكشفوا زيفهم وفضحوا أمرهم وهتكوا سترهم .. وفي هذه الأيام العصيبة التي يمر بها الوطن والأمة بفتنة يبرز أحد أبناء الأحساء وكبار مثقفيها ومؤرخيها الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الملا ويبعث في المدائن حاشرين بقصيدة صادقة معبرة مؤثرة ، مستنكرة ما يحدث من الخوارج الغلاة من تخريب وقتل وتفجير وما يلاحظ ممن يسكت عنهم أو يبرر ويفسر ولا يصرح ويوضح موقفه منهم .

       وبعد ربع قرن من زيارتي الأولى رجعت للأحساء في زيارة مرتبة على مهل لأني لا أعد الزيارات الخاطفة التي تأتي على عجل وتسرع . وأعجب ممن يمارسون هذا النوع من الزيارات الناقصة لإقليم واسع وعظيم مثل الأحساء ثم يدعون أنهم قد أحاطوا بكل شيء فيها من هنا تأتي الأحكام المسبقة والنظرة القاصرة وعدم أعطاء الأشياء حقها ومعرفة الأمور على حقيقتها ( أنها مثل عملية اليوم الواحد ) تتم في مصحة صغيرة تجري بسرعة وخفة .. لا يا سادة فالأحساء ليست هكذا أنها كالبيوت الشريفة تدخلها من أبوابها لا تقفز عليها من شباكها أو تنط من وراء جدار مثل الذين قد تسوروا المحراب .

       إذا لم تبت في الأحساء وتنام وتستلذ بالروي والأحلام وتستيقظ وتطل على نخلها العالي ومائها الجاري فلن تعرفها كما يجب .. أما الذي ( يطب ) عليها وهو يلهث من التعب ظهراً ثم يغادرها ( كالمخروش ) عصراً لم يدخل بيتاً في حواريها ولم يجالس أحداً من أهليها ثم يعود يحدث عنها بنعوت وأوصاف فيها تسطيح واستخفاف أنه مثل العبد الآبق وعبر مروق شارد لا تلثب عاشق لقد سمعت بعضهم يتحدث عن الأحساء ويورد معلومات مشوهة كاذبة والسبب أنه يأتي مسرعاً كالخاطف الخائف لا يتريث ولا يتروى ويتلطف .. إن الأحساء كالحسناء الحصان الرزان لا تعطيك سرها ولا تطلعك على حقيقة أمرها إذا لم تتأكد من ولهك لها وكلفك بها .. وكلما أطلت المكث والتربص عندها عرفت شيئاً بل عرفتك على أشياء .. أما زوار الفوضى المرتبكة والربشة والرجة فهؤلاء هم أصحاب الإشاعات المغرضة والمعلومات المشوهة عن كل بلد يمرون به أو يزورونه ثم يزورون الكلام عنه ( حسبنا الله ) .

       هذه المرة استمتعت ونمت وسط نخيل الهفوف أربع ليال شعرت فيها بالسكينة والطمأنينة والأحلام الجميلة كنت استيقظ على صياح ديك الفجر أشاهد إدبار الليل بعد أن عسعس وإقبال الصباح إذا تنفس ( حتى ديك الحسا غير ) وقد ظننت أني وحدي المستأثر بهذه العطايا الربانية والمزايا اللدنية ولكن أخي ورفيقي في الرحلة حماد السالمي قال أنه شعر مثلي وأحس ولمس وهكذا البلد الطيب المبارك يساوي بعدل ويزن بقسطاس ويوزع سهام البركات في سر وخفية أعود إلى هذه الرحلة والقصد منها . في كل صائفة يقصد الطائف طائفة من المصطافين من أبرزهم أبو طارق الشيخ أحمد الموسى وبعض الأصدقاء والمحبين وفي طليعتهم الشاعر المؤرخ الأحسائي الشيخ عبد الرحمن الملا وطالما تفضلوا ودعونا . ويوم يسر الله وتهيئت ظروف كل ما منا توجهنا إليهم صباح السبت 12/3/1425هـ أقبلنا على أشرف الشجر وديار هجر وهتف الفؤاد بالشعر :

وأكثر ما يكون الشوق حينا               إذا دنت الخيام من الخيام

       هذه هي الهفوف حين دخلناها وقت الضحى ورأيناها تضج بالحركة والناس وجاءنا صوت الشيخ عبد الرحمن الملا يرحب بصدق ويختفي بعاطفة ورفق قصدنا فندق الهفوف وجلسنا نطل على النخل وهناك لقينا الأحبة وتلاقينا مع المحبة وبعد استراحة قصدنا منزل الوجيه الأحسائي الشيخ أحمد الموسى وذكرني مجلسة وجلاسه بوالده المرحوم الشيخ محمد وما ذكرته عنه في الحلقة الأولى وهكذا الكبار والأخيار وبيوت الجود والفضل .

إذا غاب منا سيد قام سيد           قؤول لما قال الكرام فعول

       هناك سعدنا بلقاء طائفة صالحة من كرام أهل الأحساء ومؤرخيها ومثقفيها ودارت دفة الحديث وأديرت أنواع التكريم للضيف وقبيل الانصراف لاحظ الشيخ الملا وأدرك حرجنا وأن كل واحد من الحضور يرغب منا زيارته في داره أو التسيار عصرا في جلسته بمزرعته ليشارك في تكريمنا ويرينا جانبا من حياة الأحساء وصورة أخرى للمجتمع يحب أن نطلع عليها نراها . ونقرر أن يكون الدكتور نبيل المحيش هو المعنى بتعريفنا يدلنا على الأماكن التي تزار وقد تلطف مشكورا وصحبنا في جولات صباحية سعى بنا وطاف بين الغابات والواحات والقصور التاريخية والآثار والمتاحف وغيرها وقد شاهدنا بصحبته والأخ علي سلمان على سبيل المثال قصر إبراهيم التاريخي وآثار مسجد جواثا وجبل القارة ومعامل الحرف اليدوية والصناعات التقليدية وبلدة البطالية وعيون الجوهرية وغيرها .

بدايات المحاضرات والندوات والمقايسات

       وبين المغرب والعشاء شهدنا ندوة أدبية بل جلسة شاعرية وسط الأشجار الغناء وبين النخل والماء وهذا المنظر تراه يتكرر معك أينما اتجهت لأنك في الأحساء .. هذه الجلسة تمت في مزرعة عبد الرحمن عبد الوهاب الموسى وقد أسمعنا مضيفنا الظريف شيئا من شعره وبعضا من مروياته ومحفوظاته وشارك بعض الحضور من شعراء الشباب بمقطوعات شعبية تدل على روح صافيه لم تكدرها منغصات ولم تلوثها مشاحنات وبعد صلاة العشاء تحرك موكب الأدباء والشعراء إلى دار بناحية المبرز ينعقد فيها مجلس عميدها عبد العزيز الموسى وهناك أديرت حوارات وسمعنا الكثير من المشاركات والمقابسات وأستمر الحديث يسير بهدوء حينا وبحماس أحيانا وهكذا حتى منتصف الليل حول بركة ماء صافية كصفاء قلوب أهل الأحساء لم تكدرها الدلاء ولا العجب والخيلاء .

       وصباح الأحد واصلنا مع الدكتور نبيل المحيش جولاتنا وسيرنا وتسيارنا فكل مكان عندهم يستحق وكل ناحية لديهم تستاهل .

       وفي المساء بكرنا بالحضور إلى مجلس كبير أدباء الأحساء الشيخ أحمد بن على المبارك واستفدنا في الجلوس بين يديه قبل أن يتكاثر الوارد عليه فالمنهل العذب كثير الزحام والشيخ مد الله في عمره فرع من الدوحة المباركة المعروفة على مستوى الخليج والوطن العربي بالعلم والفضل والوجاهة والسماحة وكان الحديث عن شعراء من الأحساء تغنوا بالطائف المأنوس وقد أدار الندوة والحوار الدكتور خالد الحليبي وأعقب المحاضرة مداخلات وتعقيبات سرني أن شاركت فيها برأي عن مبدأ وموقف قديم من الأندية الحكومية الرسمية والصوالين الثقافية الأهلية وأن الأخرى خير لك من الأولى والقطاع الخاص أنشط وأنجح من العام في كل شيء وحتى في الثقافة .

       وبعد الانتهاء طوينا بساط الأدب وانتقلنا إلى سماط آخر في منزل الدكتور نبيل المحيش كان عشاء أعقبه لقاه وسمر ثقافي امتد إلى بعد منتصف الليل وهكذا أمسيات الأحساء ولياليها ومثقفيها وأكثر أهاليها . فالحمد لله أن ليس بها نادٍ حكومي رسمي كان أربكهم وأفسد طبيعتهم بالاختلاف والمناكفة والخلاف .

       ومساء الاثنين بكرنا أيضا صوب حي المحمدية بالهفوف إلى دار المرحوم عبد الله الخليفة النعيم حيث مقر المنتدى والقيم عليه الأستاذ محمد بن صالح النعيم وقد أنسنا بلقاء مجموعة من الأدباء تعرفنا عليهم وتبادلنا العناوين لنتواصل ونتراسل ولو لم يكن من هذه الندوات والمجالس إلا هذا لكفى . كيف وهي وسيلة تلاق وآلية تعارف مع شيء من المقابسة والإمتاع والمؤانسة . وقد ألقى الأستاذ حماد السالمي بحثاً عن سدود الطائف ودورها في سقيا الحجيج بمكة وقد تداخل وتفاعل بعض الحضور وشهدت منصة الخطابة وقوف بعضهم مرحبا ومعقبا .

       ومساء الثلاثاء كنا على موعد مع الأخ جعفر عمران ورهط غير مفسد من الأدباء الشبان لحضور ( ملتقى الثلاثاء الثقافي ) ومنتدى الشباب الاجتماعي الذي يلتئم شمله بمنزل الأستاذ صالح بوحنيه بالهفوف كان الحضور جيدا والمحاضر متحليا بالإجادة والإحاطة والموضوع ( مفهوم الوطن ) يا الله الحديث والمتحدث وهكذا الكبار ومحمد العلي . الذي سرنا جاسم الصحيح بإعطائه بعض حقه .. لهذه الندوات وأصحابها دور مهم في النشاط الاجتماعي والحراك الثقافي وتعويد الناس على تناول هموم المجتمع وقضاياه وقد سررت لرؤية أستاذنا ( أبو عادل ) بعد لقاء في الشام منذ أعوام وسرني أكثر تصدية لهذا الموضوع وتوقيت نقاشه وتحريك الحديث عن مفهوم الوطن هذه الأيام خاصة ووطننا الغالي بكل طوائفه وأطيافه يواجه فتنة التطرف والغلو وإلغاء الآخر واحتكار الحق والحقيقة وفرض الجهل والتجهيل وآراء أحادية مشوهة مستوحشة ومحاولة حمل الناس عليها أو قتل من لم ينضم إليها .

       لقد كنت أسعد كل يوم يمر بلقاء رموز أدبية وقامات ثقافية وهامات اجتماعية وهكذا الأحساء مرة ثانية وثالثة لا تزال ترينا العجايب وترمينا بالأعاجيب إنها هجر وكفى . فكفوا عنها (سماجاتكم) يا من لا تعرفونها على حقيقتها .

       وبعد هذه الندوة ذات الرسالة الواعية تحركنا مع الدكتور نبيل المحيش وبعض الإخوان إلى مجلس يستحق أن تسعى له وتحفد ولقاء يستاهل أن تسير له وتسعد وعبر واحات النخيل وطرقها الزراعية المعبدة وصلنا إلى ضاحية

ودخلنا مزرعة بل قرية سياحية متكاملة إنها مقر وسكن أحد رجال الأحساء ذلكم هو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الموسى مشينا معه فيها ورأينا البيوت وجداول الماء والنخيل والحدائق الغناء وحتى المتحف الشعبي وملاهي الأبناء وملاعب الرياضة كل هذا مع سماحة وجه وطلاقة محيا وابتسامة ووسامة ألم أقل لكم في الحلقة السابقة أن أكثر من لاقيت هناك ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) وفوجئنا بحضور ثقافي مميز فيهم الأديب والشاعر والمعلم والمثقف والصحفي والراوية الشعبي والأستاذ الجامعي وقد برز الشيخ عبد الرحمن الملا كعادته في إثراء الحديث وتحريك المحاور للتحاور حولها وأمتد السمر وتعاطي السمار كل ألوان المفاكهة وأطياف الشعر وتلميحات الفن وتلميحات الغزل وإلى الصبح لا تسل .

       وقبلها لبينا دعوة صادقة كريمة من ابن الشيخ محمد الموسى ( عبد العزيز ) الذي يواصل وأخوه أحمد وأبنائهم نهج والدهم الراحل في الاستمرار في فتح القلوب قبل الأبواب لاستقبال كل ضيف والترحيب بكل قاصد وهكذا بيوت الأحساء لا تخلو من كريم ولا تعجز عن تكريم ماذا عسى أن أصف أو أضيف في قصره المنيف بمزرعته الغناء شهدنا لقاء تم بعد الظهر مباشرة ضم كوكبه من عليه القوم والأعيان وبعض المسئولين وقد تحلل تلك الدعوة أحاديث عن العلم والتعليم ودور الأحساء القديم في الأحياء والتنوير وبروز رجال كبار منها وكيف أنها بلد يألف أهله الوافد ويألفهم القاصد وقد مر ذكر حسن وثناء جميل على أسماء وطنية مخلصة عملت في الأحساء وبقيت تذكر بخير من أمثال الشيخ زكي عمر والشيخ محمد الطويل والشيخ عبد الله قاضي والسيد أحمد عبيد والأستاذ النحاس بل إن بعضهم وهو زكي عمر كان يسر بمن يلق من أهل الأحساء يحتفي به ويبثه حبه وشوقه إليهم .. وقد بلغ ببعضهم أن دخل معهم في مصاهرات عائلية ومشاركات تجارية استمرت وصداقات يورثها الآباء للأبناء وهكذا الأحساء لا تنسى من عاش فيها ولا ينساها من عرف أهاليها أليست بلد طيب وأرض مباركة هذا الإحساس عبر عنه أكثر من عمل بها أو صادق شعبها .

       أراني بعدت عن مضيفنا وجامع شملنا عبد العزيز محمد الموسى لقد كان طيلة الوقت باسماً وبشوشاً يروي القصص ويرسل الطرائف ويدخل السرور على قلوب الحضور وهكذا الإنسان الطبيعي السوي لقد سمعنا منه الكثير وروى لنا الأكثر عن الظرفاء والعيايرة في الحسا ولكل قصة تفاصيل وملحقات يضج السامعون بعدها عجبا وضحكا وبعد العصر أخذنا في جولة على الأقدام طاف وسعى بنا على مزارع ومشاريع ومصانع ومتحف يعده لحفظ العملات القديمة والمصوغات الأقدم والعاديات الثمينة وله إسهام في متحف الأحساء الرئيسي ودعم ومشاركة بإمدادهم بالغالي من التحف والثمين من الوثائق والموروثات والمسكوكات يتتبعها في كل مكان من العالم يثيب من يدله عليها أو يهديه إليها أحسن الثواب ويجزيه الجزاء الأوفى وصدق المثل العربي ( لا يخدم بخيل ) .

       لقد ورث أحمد وعبد العزيز عن والدهما خصال عديدة وسجايا حميدة من أبرزها الوفاء والسخاء وملاقاة الناس والشفاعة الحسنة والتواصل مع المجتمع ومحبة الجميع وشيء آخر هو حبهم وأكثر الحساوية مثلهم للمزاح وعدم تقطيبهم للجبين والتستر خلف الوقار المصطنع والتظاهر بالجد الكاذب إنها عقدة الآخرين الذين ينقمون على الحساوية وقد راجعت بعض كتب الأحساء القديمة فرأيت فيها الكثير من الطرح والتفصيل والشرح لقصص الدعاية والأفاكية ولهذا تشكل المجتمع الحساوي من قديم على التسامح مع بعضه والتصالح مع ذاته وهكذا المجتمع المسلم السوي المتوازن النقي . ولن يهدم الشيطان ما بناه الرحمن .

 


 

 

الصفحة الرئيسية