الآتون من رحم الغضب

للأديب سمير مصطفى فراج

 

للنارِ رائحةُ الرجوعِ إلى مدينتنا القديمه
هي كلْمة الفتح التي تسري بها الشفةُ الكريمه

وهي البُراق بمتنه معراجنا فوق الهزيمه
النارُ تنزعُ عن ملامحنا التجاعيد الدميمه

لي مفرداتٌ تشبه الآتينَ من رحمِ الغضبْ
السالكينَ الموتَ درباً يبحثون عن العرب
إن تقرأوها تسمعوا نبضَ الشهيد وقد أحب
لا تُخدعوا.. فمن القصائد حمزةٌ وأبو لهب

مِنْ خلْف سور مواجعي حدَّثتُ كل الناس عنكِ
أخبرتُهم أنَّا تلاقينا يقيناً بعد شكّ
أن الشهيدة تملأ الدنيا غناء وهي تبكي
علَّمْتِني الموت الجميل نثرتُ أيامي عليك

لا تسأليني أين أشعاري سيسحقني السؤالْ
هم حرَّفوا أشعارنا كي لا تبشّر بالقتال
واستأنسوا كلماتنا كي يعرضوها في احتفال
فاستفتحي أنتِ القصيدة يا سَنا بالاشتعال

مِنْ أول الحب انطلقنا من سيبلُغ آخره
مَنْ سوف يزرع قبلة فوق الجباه الضامره
مَنْ بعد عزل ابن الوليد أتى يقود عساكره
فلتقبلي.. مدَدٌ عيونُك والحروف محاصره

فلترجعي تاهَ انتظاري في الليالي المغلقه
ودمي اشتياق يا حبيبة للعيون المطلقه
نبضي تلا عينيك ديواناً وقلبي حقّقه
قالوا تراها واقفاً من خلف حبل المشنقه

هذي جبالُ الحزن راسيةً على صدر الحروفْ
فبها أرى تاريخنا هشّاً على صدأ السيوف
فدعوا الفتاة لحبها فلسوف تخترق الصفوف
صلَّتْ هوىً وتلتْ بمسجد حبها سُوَر النزيفْ

كيف التقينا يا ابنة الركن الندي من الزمانْ
وأنا ابن أيامٍ يثير سعالَها شبقُ الدخان
فلترجئي وعدَ الهوى وحديث زهر الأقحوان
فأنا إذا انتحب الرصاص أضجُّ من ضحك الكمان

إني أحبكِ زهرةً خصَّتْ حروفي بالعبيرْ
وغمامة في الصيف تمسح عن عباراتي الهجير
وحمامة بالحبر تبني عشها بين السطور
إني أحبك كلمةً خرجت مع النفَس الأخير

عيناك أصل الكائنات فكل شيء فيه رِقّه
من أوجه المدن الرخام إلى انحناءات الأزقه
حتى الذي جعل المسافة بيننا في الصدر طلقه
نبضي رصاصٌ والفؤاد غدا يصوّبُ كل دقّه

وقْع الرصاصة في الفؤاد كأنه إيقاع قُبله
مرت على شفتيْ محبٍّ أكدتْ بالموت قوله
أنا حاملٌ عينيك بَوْصلًة ونجماً كل رحله
لخصتِ أفعال الجهاد فلن تريني حرف عِلّه

بدموع زينبَ كنت تبكين الذي للموت جاءْ
وتشققتْ شفتاك من ظـمأ الحسين بكربلاء
من ذا سيدرك أن موتك كان من أجل البقاء
والناس تسألني الفرزدقُ أم جريرٌ في الهجاء

بدمي أرتِّل سورة البِكر التي حملت بجيلْ
فأجاءها جمر المخاض إلى جذوع المستحيل
فاتت به في كفِّه الأحجار والثأر النبيل
جيل سيمسح عن عيون مدينتي الليل الطويل

يا درة الأقصى «سناءُ» هناك تنتظر المزيدْ
قد أنجبَتْك وأنت بكر بشائر الأمل العنيد
هي أم جيل يا محمد ليس منه سوى الشهيد
كم لقّنتْ أبناءها درس الشهادة في المهود

تلك التراتيل الندية في الصباح صدى لهمسكْ
أشرقتَ بين المفردات فصرن أقماراً لشمسك
ما سقطة الشهداء موتٌ إنها رقصٌ بعرسك
لن يكتب التاريخ عنكَ فأنتَ تاريخٌ بنفسك

أحببْتَنا وصعدْتَ بالأشواق من قاع الوريدْ
وصرخت بالحب اخرُجُوا من بين جدران النشيد
أحببتنا والحب يقتلنا لنُبعث من جديد
ذكَّرْتَنا أن الرصاصة ماء غُسْلٍ للشهيد

الثأر نهر رافض شطَّيه فلنكنِ الروافدْ
أنا عائد لحبيبتي والتين والزيتون عائد
لأشدَّ لحم قضيتي من بين أسنان الجرائد
ومآذنُ الأقصى ستصفع وجهَ نجماتِ المعابد

إني أحبك يا زجاجاتي المسِيلة للدموعْ
ذكَّرتِني بالمسجد الأقصى وقد بكتِ الشموع
بجبالنا وسعال جدِّي حين يُجهده الطلوع
فلتمْلَئِي صدري دخاناً إنه عَلَم الرجوع

أبكيتَنا يا درة الأقصى.. بكينا فيكَ أمَّه
تركتْ صلاة جهادها للثأر.. صارت أهل ذمه
كن يا فتى القبس المطلّ على السنين المدلهمَّه
نجماً يشع شهادة.. نوراً يبدد كل عتمه

دمكَ الزكيُّ تناثرت قطراتُهُ والكلُّ شاهدْ
ما متَّ إلا حينما باعوا دماك على الموائد
جاهِدْ بموتك في بلاد ما بها حيٌّ يجاهد
واترك دمى الأطفال إرثًا للرجالاتِ القواعد

الثأر ترياق يقاوِم في الحشا سُمَّ السكوتْ
كتبوا كما قرأوا وأكتب بالرصاص كما أموت
كم قلتُ للناس اخرجوا فالموت يقتحم البيوت

الصمت أوسع مدخل لمخازن الموت العَطِنْ
فتكلموا كي تغسلوا أنفاسكم مِن ذا الدرن
قُتِل الحسين لكلمة وبدونها قتل الحسن
هل كان يُعْبد ربكم لو لم يقل للكون كن
فتكلموا كلماتكم ستكون إن قيلت وطن

 

 

الصفحة الرئيسية