للنوارس موت آخر
شعر إبراهيم منصور
 



إهداء

إلى أمي ..
إليها ينبض القلب، جبراً لخاطر أيامها
وبسمة على شفاه أحلامها، واعترافاً
بجميل لا يزال يثمر رغم السنين

- إبراهيم -




اختناق القمر


لم يختنق قمر على سطح البيوت
ولا حملنا آلة الدق القديمة
كى ننادى الحور يطلقن الضياء ..
عـلى مســاكن أهلنـا
لكنها اختنقت...
وليس لها حواريون...
من حور السماء
فكيف بدأ ممسكاًًًًًً بالثلج قلبي..؟
والمياه على مشارف مقلتي تربو
لأغرق مركبي في داخلي
وأسوح في الشط المقابل لانتهائي
ربما أنحو على درب التهجد
- ساعة-

فأصير صلداً
لا تباشرني النجوم سوى ملاذ...
من حريق الأرض..
لما يصرخ الأطفال في وجه الأمير:
"لنا التشرد...
والقدور مليئة بالدمع نطبخه..
فيها نملأ الأحشاء جوعاً"
:كان لي في الحلم سجناً
يجمع الأطياف من ظل الظلال
-كذا يقول كبيرهم-وأتم:
لوّن سجننا الأحباب
بالبلد التي كانت تهيم على أراضينا
فدقت بيننا عطراً قديماً...واختفت
ليكن دمي مهراً..ونهراً..
وانهياراً من علٍ
فوق اصطخاب البار بالسكرى
إذا شربوا الثمالة جدولاً
ثم امتطوا فرساً يسيل على عروق الأولياء..
قيامة...-ليست هي الأخرى-
فدقوا في رماد القلب أوتاداً..
تثبته على ماءٍ غليظٍ
واستحموا...
بارتداد الناس
في عام الرمادة..
للنخيل...




غـربـة

غريبين صرنا ..
وكنا نعجل حسر المياه عن الرأس...
إن جاء طوفاننا
ونأوي إلى جبل سوف يعصمنا
من عيون الذين علوا..فوق متن السفينة..
يوماً.. ونمضى
على قدر من لقاء
نوشوش شرفتنا من بعيد
فتذرو دفاترنا...
في الهواء الذي أغرق الماء أطرافه
ونبار كموت الرفاق...
كذا قد حلمنا:
تصيرين لي وردة في الأقاصي
فأقطف كل المسافات سعياً إليك..
زجاج المرايا عميق كعينيك..والصمت ممشى
فشّقى الغبار، الضباب،المياه..
وكوني غريمتهم..
هنا نلتقي..
عرفات يزاحم سيري وسيرك حتى نعود
نقاسم جيراننا السعى فوق المياه
وكان لنا عرشنا..فارفعى طرف ثوبك
حتى أبرهن أن قوائم عرشك ثابتة..
مثل قلبي
وطوفي على أمة من هداهد
جاءت مسومة للمالك
منذ انحنى من لواء المدى
فطفا فوق سحب قصيرة
مفارقة..والمعزون جاءوا فرادى
يشقون قلب المدينة وهى تنام

ألا أيهــــــا القلــــب غـــــنِّ بلحـــن سريع التـــجنـــــى
وســبح بحـمـد الضــيـاء وعـــلم هـوايـــا التـــمنـــى
ففي النـار قــــلــبي فـتيل وفي الصبح قد ضعت منى..
كم الساعة- الأن – يا سيدي؟
وكم مر من عمرنا..
منذ كنا جديرين بالمستحيل
نطالع سفر النجوم
فتنصت –مطفأةً-
لنعيش قريبين منها؟
لماذا نعيش غريبين..
والأمس كنا كذلك؟!..



من سرير الأرض


كان القطار يراود القضبان..
عن نوم طويل
والمساء يلف ثغر بيوتنا
بعباءة سوداء من حرش الفراق
طويلة تلك الليالى ..
أذكر الآن انتباهي للدجى
حين استعرت سيوف " دون كيشوت "
ورحت أصانع الحيطان من سأمٍ ...
لكي ما أبصر التاريخ يعبث في البناء
وأسكب الأفراح في نفسي
لعلي أبلغ السقف الذي ...
يحنى بعيضاً من هوامٍ
ويقوم يبحث عن طفولة وحيه
فتموت في شفتيه ألوان الحروف
ويعلن الملأ الحداد
على فقيد
كان يحلم أن ينام ...
ممدداً قدميه
في وجه القصيدة.




انـشــغال


جوع يعربد في الحشا
كيف القلوب تمنعت
فى عريها أن تنحني
وتسبح الوطن الغريب ذليلة
إني لتنشدنى الضواري...
إن سبحت بغاية الشوك
انفلاتا من ورد تكوني
كيف احتملت – معانداً – وجها وحيداً ..
يرتدي ثوب الشتاء بمثل ثوب الصيف ..
يالبجا حتى –
ماء عاد يشغلنى بكاء حبيبة
تستقسم الأزلام في ...
رجع الهيام
تمطر الحب ابتساما زائفا ..
ما عاد يشغلني سواد جفونها
أو صرخة في قلبي
للنوم أسباب تعاند جفننا – كنا –
سيشغلنى لماذا كنت أسجننى
وأشعل في هواها مقلتي
قسمت بينى بيننا
شدت فتيل الشوق قبل أوانه
رمضاء كانت في المساء
يزودها صهد التعلل
بالشبق
شبع يزمجر في الحشا
هل عاد يشغلني رغيف
يشطر الجوع
انتصاف غيابه ؟.



نـزال

للأمل ارتسام ..
قلبنا
سهماه في حرفى هواك مصوبان
فهل تعيد حسابها ؟
" أبريل " ....
هل يمتاز منك بميزة
تعطيبك حق البدء
إن عزت الطريق موشحا...
تعطيك معنى....
لارتطام الأرض
بالثوب الحرام
إذا أردت تطهراً ...
والشوق مسبحة
يخلخلها طويل تطلعى
نحو التحُّدر ...
والتحضر للنزال شريعة
يهوى سواى إقامة لحدودها
قنديل حجرتك
انتمي للفجر
فاخلع قلبنا جنباً
وباشر ...
صحوة البحر
النؤوم.
فربما صفة الطلول
يزيحها
مرآك في ثوب جديدٍ
طوله :
الشوق الموشى بالهواء..
وعرضه ..
ما بين وحدي...
والأنا..




في السوق


1- رخاء
قد تأخذ أمي بعض دواوينى بجوار الفرش بسوق ( أبي قير ).
وتبيع الجبن بأوراق الشعر الثكلى،الجبن اليوم شديد بياض الوجه ،ولكن سوق الجبن بطئ في الصيف،فأسأل أمي مسألة الأبناء إذا شبوا عن طور الصدر ،فينهد صدر بقماش معروق.
تنقدني بعض جنيهات ،فألم الحسرة من ثغرى، وألملم باقي أشعارى من دنِّ الجبن ،وأذهب للبحر وما يرغو ، ينقدنى الأخر شعراً،يكتبنى في ديوان ،تنتظر الأم
مجيئى كى تأخذه، وتبيع الجبن بأوراقي.

2- كساد
حين يجن الليل يقوم الصيادون من النوم النارى، ويبدأ سيدهم بالبحث عن الأحلام لأبناء المهنة في السوق، والسوق الليلة بردان، يلبس ليليات فوق لأديم يبلى من نخر الماء، كل الألوان –الليلة- تزهو بالفاتح فيها، فالليلة – في مثل الموعد من عام – قامت بشجار والقمر الساكن في ثغر الدنيا.
البدر عميق لا ينسى ويغيب كثيراً عن ليلات مثل الليلة ،يزداد البرد ولا مدُّ أو جزر تلك الليلة... تخرج أسماك البحر إلى السوق مؤرقة فينام الصيادون على ألواح ليست بالدسر ارتاحت للشطّ.



أسـواق الورد للبحر


ما كنت أشغل بالبراح خواطرى
حتى أتاني البحر منسرباً من الشطآن ...
يفترض السفائن كى تواصله ...
هو الآن ارتمى في داخلى :
عشرون عاما كنت أسكنه ...
فيصحو – في الصباح – يصب ملح العين
في الكأس العتيق
وأملأ البحر ابتهاجاً بافتضاحى للسماء ...
إذا تملًَت في عيوني.
أقطف الورد الحرام. وأستحل مسامه
وأحادث الطير الذي صاحبته زمنا
وأعرف كيف صار الثغر سيفا...
وابتسامة وردٍة:
جاءت على أولى السفائن وحدها.
والآن حانت لظتى...
كيما أوارى سوءتى
وأروح للبحر المغيب كى نصلِّى....
أو نقيم علاقة بالوقت حين تمردت دقاته
وأعود أحفظ من قديمى مضغة...
ألفت تعذيبها،
ووشَّمت الحوائط بالبدايات الرتيبة...
والنهايات الكئيبة
مهراً أسافر فى طريق ضيق...
نحو الورود الذابلة
من خبر الورد اشتياق البحر للمجداف ...
في غير التلاطم
فارتمى بحراً ...
يسوق الورد للشط التليد ..
ويدَّعي سبق الوصول..
إلى المدى
هو ذا يعيد العمر أوله .. ولكن ...
من يجرد وردتى أشواكها ؟
فتكون غير قديمها
واسجل الوشم الجديد
على حوائط حجرتي
ببداية جدت على قلبي
فمكن للنهاية مسلكاً مستحدثاً



حـلـم

إذا القـطر قـبَّـل ثغر المساء
وعاود قلب المحب عويل الشتاء
فلا تسلموا القلب أردية يشتهيها
فما عُـوَّد القلب ...
لبس الرداء
ستهرب عبر عيونى الحكايا
وينساب در التذكر منها
على صفحة خضبتها التواريخ بالدمع
لألأة للبعيد
وسرك صار على الصدر أغنية
تصطفى...
كى تسلى الصغار مع الأقدمين
فغير فصولك قبل انبلاج الستار
وعِّود سيوفك أن تنحنى للرياح
( فعبس ) ستبدو
إذا الكرب لاح
تلاحق فارسها المفتدى
هل تجرعت كأس المرار
على روح ( عبلة ) – مثلى _ ؟
فأنكرت موت الصبية عن صبها
ورحت تعب – أسى _ نخبها
قل لمن أمَّروك على مسرح العشق صباً :
سأكتب نص النهاية ... حبا
وأنكر أن الدماء التى لونتنى
تسير بأوردتى
وأبرئ منها القبائل .. – إن حان قتلى –
ستبكين يا عين أمى
إذا مات منى القصيد
وحطت رسائل شعرى على جبهة الأرض ثكلى
يوزعنى مر حلقى على كل فم
فأنذر للأرض قولى
وأشهدكم عرس قلبى – إذا القلب صم –
وأخلع ما أبقت الريح عندى
وأبصر – إن حان قتلى –
عيونا ستفرح فى غيبتى
وتدفع مهرى
إلى القبر كى أستريح
وتمرح بعدى الطيور ...
إذا حلَّ فينا المسيح.


جنية الساقية


جنية .. فى ليلة الصيف القمىء ...
تسلقت صدر الحبيبة ..
ثم حطت خيلها فى شرفة النهدين ..
صالت .. واستخفت بالعيون
وأورثت فى القلب ( دمـَّـا ) كان ينقصه
فهل يحمر وجهى إن وطأت فؤادها؟
كانت طواطمها تعمر نحر صبيتنا بأوشام الردى
أو ( خمسة وخميسة ) ...
كيما تصد جحيمها
ذكر الخفير حكاية :
أن الصبية تبتنى عشاً
بساقية الجراح

وأنها ألفت لدى النايات مطلبها...
ونادت في فضاء الفجر كل بعيدة :
" يا فاتر الجفنين لملم حسنك الطاغى
ومرغ مقلتى فى إنسك الباغى "
جنية ليست ككل الجن يلعق طيفها.
لكن تخطت حد أغنية السكارى
صورت فى القد برجاً مائساً .
أو صوت فى العين بحراً...
يستجيب لمدها .. ولجزرها
" يا بؤس شعرى سيد الأشعار
ما الفرق بين جراحها ..
وجراح إنسىٍّ تلبلب- مجبراً-
صفصافة فى حجر ساقية تهدهد ساكنيها.
تسمع القاصى حداء يحتذى أهل الحداد بحدوه
يا راضعاً ثدى السحاب إذا تكون نهدها

أبلغ سلامي للسحاب وللمطر
قل للبلاد إذا تزَّيت بالجوى:
إن الغبى تجندلت أحلامه بين السحائب والقمر
وأصابه جمر التباريح احتوته قلامة الأيام ... حتى يحتضر .
قالت له امرأة عجوز :
يا ابنى الضم هواك بفاتنة،
خضِّب كفوفك بالحمام
ولا توشم جبهة التاريخ بالطير الذبيح،
فأضحياتك لا تساوى غير دمعة حية...
ذرفت على شفت الوطن ...
زوجتموها للذى طالت رجولته
سماء الله
فارتعشت عفاريت البسيطة كلها
لما رأته
عــــاريـاً...



رجوع إلى باحة الحلم

توسدت قلبى...
وأضرمت أخر أغنية للرحيل
فما ذاع صيت الحريق،
ولا أشرك الليل بالظلمات
ولا مات سرى على شفة الوقت بين البغاة
وما عاد يبكى علىَّ الخليل
كفى حجرتى مرقدى
والشوارع – من غدوتى و رواحى – تحن إلى مبعدى .
وأنا لا أميل إلىَّ
إذا خيرتنى الأنا أن أميل
****
سنون على قدها حكت ثوباً
يليق بكل الجهات وكل الفصول
وجُّبت الموالد أنصب لى خيمة .
تصطفى عارفاً بالخبايا .
يحادث رمل الصحارى،
ويفتح مشكاته للحيارى
فيملأ جعبته بالعويل
وعدت إلى حضن أمى
تلملم شوك الدراويش منى
وتغرقنى بالحياة ... إذا اشتقت موتاً
يطهرنى من عناء طويل
هو النخل خلد ذكر البلاد بظلٍ ظليل
ولا يعتريه انحنا ء ، فالريح ما تبتغى ...
ليس يعصم تمراً ذبول
وليست خيول الطفولة تصلح صهوتها للسفر
ولا عاد حلقى يجيد الصهيل
توسدت قلبى... ونمت
فلاحت – على البعد – مئذنة,
وأبى لا يؤذن للفجر فوق رباها
ولى أخوة عذبونى صغيراً،
وألقوا قميصى فى الحب
فاستأنس العرى جسمى ...
ونمت
توسدت قلبى ... فلاحت سماء
ورفرف قلب
هوى من سجون " العزيز" الذليل .



عطسة


" هتسى"
لماذا أصطلى بالعطس هذا اليوم ...
والطقس امتداد للمساء؟
لربما قدت قميصى ..
فى المنام خواطرى
فاجتاحنى برد يخلف عطستى
ريح البلاد تكونت بأنوفنا
وعطستها وحدى
فارتد طرف الناس يعبث بالقمامة
علهم يجدون ناراً... أو هوى
"ثقلت عليك مفاتنى".
وأنا المسَّيج بالدمامة
كيف تنطق،
والجنود مواثل...
فى زيهم ؟
هذى همومك أثقلتنى
فاقتسمها بيننا،
واعطس إذا زادت
حتماً تحل عن الكلام
لدى الجنود
وعندها سأقول:
يرحمكم إله قادر.




نفثة مصدور


قد أفلح التاريخ حين دعاها
وتعلقت بكتابه ذكراها
هى نور فجر قد تجلى فى الدجى
وكست سراديب الهوى عيناها
لله در مخاتل لها
أيرى لنا وسط الدجنة فاها؟
ما حظ شعرى دونها لو لم يكن
لقصيده مستمسكا بعراها
يحنى لها شيطانه رأس القصيدة
مغرقاً فى حبها يتباهى
للفجر فيها مسحة الصفو الصموت
وللنهار بها ضياء سناها

هى نفثة المصدور منى أننى
أطوى رحالى قاصداًَ لقياها
بحثوا لقلبى عن شبيه مثلها
وجد السعادة لغيرها أشباها
يا ليل من أعطاك لون عيونها .
فكفاك واحدة تحار مداها
ما زال بحثى للخيال مقيداً
حتى يحط على الطريق صداها



لسان قروى


لماذا نسافر كل صباح ...
ونرجع – حتما –بغير جناح
يعثر أقدامنا حجر يتنامى ..
ويصبح طودا...
يفك الغمام ..
و يسبى الرياح
قريبا من الدار كان يغنى ..
بناى تولد فيه النوى ..
والمغيب
وللحزن ( ستُّ )
كما الحسن يملك ( ستَّا )
تشاكس حلم الصغير ببالونة..
ملؤها من هواه
قصيدة شعر.
ووجه صبوح
وكان الصغير يخالف أقرانه،
عندما يملأون الشوارع سيرا
ويجلس فوق التراب
يحادثه...
ويسـُّر إليه
نشيد الحبيبة حين تغنى
يقابض بالعمر منه لقاء
يعيد إليه توازنه
وينير به قمراً:
لا يصاحب شمس البسيطة
حين يود
الظهور
طرىُّ كنبت الحقول
يصِّوب للرحل أعينه
ويعيد حكايته للنخيل
فملَّ النخيل الوقوف،
ومل الرماة،
فمال يحادث هذا الفتى
وتوسد ركبته
كى يفلى الجريدَ الصغيُر
ويلقى إليه الوصية:
" أحبوا الذين يكنون كرها لكم "
ويصلب حلم الفتى من جديد
تطالعنا صحف الصبح
أن الصغير تخطى الصعاب
وغافل سن الزمان
وتأخذه للمدينة باخرة
لا تقل سوى الليل داخلها
فيصاحبه،
ويعلمه كيف يهرب..
نحو المحال
ويخرج النور ..
ترمد عيناه من طبقة الموت
فى قرية غابرة
يعاود حلماً جديدا
فيصلب كيما يكفِّر عنا
خطيئاتنا
قروى يجابه صمت العيون
ويكتب فوق رباه :
" أريد حبيباً "
تولد ألف أنيس
يودون نزع البقية فيه
يسيمونه همهمات السكارى
يدق النهار بآياته،
ويعيد حكاية
حب جديد
ومن يسمع اليوم منه ؟
تراب المدينة
يشكو العذاب
ويقسم ألا يعيد إليه الحكايا
وحب جديد
يؤرق هذا الفتى
******
بمزلاجها الخشبى توارب
باب الدخول
وتكتب لافتة :
" لا دخول لبمن ينطق الجيم (1) جيماً "
- يعطشها –
فيقيم ضريح السكوت
ويختلس السير...
نحو الظلام
يوارى به سوءة الحب
فى زمن
يستحيل الحلاوة مراً
ويمنعنى أن أخشَّ إليها
فأدعو إلهى يفك لسانى
وأنطق جيما ... فيأبى لسانى
وأمنع رؤيتها.


(1) جيم أهل المدن وهى فى اللغة الفارسية كـَ



رحلة نيلية...


أفراس طيبة...
تزعج الهكسوس في نوم الخلود
وترفع الأصوات
ساعة نومها العادي
وللنيل احتضان الأفق حين يزجنا
صوب الجنون
بنسمة نوبيه
فنعاكس التيار...
لا نخشى الجنادل والرياح...
نمر في ثقب التذكر...
للبلاد المتعبة
من يخرق الفلك التي...
تشتاق فذا...
يأخذ الأرزاق غصبا.
ويريحنا من مرفأ الأحلام..
والوطن السيج بالغيوم
(آية الكرسي) تصد ضراوة الملك العنيد؟
وتمعن الإبعاد في نيل جديد...
يستوي ف الذهاب...
مع الإياب
ولا يعوق مياهه شص الولاية..
والملوك المترفون
النيل ينبض بالخريف...
فأيقظوا أوراقه
كى تكتب السفن المحلة التى
مرت على صفحاته
وسفينة الأحياء مازالت تراود نفسها
عن نفسها
فيها بهيج كل زوج
مرت على بلد
يزاوج أهله الإشراق للإظلام
رحت سألته
فأجابنا بالصمت ثم استاء...
من نظراتنا
وسألته عن نسوة يغسلن
(دم) الحيض في بئر القبيلة...
فاستوى...ثم ارتمى في
داخلى:
"اسكت"......
.........
.........
فتلك زليخة الملك
"العزيز"
و(دمها) طهر يراق
على (اليواسف)
كى يياوم، أويلايل رفضهم..
وسألته زرع الرجال...
وحصدهم نفس البنات
نسيت أن الروح قد رد الجواب
لسيدى....
وسألته .....وسألته...
وسألتنى:
أترى يجئ الوحى بعد غيابه؟
ومن المدثرنى
إذا النيل احتمى بمداخى؟
خليك في قاع السفينة
قاعدا


ملك الشطوط أصابه الداء
اللعين....
فراح يلقى حمله
ووزيره يشتاق كأساً....
لا يفارقه المعتق....
والبضاضة دربه
عفوا تغير في المسير
مسالكى
فسفينة الأحياء تأخذ دربها
نحو
البواليع
التي
بالقاهرة.




للنوارس موت آخر


البحر يسأل ديدبان مياهه..
عن نورس كان انتهاء بالزبد...
فيجيبه-والدمع ملء المقلتين-!
تفتت أوصاله،والدود ينهش في البقية
من علم الدود امتصاص المستحيل؟
ومن يساوم(ألف ليلة) كي تعود
وفي يديها خاتم ..وزبرجد؟
هل (شهر زاد) تملصت وتخلصت من وهمها ؟
يا سادتي..كان أسمها شهرا..
وزادت ألف ليلة
وانتمت لليل كي تستحدث الذكرى..
وتجنح خلف أستار الظلام...
وتنتشى في غيها..وهي امرأة..
تستطيع أن تحمي بلادا بين نهديها ..
ويوجد مخبأ مابين عينيها وبين...
أباحت الفجوات في أوصالها
فهى امرأه..
والبحر كانا يستحمان الهوينى ..مازحه -
وانتابها أمل نقض العقد
فانتبذت مكانا قصياً
بالت..فكان البحر طعما آخراً
وتوضأت بالرجس أحلام العشيرة
دق الجدار ولاحت الأنواء من قسماته
مازال كل ملوكنا من (شهريار)إلى (الرشيد)
يبايعون لها الولاية
فانتقت سجن العزيز لكي ترممه
هي الأنثى،ويوسف كان صدِِّيقا نبيا
أفردت فوق الغمام رداءها
وتعلقت من ثوبها حين استراحت في المدى
هل كان يوسف-مثلنا-يهوى النعاج ويستحي؟
أم أنه ذاق العذاب لأنه رفض الولوج
إلى القصيدة؟
كانها .. ما كانته
مادت على الجدران أسقفها..
وما مالت لها الجدران..
لا يا قاتلي..فالأمنيات تسريت
وتوسمت في المهيض
ففارقت من مفرقي حتى القدم
هذه القصيدة تستحم
فمن سواك
يبيح لي أوصالها؟





وعَدَ النجوم َفأخلفت



النمل يزحف في شراييني
فخلِّى بيننا من سكر الماضي قليلاً...
ثم ذوبي في جراحي
فالمرارة تسفح الذكرى(بدمى)
حين شبت مقلتي عن طوقها
أبصرت جنات لها سور
ولكن حين قابلني رفيقى
كان يمسك دفترا عن جنة أخرى
فأخبرت الرفيق عن المنام..
ففضنى..واستغرب الرؤيا
جنات ربك-صاحبى- ماسوِّرت قبلا
عاودت نومي في المساء
ورحت أزحف نحو جنات المنتهى
وتسلقت عيني حواجزها
هنا:حور غسلن جنابة
وجلسن يمشطن المساء ويستلبن نجومه،
وأنا المهيأ لاستلاب مفاتني،
وموزع بين النجوم وبين أجساد..
تعرت في منامي
فاتركيني أكمل الأحلام يا أمى..
تصر وليس لى حق الإعادة
صبُ أنا مثل القدامى ...
والقضية أننى أعد النجوم...
بأن أحب سميَّها
فى " الكَفر " يقتلنى كثير الأسئلة ...
هذا الضياء الشاحب النوَّام يقتلنى
ويمعن فى تجنيه ؟
وهذى البنت تسكننى ، وأرجوا أن أحادثها ،
فيأبى منطق الريف الإبانة ...
ربما قمصان نوم لا تعلق فى مخيلتى
وأبصر شرفة البنت الجديدة
قد تجلت بالملابس والعطور القيِّمة
واليوم يوم المرحمة
مدى جناحك يا شريدة إننى وله
بتزويق المحبة فى لسانى
فاستردى قلبك النعسان فىَّ
فما أفاق الدهر من طول التمادى
والظلام المستقر بمقلتى
يمحو مفاتنها
ويشعل صورة الأهل الكرام
التاركين على فتاهم حظهم
وتنام قريتنا على قلبى
وأبحر فى ضباب الأرض عصفوراً شريداً...
يلقم الحبات من حصد السماء
فتصطفينى للرسالة دون أهلى
هل يحط الشعر فى " الأرض الخراب" ؟
وأغنيات اللحد كيف أصوغها
نسقا... مواتى كل يومٍ
فى طريق عبدوه على بقايا جثتى.
هى سورة " النور" ابتدأت اليوم أحفظ بدءها
لكن ظلى فى المساء ينام فوق دفاترى الثكلى
فأبحر نحو ماء..
لن يزيل اليوم طهراً من دمى
أمى التى عُلِّمت منها أن أقاوم.
لم تدعنى فى اغترابى واحدا
لا تجعلينى فى القصيدة – يا حبيبة – ملهما –
أو تحتوينى فى رحابك سنبلاتٍ من وجع
فالسكر الحلو أنجلى مراً
بدمك يا حبيبة .
والعلاقم أخرجتك من الحياة أميرة
فلتلبسى تاجى قليلاً.
وأمرحى أنى أردت
فليس غيرك يملك الدنيا بشاعرك الحبيب
ويا حبيبة جهزى .. سفرى،
وأمتعتى لعلى قد أعود
أسابق الدنيا وأسبقها
وأرجع للعصافير الغناء...
فتستريحى من عنائك السفر
حتما يعود إليك وخذ تجاهل الدنيا لقلبي.
احتراق قصائدي.
وأقص ما تحكى المدينة عن فتاها ...
حين أشعل وجده بقصيدة
هى روحه فوق الورق
مقهى يسافر فى المساء إلى تطلع وحدتي
نرجيلة قبلتها
فأقام صدرى أول الأيام ثورته
و " إسماعيل " * .. صاحبني
ليدفع دائما – ثمن الشراب .
كم تعود أن يضايفني .
ويسلبنى بلوحات ...
تمارس الألوان فيها
صحبة الوجع الجميل بها
وأسمع – من بعيد – غنوة " للشاذلى" **
تهزنى
"عسل شفاهك واليدان " ***
فأروح أسك في شفاه حبيبتي .
لما أقبلها بقلبي من قديم .. ياااااا ....ه
كنت تسائلني إذا اسودت جفونى
عن معان للسهر.
فأعدد الأسباب :
من أجل القصيدة ...
أو مذاكرة.
وتفكيرا بحبى
كنت – حقا – لا أجيد الحق إلا مرة
فتموت غيظا أن جفني لم يكن وقفا لها.
وتم ساعات المقاهى في صخب
الليل أحسده كثيرا في المدينة
أنه أنس الضجيج . وصاحب السمار
رغم تغيبى
أستأذن الأصحاب في وقت العشاء
لكى أصلى ركعتين ...
فبالمدينة كل شىء قد تقلص.
والمآذن تسرق الأنظار من عين البشر.
وكذا الحوانيت التي يشدو بها
ضوء النيون
تزين التمثال بالزى الجميل ...
ووحدنا نمشى على مهل ..
وقد زاغت بنا الأبصار.
فى شرفتها – تلك المدينة –
ربما شىء جديد قد يضاف إلى مدينتنا
ونسمع – خلسة – نق الضفادع والكلاب العاوية
حتما أعود إلى الوراء ...
وكلب جارتنا يعلم في قميصى. أو بفخذى
رغم أنى – دائما-أخشى الكلاب وأنتحي من دربها
في يومها...
قام الشجار بحدة
ثم انتهى برباطة،
لما مررت بكلب جارتنا ،رأيت ضموره
فقسمت أكل بينه،
ورجعت في عهدي!
وذلك أنني إما مررت عليه
أخرج-في تباه-من لساني نصفه.
كانت ((لإحسان))مزايا عدة
إحسان-حسبك-لم تكن غجرية,وفقط
ولكن قدها ينبي بمعجزة ستحدث ذات اليوم
عندما يهتز في أرض التقى
وأبى تعود –من قديم-أن يحملق جيداََ،
وكذا تحلنا وارثات الجدود
فكنت أطلق مقلتى لمساء أغنية
تغنيها لنا غجرية الوادي
الليل صاحبني فأثقلني حمولا
من سواد لايزال مسامري
كان المساء إذا أتى...
أتصيد الأحلام –قسراََ- قبل معرقة الغجر
صاحبت –يوما ((ابنهم))
ولعبت بالكرة –التي في حوزتي –معه
فكان ينام في ركنٍ كثيراً...
ثم يبدأ بعد نومته سؤالي في رغيف
سوف أسرقه..
لأني كل يوم أصطفيه بلعبتي ،
أمي تعنفنى كثيراً أننى صاحبته ،
وتصر أن تمحو الرزايا من على جسدي ،
فأقبل-مرغما-
لما أتاه الموت ...
غنت أمه الصماء ((للأطرش))
((ياحبايبي ياغالين))...،
وقل شجارها
لكنني مازلت أبحث عن صديق
يأخذ الخبز الذي يربو على صدر الإناء ..
وتترك الفئران فيه بعرها
جيراننا كانوا كثيرا يقتلون مساءهم
بمناهم
إنى لأعرفهم إذا فرحوا ...
وأعرفهم إذا حزنوا..
صفحاتهم مفتوحة في داخلى
شىء غريب جال فى ذاكرىَ هذا اليوم :
أن نوافذا كانت تسد بأسهم
من معدن متوحد في زيِِه ...؟
لما رأيت سجونهم
أيقنت أن براحهم سجن
وعيونهم أسر ...
وقلوبهم غلفٌ ...
وأن مدينتى
بيت ((لأفلاطون)) يحيا في رباه
أنا لن أسامح مقلتى...
لما تملت في عيون البنت ..يوماً..
فابتدأت بحاجتى..،
وتركت قلبي يهوى
فحط رحالها في أرضها شعرا ...
هو الشعر ... القتيل .. القاتل .. الحيران ..
بينى وانتظام قصائدى فى عقدها
علمتنى – يا قاتلى –
أن أمسك الدنيا بكفىَّ
لا أبالى بالنوائب .. وحدها
ورميتنى – يا شعر – بالعشق القديم
وكان حضنى – دائما – مفتوحة أبوابه
أهوى كثيراً ...
فالهوى ملكى
وقلبى قبرات تستقل الريح
نحو محبة مستحدثة
وكثيرة مرات حزنى

فى المحبة
- والهوى ملكى –
- فكيف سيطعن الأحباب ظهرى ..؟
وذقت حرارة الأشواق
من دمعى طويلا
فاصطفانى البحر
ميراثا من الملح الأجاج
وورَّدت عينى
لذاك الأبيض المتوسط الأشواق
والأملاح .. والذكرى ..؟
كثيرا كنت أقتلها
فتبعثنى – سدى – جبانةُ
أعددتها
لقصائدى
ومحبتى مثوى ..
وجمّيز الطريق يسائل الشعراء
عن معنى الخلود.
ويحفر التاريخ قبرى
فى المساء
فهل أعود لعشقها
وأخالف الأحلام
فى نوم القصيدة ؟!


هامش :
* إسماعيل غريب ، فنان تشكيلى صديق
** محمد الشاذلى : مطرب صديق
*** من قصيدة لمحمود درويش
 


مقاطع


1-من سواد الريف
اطرح رغيفك فوق عرصة فرننا
ولتنتظر ...
حتى تجيئك مطرحة
كل النساء تصر للأزواج بعض غذائهم
ومداخن الأفران دفء شدنا
فلترتخ
جنب المليحة لحظة
فلعلها تعطيك خبزاً صابحا
ولعلها ...
تشتاق دفء الفرن فى أوصالها

فتكون أقرب فاجر
رفض المروق
مقلباً بخبيزها .


2- مرارة
إن طعمت الخبز مراً فانتظرنى
ربما يغدو لسانى
مصنع المر الجديد

3- كلام الليل
عند المساء يجمع العشاق وجدهمُ
وحين رحيلهم ..
ينسون سمن كلامهم
الشمس تفرد ظلها ...
عند الصباح


4- توأم
ليت أمى أنجبتنى
مرتين !
مرة أحيا لنفسى ،
مرة أفدى الحسين




حتما أميل إليك



قلبي سبيل المتعبين...
ولا يجاهر بالتعب
مر الصباح ولا يزال ممدا فيه الندى
يستوقف الماشين يسألهم إذا ضاقوا
فخيمته مدى يسمع المدى
فض اصطباري نومه
الليل يمهر مقتلي بدراََ..
تحلل من شموس الكون
فابتدأ التسرب من ليالي العشق...
والعشاق ... هل ضاعوا سدى ؟!
أوَّاه يا قمر ...
تحط يمامة بيضاء فوق الشعر .. تونعه
وترحل فى المغيب
تشبِّع الأحباب مثواهم ...
وترجع توقد القنديل فيك بجمرهم .
أنى امتلأت بنورك الخداع يا قمرى
وبت الليل أسألنى ... !
فأرفض أن أجيب
وكلما علقت قلبى فى مشاجب من أحب
تميد بالقلب المشاجب فى الغياب
وأحفظ الآن التضاريس القديمة للهوى
والصيف .. ما ودعته حين انتبهت
إلى ضيائك فى الوطن
لا الصيف عاد يحبنى
ويرتق البرد المخلف من شتاء لم يحن
أنت الذى وسدتنى رمل الشطوط.
وصغت لى منها أسى
راح الشتاء، وقد يرانى قيده
فتوزع الشط السفن
لا صيف يأتى أو شتاء عندنا
"فيروز" غنت فانتشى طفل المدينة-
بالمحبة فى الفصول جميعها
وابتاع للقلب ارتعاشاً
من شتاء للمحن
رحل الشتاء .. ولم يعد
" والصيف ضيعت اللبن "
هذى نوافذك القديمة – مثلنا – صدأت
وراح بهاؤها
فافتح بماء الوصل ما سد الرحيل،
وعاود السهر الحلال، وناجنى
حتما أحبك..
يا وطن.



المحتويات

الإهداء ................................................................................................ 5
أختناق القمر ....................................................................................... 7
غربـة ........................................................................................................ 11
من سرير الأرض .................................................................................... 15
انشـــغـال ................................................................................................. 19
نــزال ..................................................................................................... 21
فى الســــوق ............................................................................................ 23
أسواق الورد للبحر .............................................................................. 25
حـــلم .................................................................................................... 29
جنيِّـة ..................................................................................................... 33
رجوع إلى باحة الحلم ...................................................................... 37
عطســـــة ................................................................................................ 41
نفثة مصدور .......................................................................................... 43
لسان قروي ........................................................................................ 45
رحلة نيلية............................................................................................ 51
للنوارس موت آخر ............................................................................ 57
وعد النجوم فأخلفت ....................................................................... 61
مقاطع ............................................................................................... 75
حتما أميل إليك ............................................................................ 79


تمثل المفردة التراثية – بما تحيل إليه وما تحمله من معارف وإدراكات – عصباً رئيساً فى قصيدة " إبراهيم منصور " فهى ليست مجرد حلية توشى حواف النص، إنما دلالة فكرية تعمقه وتمنحه أبعاداً شتى. حيوية وثرية.

 

 

 

الصفحة الرئيسية